لولا العناية الإلهية واللطف الرباني لكان لحادثي حريق دبي والشارقة الأسبوع الماضي نتائج كارثية. فلو نجم عن الحادثين اصابات بشرية جسيمة أو متعددة لكنا دخلنا في معترك كارثة نحن غير مهيئين للتعامل معها، فمثل تلك الإصابات الجسيمة الناتجة عن الحروق تحتاج الى مركز متخصص معد للتعامل مع اصابات الحروق،
وللأسف الشديد ان اماراتنا الشمالية بما فيها دبي لا تحتوي على مثل هذا المركز مع العلم بأن الخطط الصحية في دبي والشارقة تحتوي في الاصل على وحدات حروق ضمن خطط انشاء المستشفيات الحديثة، فمستشفى دبي كان ضمن مخططه الأصلي وحدة للحروق حولت بعد تشغيل المستشفى الى وحدة لأمراض الكلى، ومستشفى القاسمي في الشارقة كان ضمن مخططه وحدة للحروق حولت بعد افتتاح المستشفى الى وحدة عناية مركزة.
ترى لماذا حرص من صمم المستشفى على جعل وحدة الحروق ضمن خططه ولماذا تحولت الوحدة إلى تخصص آخر؟!
قد يدافع البعض بأن عدد ضحايا الحروق سنوياً لا يستوجب انشاء مركز متخصص والدفع بعدم صحة ذلك هو افتقارنا لسجل وطني لأصابات الحروق الذي من خلاله نستطيع رصد الإحصاءات الدقيقة عن كل ضحايا الحروق وبالتالي تحديد الحاجة الفعلية الى عدد الأسرة في المركز وأيضا عدد المراكز في مناطق الدولة المختلفة، ولو طبقنا معيار سرير واحد لكل مئة ألف قاطن لأدركنا الحجم الحقيقي المطلوب لأسرة مراكز الحروق في امارات الدولة.
إن الناتج الصحي للحروق في الإنسان أصبح سمة من سمات التطور الطبي وعلامة من علامات الرقي الحضاري في أي بلد. ففي الأربعينات من القرن الماضي كان نصف المصابين بحرق بنسبة 30% محكوم عليهم بالموت، والنسبة هذه تحسنت لدرجة انها اليوم وصلت ان نصف من أصابهم حرق بنسبة 75% سوف يعيشوا، وهذه نسبة جيدة جدا بالمقارنة بما كانت عليه منذ حوالي ستين عاما الفضل الأهم يعود بالدرجة الأولى إلى الإنجازات الطبية التي أدت الى تحسن كبير في مجال التشخيص والعلاج.
ذلك بالإضافة الى إنشاء مراكز الحروق المتخصصة في بقاع العالم سيما الصناعية والمتقدمة منهما حيث أخذت هذه المراكز على عاتقها رعاية المصاب بالحروق من الألف الى الياء إبتداء من الحادث مباشرة الى أن يتعافى المصاب ويؤهل ويعود إلى المجتمع مرة ثانية.
فضحايا الحروق الجسيمة (والحرق الجسيم هو كل حرق يزيد عن 30% من مساحة الجسم الكلية) يمرون بثلاث مراحل حرجة ولكل من تلك المراحل خطط علاجية لا يمكن أن تنفذ بدقة الا في وحدات حروق متخصصة، فالمرحلة الحرجة الأولى هي أول 48 ساعة،
حيث فقد لسوائل الجسم داخليا وخارجيا ومن خلال المناطق المحروقة سيؤدي الى هبوط في الدورة الدموية أن لم يعالج مبكرا والمرحلة الثانية هي الأسبوع الأول حيث إمكانية حصول أخماجاً وأنتانات بكتيرية قد تكون خطيرة إذا لم يتم التعامل معها مبكرا والمرحلة الحرجة الثالثة هي الفشل العضوي المتعدد وهي أخطر المراحل حيث تكون في الغالب ناتجة عن حالة المصاب خلال المرحلتين الأولى والثانية. مثل هذه الخطة لا بد أن تكون جزءا من الخطة الصحية العامة
ولا بد لمركز الحروق أن يأخذ نصيبه من الاهتمام، وقد آن الأوان لأن نشهد مثل هذا المركز ليكون اكمالا للخدمات الصحية المتميزة في دبي، فقد كانت هنالك دعوة صريحة في البيان الختامي للمؤتمر الخليجي الثاني لجراحة التجميل والذي عقد في دبي عام 1995 بإنشاء مثل هذه المراكز ومرت عشر سنوات ولم يكتب لهذا المركز أن يكون على الرغم من أن دبي قد تضاعفت في المساحة والسكان والبنية التحتية والخدمات فيها بلغت درجة متقدمة.
إن التطور الذي شهدته الإمارات عامة ودبي خاصة في النواحي العمرانية والسكانية والصناعية وغيرها، يحتم علينا التفكير جديا بإنشاء قسم لعلاج الحروق يطابق المواصفات والمعايير الدولية التي دأبنا على السعي للحصول منها على اعترافات بمستويات مؤسساتنا، وإنه ليس من المعقول أن مدينة مثل دبي في السنة الخامسة من الألفية الثالثة تفتقر الى ذلك. إنها دعوة مخلصة لضرورة وطنية ملحة تجنبا لأي مازق قد ينتج عن حادث قد يوقع ضحايا محروقين.
بقلم الدكتور علي النميري