كيف نقبض على جمرة الشعر؟ كيف نطل من شرفة الكون على خبايا الروح؟ كيف نعمد الروح بماء الكتابة؟، كيف نخلص الكتابة من آثام الكلام؟ أسئلة يمليها القلق، وتثيرها الأرواح المبدعة وهي تبحث في البراري الموحشة عن وردة الألفة، وفي الخلوة عن بوح تنطق به الأرض وتنصت إليه السماء.. وكيف نقارب فيض «حمدة خميس» وهي تتلو سيرة الكتابة سيرة حروفها الأولى، ومعرفتها الأولى، التي حازتها بالإصرار والتوق والرغبة الجارفة.
في فناء حديقتها، قرب أريج الورد الذي زرعته بيديها، وبين إصيص النبات وإصيص الحياة، كانت حمدة خميس تقلب دفتر الزمن الثري الذي شكلته وشكلها في دروب التجربة والبحث، والذي أسفر عن حياة عامرة بالإبداع، حياة الرؤى والشرفات وحياة المكابدة والمعايشة اللصيقة. ولدت في البحرين في منطقة (الرفاعة) لأسرة فقيرة، أمية، وذات طبيعة محافظة.. إلا ان خميس كانت شغوفة بالمطالعة منذ طفولتها، وكانت قد تعرفت على الكتاب بشكل مبكر، عن طريق أخيها الذي كان يدرس في القسم الداخلي في المنامة والذي كان يجلب الكتب إليها بين حين وآخر، وهكذا دخلت المدرسة وهي تقرأ وتكتب وقد تجذرت في روحها رغبة المعرفة.
وتأسست ميولها في القراءة رغم ندرة الكتاب آنذاك، وبسبب تزمت الأهل كانت تقرأ بالسر فكانت تغافلهم وتترك فانوسها مضاء تحت الغطاء حتى مطلع الصباح، ومن نجمة القراءة في فراشها إلى سماء المعرفة الشاسعة وقناديل الإبداع، عرفت حمدة خميس بأنها منذورة إلى هذا المصير ومنذ تلك اللحظة وهي تسافر في الأفلاك المضيئة وتبحث عن نجوم توقدها بجذوة الشعر وتوهج المخيلة. في الصف السادس الابتدائي، كان ثمة مدرسة (لبنانية) تجمع من الطالبات، كل خميس، أربع (آنات) روبيات.. انه صندوق (الكتاب) الذي تفرغه في عطلتها حين تعود إلى لبنان لتعود بثمنه، بمجموعة من الكتب تجلبها معها.
وحمدة التي كانت تنصت في منتصف الليل على (محطة الشرق الأدنى) كانت تسجل أسماء الكتب من الفواصل الثقافية التي تعرض فصولاً من كتب التراث (ابن الأثير، ياقوت الحموي.. وغيرهما) وكانت تعطي تلك الأسماء لمدرستها كي تحضرها معها، وعبر تلك المحطة تعرفت على روائع الموسيقى الكلاسيكية التي شكلت بعدها الروحي المرهف (بيتهوفن، رميكي كارساكوف، فرانزليست، تشايكوفسكي..) تلك هي الأرضية الثقافية التي تأسست عليها وذلك هو الأفق الذي تخيرته.
ذات النظارة السوداء
وتذكر ان مواضيعها الإنشائية، كانت حديث المدرسة، وأن المعلمة كانت تدور بها على مختلف الصفوف، تقرأ لهم وتعلمهم كيفية الكتابة والتعبير، تقول: كان الجميع يعرف أني لا أشاغب داخل الصف، والحقيقة أني كنت مشغولة بالقراءة بشكل دائم، حتى اني كنت ارتدي نظارة سوداء كي لا يكتشف مسار عيني وكانوا يلقيونني بطه حسين وأنا أطالع الكتاب المخبأ أسفل المقعد الدراسي، وتضيف مبتسمة كنت أدبر الشغب وغيري ينفذه.
في تلك الفترة قرأت دوستويفسكي، تشارلز ديكنز، جبران خليل جبران طه حسين، وفي الشعر تأثرت بإيليا أبو ماضي الذي تعيد نزوعها الفلسفي والتأملي إليه، ولاحقاً تأثرت بخليل حاوي. السمة الواضحة في كتاباتها الانشائية في تلك المرحلة، هي الحواريات المسرحية، كان لديها توق إلى المسرح، والمسرح هو الحلم الذي مازال يراودها والذي لم يتحقق بعد.
