هدى حمدان وجه حالم يطل يومياً عبر شاشة سما دبي في برنامج «حظ ونصيب»، فتاة واثقة من نفسها لا تعوزها الثقافة واللباقة وهي خريجة آداب قسم إنجليزي من جامعة اليرموك بالأردن وجاهدت مع نفسها ومحيطها لتحقق حلمها بالوقوف أمام الكاميرا والتقطت أول خيوط الحظ في حياتها لتتحمل مسؤولية دراستها الإعلامية من خلال دورة في التلفزيون الأردني اجتازتها بنجاح .

وكانت تدرس في الصباح وتعمل مساء حتى تغطي رسوم الدراسة فانعكست عصاميتها على صدق حديثها عن نفسها بشفافية تحسد عليها، وتعترف بأنها مازالت في بداية المشوار، لكنها تنظر إلى المستقبل بروح التفاؤل والتحدي في آن واحد وهي معتدة بنفسها بقدر تواضعها ومرحة لا تفارقها الابتسامة بعيدة عن التكلف. هدى حمدان فنانة تشكيلية بالفطرة، بدأت تداعب الريشة وهي في السابعة من عمرها، وتطورت معها هواية الرسم لتجسد أفكارها الاجتماعية والسياسية في لوحات لا تزال حبيسة في غرفتها، فبعد حصولها على الثانوية رفض والدها الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بحجة عدم وجود مستقبل لخريجيها من وجهة نظره، وأشار عليها بدراسة اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، لكنها بعد التخرج وجدت نفسها معلمة في إحدى المدارس فشعرت بغربة شديدة في مجال التدريس.

تقول: مع أن التدريس مهنة جليلة، إلا أنني لم أجد نفسي فيها أبداً، عملت عاماً وأنا أشعر بأنني أقوم بشيء ضد رغبتي، فهواية الرسم والأشغال اليدوية كانت مسيطرة على أفكاري، وهاجس الشهرة لم يفارقني أبداً، أحسست بأنني لم أخلق لمهنة التدريس، وأن لدي قدرات تؤهلني لأصبح متفردة في مجال ما أحبه. كان هاجس العمل مذيعة في التلفزيون قد بدأ يراودني أثناء دراستي الجامعية، لكنه هاجس ظل متوارياً في منطقة بعيدة من تفكيري، ذلك أن اقناع والدي لم يكن بالأمر السهل، خصوصاً أنني من أسرة متوسطة الحال ولها عاداتها وتقاليدها وسط مجتمع متحفظ، وحاولت أن أحقق شيئاً مما في نفسي

فأصبحت المذيعة الوحيدة التي تقدم أنشطة الجامعة وحفلاتها، كذلك مررت بتجربة الغناء على مسرح الجامعة، كنت خائفة في البداية، وأذكر أن أول مرة صعدت فيها على خشبة المسرح الجامعي كنت أتصبب عرقاً، فمواجهة الجمهور مسألة ليست هينة أبداً، لكنني استطعت أن أتماسك بعد فترة وجيزة وتعودت على الجمهور تماماً، ومن خشبة الجامعة بدأت أفكر في العمل التلفزيوني على استحياء.

فرصتان في واحدة

كنت مع مجموعة من المعلمات نشاهد أحد البرامج، كنا نتنافس حول أداء المذيعة وإطلالتها على الشاشة، ووجدت نفسي حينها أتحداهن بأنني سأصبح مثلها بل وأفضل منها، وقتها لم يكن لدي تصور كيف سيحدث هذا، لكنها أحلامي الكامنة كانت تراودني بأنني سأصبح يوماً شخصية معروفة ولها شأن أكبر من كونها معلمة للغة الإنجليزية،

وبعد انتهاء العام الدراسي قرأت إعلاناً في إحدى الصحف عن دورة إعلامية ينظمها التلفزيون الأردني، وتحدثت مع أسرتي لألتحق بالدورة لكنهم تحفظوا، خصوصاً أننا نسكن في مدينة اربد ومقر التلفزيون في العاصمة عمان، وأيضاً لم تكن الدورة مجانية واحتاج لمصاريف شخصية وإقامة في العاصمة، فتعهدت لأسرتي بأنني سأتكفل بالمصاريف بعد أن وجدت إعلاناً آخر يطلب فتاة للعمل في مجال التسويق الإعلاني عبر الهاتف،

