أصبحت متطلبات الحياة المعاصرة تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل رب الأسرة المسؤول عن توفير كافة احتياجات بيته والمسؤولين منه، وبسبب التطورات السريعة التي تشهدها كل دول العالم طفت على سطح الحياة اليومية عادات ومواد استهلاكية قد تكون من كماليات الحياة، ولكن كثرة المقبلين عليها وولعهم بها كان له الدور في تحويلها إلى أساسيات حياتية، لابد من توفيرها وهنا يأتي السؤال، من أين سيوفر رب البيت الموارد المادية التي تلبي كل هذه المستهلكات؟

والجواب الدارج في هذه الأيام هو الاقتراض من البنوك أو الدين من صديق مقتدر، هذه الحلول التي يتورط بها الكثير من الأشخاص أدت إلى ظهور حالات مرضية بسبب كثرة التفكير والقلق اليومي والخوف من اليوم القادم، ولمعرفة آراء الناس حول هذا الموضوع والرأي الطبي للحالات المرضية التي كان للمشاكل المادية والاقتراض والديون السبب المباشر بها كان لنا هذا التحقيق: الدين والاقتراض شر لابد منه هكذا بدأ رضا شعبان كلامه عند سؤاله عن الدين والآثار الصحية الناتجة عن التفكير به وتابع: «إن للمشاكل المادية أثراً كبيراً على تفكير الإنسان خلال أوقات حياته المختلفة فهي تلازمه صباحاً ومساءً حتى خلال نومه، وتظهر له كوابيس في أحلامه»، وتابع: «أنا شخصياً كنت مديوناً وما سبق أن قلته كان يصيبني ولكن سيطرت على الوضع بعد أن كاد يقضي علي، فبترتيب مستلزمات الحياة حسب الأهمية والقدرة المادية تسير الحياة على أحسن وجه وليكن الاقتراض هو آخر الحلول».

* مغريات الحياة

فراس لم يكن يريد التحدث عن موضوع القروض والدين حيث وصفه بأنه سبب رئيسي للهم والغم ولكنه عدل عن رأيه وقال: «أنا موظف وراتبي بالكاد يفي لاحتياجاتي الأساسية ولكن الحياة المعاصرة لم تعد تقف عند هذا الحد فهناك مغريات وكماليات سيطرت على نمط الحياة .

والتي بدورها دفعت الكثير من الموظفين ذوي الدخول المحدودة ليندفعوا صوب البنوك التي زينت وسهلت الطريق أمامهم للحصول على الأموال التي بها سيجاري هذا العالم المتطور وهو غافل عن المشاكل المادية التي سيواجهها عند السداد وما تحمله من أمراض نفسية وبدنية قد تكون سبباً بالقضاء عليه إذا كان ممن ليس لهم تجارب مع الديون».

* اضطرابات مرضية

أما «ضحى محمد» فعن القروض وهمومها و تأثيراتها الصحية على الإنسان قالت: «كل إنسان يضع نفسه في متاهة الديون والقروض لن يذوق طعم النوم أحد أقاربي كان ضحية الديون الزائدة التي لم يكن قادراً على تحمل تبعاتها، فقد تحول من شخص متفائل ومحب للحياة إلى آخر تتوقع عند رؤيته أن كل مشاكل العالم يحملها على أكتافه فقد أقبل على أخذ قرض للدخول بمشروع أوهمه أصدقاؤه أنه سيدر عليه الربح السريع وكانت قيمة القرض عالية جدا ودخله من وظيفته لا يكفي للسداد فأصبح هذا الدين همه الشاغل حتى أن نسبة السكر العالية والضغط قد أصبحا من الأمراض الملازمة له».

* قلق دائم

محمد الدنب حدثنا عن معاناته الشخصية مع الديون وقال: «لقد أصبح الخلاص من الديون همي الشاغل فلم أعد أحس بطعم لشيء في الحياة حتى الأكل أصبح كأداة لأبقى على قيد الحياة وأصبح شرب القهوة والتدخين عادتين ملازمتين لي في كل الأوقات وكانا سببا بإصابتي بالقرحة والقلق طول الليل وقلة النوم مما أثر بشكل كبير على عملي وعلاقاتي مع من حولي من الأقارب والأصدقاء».

* طريق مظلم

عماد شلبي كان وجهه الباسم يخفي وراءه معاناة كبيرة مع الديون، ووجد في الحديث عنها طريقاً للتخفيف عن نفسه وشرع بالحديث قائلا: «لست أدري كيف أبدأ بالحديث عن موضوع الديون الذي بات يشكل هاجساً مرعباً بالنسبة لي فقد كنت مفعما بالحيوية والنشاط وأنشد السعادة أينما أكون.

وكانت زيارة صديق لي يعمل في أحد البنوك بداية لمشوار الضياع بين المطالبات البنكية والفردية ممن كنت أتداين منهم لسداد غيرهم، فقد أتاح لي هذا الصديق بحسب موقعه في البنك فرصة لأخذ مبلغ كبير من المال لتحقيق كل ما أحلم به .

ولكنه لم يبين لي تبعات هذا المبلغ ولم أكن أنا نفسي قد فكرت بكيفية السداد وها أنا أهرب من شخص وأجد الآخر ينتظرني عند بيتي، كوابيس تطاردني أينما كنت لا نوم ولا أكل كباقي الناس فمن يبحث عن كل هذه المنغصات فليسلك طريق القروض المظلم».

* آراء ونصائح

وعن وجهة النظر الطبية في موضوع الديون والقروض وتأثيراتها السلبية على صحة الإنسان يحدثنا الدكتور عامر سعد الدين اختصاصي الطب النفسي في مركز دبي لصحة المجتمع ويقول: «كل إنسان يسعى لتحسين وضعه، ولكن بعض الأشخاص يقبلون على أمور ومشاريع بنفسية مندفعة دون دراسة مسبقة لإمكانياتهم وقدراتهم المادية والشخصية، وذلك قد يكون عائداً لعامل الغيرة التي تدفع الكثير للتهور ووضع أنفسهم في أزمات تؤثر على نفسيا تهم وبالتالي على صحتهم الجسدية، فعند تعرض الشخص لضغوط مالية بسبب الديون.

والقروض فستحتل هذه المشاكل الجزء الأكبر من تفكيره وإذا كان قد اقترض ليتاجر أو يقوم بعمل مشروع فان مسألة الربح والخسارة ستضعه تحت ضغط وقلق كبيرين قد توصله للاكتئاب في أشد حالاته، وإذا كان الشخص المكتئب من الأشخاص ضعيفي الإيمان قد يلجأ في لحظة من اللحظات القوية من الاكتئاب للانتحار».

ويتابع الدكتور سعد الدين : «مسألة القروض يجب أن تدرس بشكل جيد قبل الإقبال عليها ويجب أن تعرف أين سيذهب المبلغ المقترض وكيف سيتم سداده، فتقييم الوضع المالي ومعرفة مدخلات الشخص هي التي تحدد الإقبال على الاقتراض أو لا وأيضا الضرورة لهذه الأموال ومدى حاجتها وإذا كان هنالك إمكانية للاستغناء عن القرض فليكن هو الإجراء الأفضل».

وأشار الدكتور سعد الدين إلى أن ارتفاع نسبة السكر في الدم والصداع المزمن والأمراض الجلدية مثل الحكة وتساقط الشعر هي من أكثر الأمراض التي تصيب الإنسان في حال تعرضه للضغوط النفسية والاكتئاب.

كرم أحمد