بعد ذلك توجهت إلى الدراسة في بغداد، حيث درست (اقتصاد وعلوم سياسية)، تقول: عندما عدت من السنة الأولى خلعت (البوشية) العباية، وكان الرجال كبار السن يطلقون علي الحجارة، وكانت مرحلة تحد جميلة، مرحلة بناء الذات وصياغتها بالشكل الحقيقي والمتين، وفي تلك المرحلة لم يكن ثمة عالم معرفة، بقدر كونه عالماً من التوتر السياسي، وبالعودة إلى مرحلة الثانوية فقد كونت شخصيتي علاقتي بالمعرفة والكتاب وتضيف ان المجلات الوحيدة المتاحة في ذلك الوقت (الهلال، المختار) ورغم ذلك كان زمن استنارة عجيبة.
ومازالت أتذكر عبارة قرأتها في مجلة المختار (القراءة معرفة وسلوك يكتسب) تلك العبارة لا تزال منقوشة في رأسي، ثم تعرفت على سارتر، نيتشة (هكذا تلكم زارادشت) كولن ولسون وفي الجامعة ازداد تعلقها بالمسرح إلا أنها لم تحاول كتابته، غير أنها في ديوانها الأول (اعتذار للطفولة) يوجد مسرحية شعرية (فوق رصيف الرفض) وهذه المسرحية عمل عليها عوني كرومي وعمل عليها في الإمارات (سيف الغانم) كما أنها أخرجت في دمشق في فترة الثمانينات بمناسبة احتفال الفلسطينيين بالثورة وقد عرفت بالصدفة خلال وجودها في مدينة حلب، أن أحد الطلاب قدم فيها رسالة ماجستير.
إذن لم تكتب المسرح إلا ان مسرحية شعرية ضمنتها مجموعتها الأولى وجدت كل تلك المنصات.. إذن هو الشعر ذلك الذي حمل تلك الروح المتأججة والتي تخيرته وتخيرها، كي تفيض مجاميعها واحدة تلو الأخرى في دفق ابداعي غزير، وفي بنية نوعية عالية فهاهي تقول عن الشعر: الشعر هو طفولة العالم، وقد تشبثت بهذه الطفولة، أنا ها هنا لم أبرح عالم الشعر، وهناك آخرون قد غادروا إلى رحاب السرد.
(اعتذار للطفولة)، (الترانيم)، (مسارات)، (أضداد) (عزلة الرمان)، (مس من الماء) (تراب الروح)، (بهو النساء)، وديواني (غبطة الهوى، عناقيد الفتن) الذي صدر في كتاب واحد، وثلاثة في الأعداد.
تلك هي عناوين دواوينها الشعرية، تلك مفاتيح الكنوز خارطة الروح، كلمات السر، التي استلهمت بها حمدة خميس ظلال الشعر حياتها الأدبية متوحدة مع النبض الحقيقي للإبداع ومع مسيرة الإنسان وأسئلته الكبرى..
وهي لا ترى بأن الشاعر يمكن أن يكتب قصيدة كاملة، فالقصيدة على حد تعبيرها هي ظل للقصيدة، وهي تصور طقس الكتابة بشفافية ورهافة، تقول عندما تأتي حالة الكتابة ويحضر الشعر، ترى أن الدماغ يتخيل نصاً في حين تقول اللغة شيئاً آخر، ذلك أن اللغة لها شروطها واحتباساتها وتحد من فيض الخيال، فالقصيدة بالتأكيد هي ظل القصيدة الأصلية التي لم تكتب بعد.
وإجابة على تساؤلي عن الكتابة النسوية ومدى إيمانها بهذا التصنيف تقول: أؤمن بالكتابة النسوية، وقد أطلقت هذه التسمية على كتابة المرأة كنوع من التصنيف الدوني لإنتاج المرأة، بحجة أن المرأة تكتب عن عوالمها الداخلية وخارج المعنى، هل قضايا المرأة خارج المعنى الإنساني، وأنا سعيدة جداً عندما تتجلى أنثاي في كتابتي، رغم أن اللغة ذكورية وأن تاريخ الثقافة العربية ومفاتيح الكتابة ومعانيها ذكورية، وأن تؤنث هذه اللغة الذكورية ذلك هو الإبداع وتلك هي القيمة التي يجب أن لا تتبرأ منها المرأة. وتشهد بأن النصوص (كل جسد كون، كل قصيدة أنثى)
وتضيف بأنها غير متميزة لكتابة النسوية وأنها تتعاطف مع الشرط الإبداعي ومع كل ما يقدم لها من جديد وتقول المشكلة انه في العديد من المحافل الثقافية تطرح قضية الكتابة النسوية وكأنها اتهام إلى جانب الاتهام الشائع بأن ثمة من يكتب للمرأة تماماً كما اتهمت ليلى عثمان وأحلام مستغانمي وغيرهما..
