د. حصة لوتاه أحد الوجوه اللافتة في المجتمع الإماراتي، فهي أكاديمية ناشطة تقلدت منصب رئيسة قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، وهي إعلامية سابقة عملت أكثر من سبع سنوات في مجال الإخراج من 1983 إلى 1995، وكانت أول مخرجة برامج في تلفزيون دبي.
ترعرعت حصة في منطقة سكة الخيل بدبي وأكملت طفولتها في منطقة البراحة في قلب المدينة، درست مرحلة الابتدائية في مدرسة الخنساء، ثم انقطعت عن التعليم بسبب ظروف قهرية، ولكنها لم تيأس وأكملت دراستها في البيت ثم حصلت على الثانوية العامة من مصر، والتحقت بجامعة سان فرانسيسكو في أميركا.
هذا جانب من قصة كفاح حصة لوتاه التي أخذت منعطفاً جادا بفقدها زوجها، إذ قررت استكمال دراستها والحصول على أعلى الشهادات في تخصص الإخراج والسينما، وعادت إلى الوطن تسهم في الحركة النسائية فكانت من مؤسسات جمعية النهضة النسائية مع عدد من السيدات أمثال علياء بنت سهيل ورفيعة لوتاه وخيرية ربيع وسلامة العتيق، جميلة القيس، مريم راشد، رفيقات العمل الاجتماعي التطوعي، وكذلك ساهمت في تأسيس جمعية أصدقاء البيئة.
ماما.. هو اللقب الأحب إلى قلبها والذي يناديها به عشرات الطلبة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة العين، وكانت د. حصة طوال فترة خدمتها في الجامعة أماً للطلبة، منحتهم الثقة والأمل في التخطيط للمستقبل قبل أن تمنحهم العلم والمعرفة، ونزلت إلى مستوى تفكيرهم وتحليلهم للأشياء، ولم تطلب منهم الارتقاء إلى تفكيرها، وهذا سر تعلق الطلبة بها، حتى بعد التخرج والالتحاق بالحياة المهنية.
يقول الطالب أمجد إن الدكتورة حصة جعلته يعشق الإعلام، وتحديداً الإخراج والتصوير، ورغم أني تخرجت منه 2003، والتحقت بالعمل في إحدى المحطات الفضائية، مخرج برامج، مازلت أتصل بماما حصة أسأل عن أحوالها وأستشيرها في أمور كثيرة لأنني ما زلت أتذكر أنها كانت الوحيدة التي تفهم الأعمال التي كنت أقدمها في الجامعة
في حين الجميع كان يتهمني بالجرأة في الطرح ولأني كنت أخرج بعض الأعمال أثناء الدراسة لم أقتنع بالمادة النظرية التي كانت تقدم لنا وأذكر أنها كانت تفتح مكتبها لجميع الطلبة الراغبين في النقاش والسؤال، وأعتبر نفسي محظوظاً كوني التقيت بهذه الشخصية المعرفية، وتأثرت بها كثيراً خاصة وأنها في الأساس مخرجة محترفة. ويضيف أمجد قائلاً: لا يمكن أن أنسى مواقفها معي، فذات يوم احتجزتنا الشرطة، لأننا كنا نصور مكاناً محظوراً، ورغم أن الساعة كانت متأخرة لم نتردد في الاتصال بها، وفعلاً كلمت الشرطة وطلبت منهم أن يطلقوا سراحنا.
وبنفس الحماس والحب يتحدث المذيع الإماراتي راشد عتيق الشامسي فيقول: «الأستاذة حصة إنسانة مميزة بشخصيتها وصراحتها، فهي تقدم النصيحة بصدق، وأذكر عند دخولي مجال الإعلام كان جميع أهلي معارضين بشدة، وأول إنسانة كلمتها في هذا الموضوع كانت د. حصة فشجعتني على اختياري وأخبرتني كيف كان أهلها معارضين بشدة دخولها ميدان الإعلام، لكنها أصرت على رأيها لأنها كانت مؤمنة باختيارها، وبصراحة كلامها رفع معنوياتي وجعلني أحرص على إكمال دراستي والتفوق والحمد لله أنا أعمل في مجال الإعلام، وكذلك تعلمت منها أن أقدم ما أقتنع به فقط.
عميدة المخرجات
وتعتبر الدكتورة حصة عميدة المخرجات في الإمارات، التحقت بتلفزيون دبي في العام 1983 بعد الحصول على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة سان فرانسيسكو الأميركية في العام 1980، واختارت تخصص السينما، ما زال العديد من أهل الإمارات يتذكرون بعض البرامج التلفزيونية الناجحة التي كانت من إخراج حصة لوتاه، خاصة برنامج «حديث الناس» الذي طرح مجموعة من القضايا الساخنة والتي تعنى بالحياة والناس، وكان لديها اهتمامات ثقافية متنوعة، وبرامج أطفال في القناة الإنجليزية، وهذا التنوع أكسبها خبرة كبيرة في التعامل مع أدوات الإعلام.
