إن التفاعل الذي شهدته مكاتب «البيان» في دبي وأبوظبي عن حالة الطفل المواطن والمبادرة الرسمية الفورية للسلطات الصحية المعنية لهي أصدق تعبير عن نجاعة ردود الفعل التي تتناسب مع جسامة ما يمكن أن يصدر عن الطبيب (إذا كان خطأ)، وما قد ينتج عنه من أثر جسيم إذا ما ثبت ذلك الخطأ، لذلك رأيت أن أكتب عن الخطأ الطبي من الناحية المهنية وما يمكن أن يترتب عنه من الناحية القانونية.
إن العلاقة بين المريض والطبيب هي في الواقع شراكة تضامنية حقيقية بين طرفين، طلب فيها الأول خدمة طبية عرضها الطرف الثاني واتفقت إرادتهما على التنفيذ (تقديم الخدمة الطبية) فإن كان الطرف الثاني (الطبيب) غير مؤهل شرعاً أو قانوناً أو عرفاً للقيام بذلك العمل فقد أخل ابتداءً بالتعاقد ويتحمل مسؤولية جزائية عن ذلك الإخلال، أما إذا كان مؤهلاً للقيام بذلك العمل قانونياً ولم ينجزه بالطريقة المتفق عليها فقد أخل بالتعاقد تقصيرياً.
وليس من السهولة بمكان أن نفصل بين الحالتين، إذ أن خطأ الطبيب يقاس بالمعيار نفسه في الحالتين وبدرجة الأهمية نفسها إذ رغم اختلاف ظروف النوعين من الخطأ وما قد يترتب عنهما قانوناً، لذلك على الطبيب أن يتوخى أقصى درجات الحرص والاهتمام وتوفير أفضل الوسائل العلاجية لأي مريض يقوم بتقديم الخدمة له سواء كان في مستشفى أو عيادة أو حتى في الطريق وهو يسعف مصاباً وأن تقصيره في اتباع السلوك المهني المناسب حسب القانون الطبي السائد والعرف الفني المتفق عليه يُعد خروجاً عن سلوكيات المهنة قد يضعه تحت طائلة المساءلة القانونية. ترى ما هو الخطأ الطبي؟
فالخطأ الطبي ببساطة يمكن تعريفه على أنه إخلال الطبيب بالتزامه أو عدم تقيده بالعلاقة العقدية مع المريض من حيث توفير الرعاية والعناية الكافيتين لإنجاز العمل الطبي على أتم وجه دون حصول ما لا تُحمد عقباه. فإن حصل فلابد أن يكون نتيجة لعمل قهري خارجي ليس للطبيب أي دور فيه ولم يكن بالإمكان التنبؤ به
وهنا يكون تقييم ذلك التقصير مهنياً بحتاً بواسطة لجنة مستقلة من ذوي الخبرة والاختصاص يكون ضمنها إداري وخبير قانوني ولا يترتب على الطبيب أي تبعات قبل إنهاء اللجنة تحقيقها.
وللخطأ الطبي ثلاثة أركان يجب أن تتوافر قبل أن نحكم على فعل الطبيب بأنه خطأ طبي، والأركان الثلاثة هي:
1 ـ التقصير في توفير الرعاية الكاملة التي يجب أن يقدمها من هو بمرتبة ذلك الطبيب من حيث القانون والعرف الطبي المتفق عليه.
2 ـ التقصير الطبي هذا نتج عنه ضرر لحق بالمريض سواء كان الضرر بجسمه أو نفسه أو ماله أو ما إلى ذلك من الأضرار المعروفة.
3 ـ هناك علاقة سببية بين الخطأ الذي ارتكبه الطبيب والضرر الذي لحق بالمريض وأن هذه العلاقة مباشرة.
ومما تقدم نلاحظ أن بداية تقييم أي خطأ طبي تبدأ بأهل الخبرة من التخصص ذاته الذي يتبعه الطبيب فهم من يستطيعون الخوض في التفاصيل الدقيقة لذلك العمل الطبي من حيث معرفة كمية الحرص والاهتمام والخبرة اللازمة لذلك العمل وإلى أي حد تم تطبيقها من قبل الطبيب في ذلك العمل بعينه.
فإذا وجد أصحاب الخبرة تقصيراً في التزام الطبيب بما كان يجب عليه فعله فسيكون ذلك بداية لسلسلة من الإجراءات اللاحقة ومنها إثبات أن المريض صاحب الدعوى قد أصيب بضرر ناتج عن ذلك التقصير وهنا يكون انضمام الطبيب الشرعي أو أطباء من تخصصات أخرى إلى الهيئة المتخصصة بالتحقيق أمراً ضرورياً وحتمياً، فإذا ما ثبت الضرر لم يبق إلا إثبات العلاقة المسببة بين التقصير أو الخطأ والضرر الناتج عنه، وإن ثبتت فهنا أصبح التقصير خطأ طبياً يُوجب المساءلة.
والخطأ الطبي قد يكون بسيطاً يوجب المساءلة والعقاب إدارياً أو مهنياً أو قد يكون جسيماً يُوجب العقاب الجزائي وما قد يترتب عليه من تبعات شرعية أو مدنية.