وهكذا ذهبت إلى عمان، وأصبحت أنفق على دراستي بنفسي، الدراسة في الصباح، والعمل في المساء، وكانت الدورة تتضمن الإعداد والتقديم فتعلمت الكثير في المجالين، وزاد من معلوماتي وثقتي بنفسي وجود موظفين ومعدين ومذيعين ومذيعات من التلفزيون الأردني معي في الدورة،

واستطعت بمجهودي واستيعابي للدروس أن أكون محط أنظار القائمين على الدورة، صحيح أنني لم أكن راضية عن نفسي في الاختبار أمام الكاميرا وإلقاء ما هو مكتوب في الورقة، لكن أصوات المشجعين من حولي كانت كثيرة، وكأنهم كانوا يرون ما لا أراه أنا في نفسي،

والدليل على ذلك أن أحدهم رشحني للعمل في برنامج كان في طور الإعداد باسم «الهوا هوايا» للتلفزيون الأردني، وعدت بعد انتهاء الدورة إلى اربد وأنا أحلم بأن يتحقق الوعد بالعمل في هذا البرنامج، وبعد فترة وجيزة جاءت الموافقة وطُلبت للعمل، كنت أقوم بعمل «روبرتاج» يتضمن لقاءات خارجية مع الجمهور أسألهم عن رأيهم في فنان يستضيفه البرنامج في الأستوديو،

كنت أعرف أنني أضع أولى خطواتي على طريق العمل التلفزيوني، وكان لابد من التعلم والصبر، كنت أتنقل بين أربد وعمان أكثر من مرتين أسبوعياً، وكان هذا مرهقاً لي، ولكنني تحاملت على نفسي في سبيل المتعة التي أعيشها وأنا أتنقل في الأماكن العامة أسجل مع الجمهور،

كان ينتابني شعور بنشوة الانتصار وأنا أرى نفسي في عيون من حولي، خصوصاً الأسرة التي باركت خطواتي ونزلت عند رغبتي ووافقت على عملي في التلفزيون، ومع ذلك كنت أرى نفسي بعيدة عن الطموحات الكبيرة التي أريد تحقيقها.

إلى سما دبي

كانت تجربتي في التلفزيون الأردني مفيدة لي، أربعة أشهر قضيتها مع برنامج «الهوا هوايا» وكانت من أمتع وأجمل الفترات في حياتي، على الرغم من المجهود الكبير الذي كنت أبذله في التنقلات والمواصلات، وعرفت وقتها أن العمل الإعلامي ليس مفروشاً بالورود كما يظن البعض، وإنما يحتاج إلى صبر وثقافة وقوة تحمل أياً،

وهذا ما واجهته منذ أن وطئت قدماي أرض الإمارات، جئت لزيارة إحدى قريباتي، وبحثاً عن فرصة عمل في الوقت نفسه، تقدمت بأوراقي لقنوات كثيرة، وجاءني الرد من قناة «شظش» وهي قناة تعتمد على «الشات»، وهذه القناة انضمت بعد ذلك مع «ح» و«الشو تايم»، عملت هناك لمدة عامين ونصف العام، وكنت أثناء ذلك دائمة البحث عن فرصة أفضل،

ولم يكن وجودي خلف الكاميرا هو ما أصبوا إليه أبداً، لكنني أيضاً كنت بحاجة لأن أعمل وأنفق على نفسي، وهكذا انتظرت طويلاً إلى أن جاءتني الفرصة مع تلفزيون دبي، وبالتحديد في قناة «سما دبي»، وعملت مباشرة كمراسلة لبرنامج «لينك»، وكما هو الحال في برنامج «الهوا هوايا» كنت أقوم بعمل روبرتاجات

وكنت مستمتعة بهذا العمل خصوصاً وأنه في قناة معروفة بالتزامها واحترامها لجمهورها، والحق إن العمل في تلفزيون دبي له مذاقه الخاص، وهذا ليس مجاملة أبداً، فتقدير المجتهد والمتميز من أولويات إدارته المحترمة الواعية، وأنا أعتبر نفسي محظوظة جداً بعملي بهذه القناة، فبعد عملي في برنامج «لينك» عملت في برنامج «الأسرة العصرية»، وهو برنامج اجتماعي وجدته مناسباً جداً لميولي وثقافتي.