فالمشكلة في العقلية التي لا ترى إلا باتجاه واحد، العلامات المفارقة والمحاور الأساسية تتداخل مع أشياء كثيرة قد ينتبه إليها الإنسان وقد لا ينتبه، محور أساسي بالنسبة لتجربتي الأدبية والشعرية هم أولادي، والذين كانوا دائماً مصدر قوة وفرح واكتشاف حتى اليوم، وعلى ما يمر به الإنسان من ظروف صعبة وعثرات كانوا دائماً طوق النجاة والكرة المضيئة على الحياة، على معنى الإنسان على الطبيعة وعلى كل جانب جميل، ولم أشعر يوماً بأنهم قد أثقلوا علي، هم المعنى الذي تقوم عليه الحياة، وتقول:
أحياناً أرى الأهل يلعنون الأولاد غير أني أتمنى أن أكون قد أنجبت أكثر وأحياناً حين يجتمع أولادي وهم ثلاثة، ولدان وابنة، أسألهم أين أخوتكم الذين لم أخلفهم.. إنني أعشقهم، فيض الأمومة والألفة التي تمسح بها المكان تبث المعنى وتستنفر المشاعر النبيلة داخل الكائن.. إن كلمة حمدة خميس المكتوبة وأحاديثها السائغة تتفجر بالشعر والعاطفة.
الأصابع الثرية للنساء..
أشياء أخرى وهوايات أخرى تقوم بها حمدة خميس وتسميها بـ (الأصابع الثرية للنساء). تقول: هواياتي متعددة وكثيرة جداً، وأنا أحب الزراعة وأعشقها وكل ما تراه من ورد ونباتات تحيط بك هو من زراعتي وأحب تربية الحيوانات وأتقنها، وأنا أيضاً خياطة ماهرة وكل ما كنت أرتديه سابقاً كان من صنعي، وفي غرفتي في الجامعة كان لدي ماكينة خياطة، وكنت أفصل الثياب لي ولصديقاتي وأحيك القبعات وغيرها من الملابس، كما أني مولعة بالأشغال اليدوية والفنون التطبيقية.
وكنت أصنع العديد من الحيوانات من الثمار والخضروات، وأحب البناء وهذا المنزل الذي تراه هو من عملي، فقد كنت أجلب العمال وأخطط لهم وأشتري مواد البناء كاملة وأقوم بدور (الفورمان) إلى أن ينجز العمل تماماً، والآن لم تبق مساحة لأبنيها.. وتقول أنها تحب النجارة ورائحة الخشب، وتعتبر أن الكتابة ليست طريقة للحياة بل هي انعكاس لها وعليه تجد في كتاباتي أسماء الزهور والطيور، ولهذا لا أشعر بالضجر وها أنذا أؤثر هدوئي على صخب الخارج، فأنا أحيا في عالم متكامل زرعته وشكلته وبنيته بيدي.
حمدة خميس شاعرة تحول كل ما تلمسه يداها، إلى شعر وانسجام وتآلف.. كتبت على هامش الصور التي أرسلتها هذه بعض صور حديقتي، وبعض لعبي أو ما أسميه مخلوقاتي.. أصوغها من الخضار والفاكهة، حين أعود إلى طفولة «لم تغب ربما لأنني أعتقد أن كل ما يحيط بنا هو من إبداعاتنا الإنسانية التي يعود جذرها إلى هبة الطبيعة.. نحن نوظف الأشياء لغاية محددة دون أن ننتبه إلى أن ذات الأشياء يمكننا أن نكسبها معاني أخرى الهواية أبعاد الضجر، هذا ما أردده دوماً، لكن من منا يدرك ذلك؟
في مسار حياتي كنت دوماً ومازلت أبتكر الهوايات لاقاوم الضجر لشعوري بالضجر يعني أنك تتوق إلى تغيير المشهد الذي اعتدت عليه، الحال الذي يحيلك إلى السكون.. في الضجر تستعيد الذاكرة خسائرها وتستعيد المشاعر ذلك الإحساس الممض الذي نسميه «الحسرة أو الندم» حين تستغرقك هواية ما ـ مهما كانت بسيطة وصغيرة ـ في مسار يومك وحياتك فلا مجال للحسرات ولا للندم. كل هواية إبداع، وكل إبداع قوة وارتقاء على اليومي والسائد والساكن.. قلت لك.. أن لي هوايات متعددة، الشعر بعضها والكتابة، وكثيرها إيماني أننا وجدنا لنجعل الحياة أجمل.
إسماعيل الرفاعي