وجدت دراسة نشرت في مجلة «الطبيعة» أن بقاء شخص مستيقظاً أربعاً وعشرين ساعة، يحتفظ بالتناغم اليدوي العيني كأي شخص توجد نسبة الكحول في دمه 1. 0 في المئة والذي يعتبر من الوجهة القانونية في الولايات المتحدة مخموراً، وجاءت في يوميات أحد الأطباء «المقيمين»، الذي يسرد واقعة داخل المستشفى الذي يعمل فيه: «إنني أكتب وصفات طبية، وأمارس إجراءات حيوية، وأنا أعمل في ظروف، ما كان ليسمح لي بالقيادة تحتها.

أنا طبيب متمرن، ولست مدمناً للكحول، فالشرب محظور خلال ساعات المناوبة، واقع الأمر أنني مخمور من الإجهاد العصبي»، ويمضي الطبيب في سرده ليومياته: «رغم انني طبيب «مقيم» فأنا أمارس عملي تحت إشراف نخبة من الأطباء المعتمدين وبموجب القوانين المنظمة لتدريب الأطباء «المقيمين» في الولايات المتحدة، فمن الممكن أن أطالب بالعمل 30 ساعة متواصلة دون نوم (حتى 80 ساعة أسبوعياً في المعدل)»، ويستطرد الطبيب «في نهاية نوبتي قد أتخذ قرارات حيوية حول الحالة الصحية لمريض ما».

إن هذه الحالة المتدنية من الإرهاق والإجهاد العصبي قد لا تؤثر في معنويات الطبيب وصحته، ولكنها تؤثر حتماً على أدائه بالصورة اللائقة، فعندما يشعر الإنسان بالتعب يفقد صفاء ذهنه وقدرته على التفكير السليم، بالسرعة المنشودة، ويتابع صديقنا الطبيب: «بالرغم من محاولتي التركيز، فإن ذهني يكون مشتتاً وأفكاري مبعثرة وشعور ضميري بالمسؤولية، يضنيه الوهن،

لقد ارتكبت خلال عملي في المستشفى منذ عامين، خطأً طبياً فادحاً خلال نوبة استمرت ثلاثين ساعة ونيفاً، فقد شرعت في معالجة أحد المرضى، في الهزيع الأول من الليل، ونسيت في غمرة انشغالي ضرورة إجراء اختبار لدمه، كان من الضرورات القصوى. وفي القسم الأخير من نوبتي التي استمرت حوالي 32 ساعة كان علي إجراء ذلك بنفسي، غير أنني لم أفعل.

لقد نسيت، نسيت والسلام، لقد تشتت فكري بين مرضاي الست الذين أدخلتهم في تلك الليلة وتلاشيت بين ما وصفته من عقاقير، وفحوصات وحافز شديد إلى النوم الذي كان لابد أن يعقب 34 ساعة من الاستيقاظ، وبعد عودتي إلى المستشفى غداة اليوم التالي شعرت بانقباض داخلي، إذ اكتشفت أن التواني كاد أن يفقد المريض حياته، عندها غضبت وأنبت نفسي على الجرم الفادح الذي ارتكبته في حقه، ولعنت النظام الذي يدفع بالأطباء المقيمين إلى تلك الحدود.

وبحمد الله استرد المريض عافيته وخرج سليماً معافى، غير أنني عاهدت نفسي أن لا يتكرر ذلك مهما كلف من أمر، وقررت أن أرفع قضية خروقات ساعات الدوام المحددة إلى المجلس الأميركي لخريجي التعليم الطبي، وهي هيئة غير ربحية هدفها المصادقة على برنامج الإقامة في البلاد، كانت وضعت القيود على ساعات عمل المقيم في يوليو 2003.

ومن شأن البرامج التي تتأبى الخضوع لتلك القيود أن تتحمل العواقب وأن التقرير الذي رفعته كفيل بأن يؤدي إلى فقدان المستشفى للمصادقة والاعتراف، والمحصلة أن المقيمين وطاقم الإدارة أحسوا بوطأة الحظر المحدق بوظائفهم وكنت كبش فداء، تحمل عسفهم وجورهم وتهديداتهم التي لا تنتهي.

* عبرة لمن اعتبر

تعلّمت درساً لن أنساه ما حييت، فتغيير نظام تأصل أعواماً، ليس بالأمر الهين، حتى أن الذين عايشوه ردحاً من الزمن لن يقفوا وراء تغييره، وأخيرا، نقلت من المستشفى إلى مركز جامعة ولاية أوهايو الطبي، وأنا أثمن لهم انصياعهم لقانون تحديد ساعات العمل، غير أنني لسوء الحظ واحد من القلة المحظوظين، فالأطباء المقيمون ما زالوا يخضعون لمناوبات تمتد إلى أكثر من 30 ساعة متواصلة و80 ساعة من العمل الأسبوعي، غير أن بعض أولئك الأطباء المنهكين، مترددون في الإبلاغ عن الخروقات.

ويشار إلى أن هذه الأنظمة ليست قوانين اتحادية، رغم اقتناعي بأن تلك القوانين هي وحدها الكفيلة بتوفير الحماية للمقيمين الذين يتقدموا بشكاواهم.

إنني الآن جد سعيد، بكوني عنصراً في مستشفى يأخذ الأمور على محمل الجد، فلم ألتق بعد طبيباً يعالج مرضاه تحت تأثير الكحول، إلا أنه وحتى يتحسن النظام، يحدوني الأمل بأن يواصل «المقيمون» نجاحهم رغم حالات «النشوة» الذهنية. ورجائي لكم مرضانا أن لا تخضعوا للعواقب المحتملة لمثل ذلك الإجهاد العصبي.

ترجمة: وائل الخطيب