في هذا البرنامج كنت أقوم بإعداد التقارير الاجتماعية وباللهجة الخليجية التي أجيدها كون أنني قضيت فترة لا بأس بها في دولة الكويت، إذ درست فيها حتى مرحلة المتوسط، وهذا ساعدني كثيراً على اتقان اللهجة الخليجية،

لكن الجديد هنا أنني كنت أقوم بالإشراف على مونتاج التقارير مع المونتير المختص، بعدها عرفت كيف أختصر المسألة، وأسجّل ما أريده فقط وبتركيز شديد، ومع برنامج «الأسرة العصرية» بدأت أثبت قدمي على الطريق الصحيح، وأصبحت أعمل بقدر من الاحترافية،

مستفيدة من المساحة المتاحة أمامي للقيام بما هو أكبر مما منوط بي، بعدها كنت على موعد مع برنامج كبير له جماهيريته العريضة، كان برنامج «نسايم» الذي يهتم بكواليس نجم الخليج الذي يقدمه تلفزيون دبي، في هذا البرنامج حاورت النجوم والتقيتهم وجهاً لوجه، مما زادني ثقة في نفسي وفي قدرتي على حوار المشاهير والنجوم.

عرض امرأة واحدة

بعد انتهاء مسابقة نجم الخليج عدت إلى عملي في برنامج «الأسرة العصرية»، وكنت بانتظار أن يتم الدفع خطوة للأمام، إلى أن فاجأني عبداللطيف القرقاوي بتكليفي بتقديم مسابقات ضمن فعاليات مهرجان صيف دبي، وصادفت البرنامج مشكلة من سيقوم بإخراجه بعد اعتذار أحد المخرجين، فعرضت علي الإدارة إنجاز البرنامج ـ متفردة،

وقد حدث، وهذا يتوجّب علي أن أقدم الشكر للقرقاوي الذي وثق في قدراتي ومنحني الفرصة كاملة، وأظن أنني كنت عند حسن الظن، واخترت اسم البرنامج «حظ ونصيب» ليصادف اسم البرنامج ما لمسته من دور لعبه الحظ معي في محطاتي الإعلامية، فأنا أعتبر نفسي محظوظة جداً عندما وفقني الله بعمل لأصرف منه على دراستي، وبعدها حالفني الحظ بعملي في الإمارات،

وأخيراً في تلفزيون دبي، ومازلت آمل في أن يقف معي الحظ في خطواتي المقبلة، فأنا مؤمنة بدور الحظ في حياتنا، لكنه بالتأكيد ليس كل شيء، فعلى المرء أن يعمل ويجتهد ويتعلم، ومن المؤكد أنه سيجد في النهاية من يقف بجانبه بعد الله سبحانه وتعالى.

وأسأل هدى حمدان عن شخصيتها الاقتحامية فتقول: نعم أنا اقتحامية ولكن بحساب، فإن رأيت جرأتي ستوصلني إلى هدفي فأنا أقدم بشجاعة أتحمل مسؤوليتها بالطبع، ولا أظن أنني اقتحمت العمل الإعلامي بقدر ما سعيت إليه واجتهدت في أن أدرس وأتعلم، والإعلامي الناجح هو من لديه الشجاعة والجرأة على الاقتحام متسلحاً بأدواته،

وفي رأيي إن العمل الإعلامي برمته قائم على المغامرة الجريئة، وأذكر أنني لم أتجمل أبداً في برنامج «حظ ونصيب» وأعرض الفقرات كما هي، فأحياناً يخونني التعبير فأتعاطى مع الخطأ بمرح وأجعله في سياق الفقرة ولا أمنتجه، فأنا أقدم بتلقائية شديدة وهذه ميزة أراها في نفسي، أما حلمي فأنا بانتظار فرصة تقديم برنامج جماهيري كبير بحجم نجم الخليج، وأيضاً أتوق لتقديم برنامج عن الخيول وأميل أيضاً للبرامج ذات الصبغة الاجتماعية والفنية.

هدى حمدان.. مذيعة تعرف أهمية الحضور على الشاشة بلغة راقية، وثقافة تؤثر في المتلقي، وإطلالة تتماشى مع نوعية البرنامج وجمهوره، ورأيها أن الكثير من هذه المسلمات اختفت وحلت مكانها معطيات جديدة في قنوات كثيرة،

ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولن يبقى سوى المذيع الجيد الذي يحترم عمله، على الرغم من وجود القنوات ذات الصبغة التجارية التي كثرت الآن. أما هواياتها القديمة فقد توارت خلف زحام العمل اليومي، وأصبح الرسم ولوحاتها ذكريات تعود إليها على فترات متباعدة.

عز الدين الاسواني