تقول د. حصة: «أذكر جيداً آخر قضية طرحناها في «حديث الناس» وكان ذلك في نهاية الثمانينات حول المتغيرات الجديدة، وبداية انهيار الاتحاد السوفييتي، وأذكر أن الحلقة حظيت بردود فعل إيجابية، ورغم ذلك أخذت قرار الابتعاد عن التلفزيون والالتحاق بالمجال الأكاديمي للمشاركة في تكوين جيل متخصص، لأن الوضع أصبح لا يحتمل، وكان الإعلام مهنة من لا مهنة له،
في غياب المعايير الثابتة للعمل الإعلامي في مجال التلفزيون واحترام التخصص واختلطت الأمور، وأصبح الموظف ينقل من العمل في الكافيتريا إلى المونتاج. والواقع أن الإعلام الموجود حالياً يلعب دوراً كبيراً في تسطيح وتجيير باقي البرامج لخدمة الإعلانات، ولا أجد أحدا يهتم بالقصة ولا المضمون وأصبح الشكل مطلوبا قبل المعرفة.
صديق سند
تقول د. منى البحر: علاقتي بحصة تتجاوز الصداقة والزمالة.. لأنها علاقة أسرية إذ ترعرعنا في منطقة الرأس في بر دبي وكنا في نفس الفريج، ورغم اني لم أتزامن معها في الدراسة لكننا التقينا في أميركا مرحلة التحضير للدكتوراه. وحصة عملة نادرة في هذا الزمن ولديها مواقف معي لا يمكن أن تمحوها السنين وهي سند للصديق وتعمقت علاقتي بها إبان مرحلة الدراسة بأميركا.. أذكر أنني كنت أشعر بالوحدة والغربة ولم تكن لي علاقات اجتماعية..
لكن بتواجد حصة أصبح الوضع مختلفاً فلقد قدمت لي ولجميع الطلبة دعماً معنوياً واجتماعياً وعندما تعرضت لعثرة صحية كانت تقطع مسافات طويلة للاعتناء بي وتحرص على قضاء نهاية الأسبوع معاً في أجواء العائلة في الوطن.. كان ذلك سنة 1995. لذلك أقول إن حصة تمتلك قلباً كبيراً يسع الجميع وحتى بعد أن أصبحت رئيسة قسم الإعلام كانت تجلس مع طلبتها ساعات طويلة توجههم وتسمع منهم وأذكر ذات يوم كنت معها في مركز وافي فالتقت مع بعض من طلبتها وكان المشهد معبراً إذ ركض جميعهم نحوها يقبلون جبينها ويسألون عن أخبارها فقد أنشأت جيلاً يحترم الأخلاق والتفكير الحر، ويستطيع أن يرسم المستقبل، لأنها بكل بساطة لعبت دور المربي والمعلم وهذا للأسف ما أصبحنا نفتقده.
تتسم بالجرأة
وفي نفس الإطار يرى الدكتور عدنان البحر مدير الشؤون الإدارية والهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات أن الدكتورة حصة هي قدوة ومثال للجانب المعرفي والتعليمي المتنور، لانها امرأة عصامية، كافحت من أجل التحصيل العلمي، منذ بداية السبعينات ورغم قساوة المجتمع والظروف الاجتماعية استطاعت أن تكمل دراستها في أميركا وتتخصص في مجال جديد على المرأة وأعني السينما والإعلام، لذلك أعتبرها شخصية إيجابية غير يائسة وتتميز بجرأة كبيرة في طرح القضايا وتسمية الأمور بمسمياتها. وهذه شجاعة اكتسبتها من العلم لأن الممارسة المهنية تتطلب جرأة في الطرح وتطويرا في الأداء. والمسألة ليست في العلم والحصول على الشهادات وإنما في كيفية ترجمة هذا التعليم على أرض الواقع ونقل التجربة بأبعادها الإيجابية.
صادقة الحس والكلام
أحمد السري الأستاذ بالجامعة يقول: حصة لوتاه، ابنة البحر والصحراء، سيدة أفقين يلتقيان في ذهنها بكل خطوط الطول والعرض، لذلك تعرف مكانها من العالم بالضبط، تفاصيل وجودها وشكل أحلامها القادمة. حصة لوتاه، عقل متفكر، ورؤى موشاة بالعطر والزهور، كلما دخلت عليها مكتبها وجدت عندها علماء، فكرة جديدة، اسم كتاب شهير، طرافة ذكية، وصفاً لأديب أو رواية، تعليقاً لاذعاً على معرفة متهافتة، إشارة صريحة إلى مكمن الداء.
حصة لوتاه، آمال تطاول الغيم، قلم يحلق فوق الأنجم، ويبدع أفكاراً في مصائر الأشياء وتشكلات الإنسان، قلم حصة، يراع أنحله الهم، عند ضفافه الوارفة يجد أقدم صديقين عرفتهما شرق الجزيرة العربية، البحر والصحراء، متكئاً حميماً ونزلاً رحباً. قلم حصة، برزخ يطلق عنده المتعبون أحلامهم، وهو فاصل حق بين العذوبة السائغة والملح الأجاج، بين الجد النافع والهزل المقيت. ما تلبث أن تنتعش بأمل جديد، ففي أفق البحر ثمة موج آخر قادم.
حصة لا تعرف اليأس، وفي أعماقها بقية من شقاوة الأطفال وعنادهم، تكلفيها للإصرار على معانقة الأحلام والتشبث بها. هنا حيث تتكسر الأمواج تتكشف أيضاً لحصة هشاشة الاسمنت وتسمع وإن همساً أنين الصخور. حصة لوتاه، هذا الإنسان الذي نصف، تأسر دائماً بعلو ذوقها الإنساني الذي تقبل به على البشر، صادقة الحس والكلام، نافرة من كل زيف، من كل أشكال التكاذب الكاشفة للهشاشة الإنسانية. حصة في غنى عن كل ذلك، وهي هي، بوجه واحد وعقل واحد، قليلة الكلمات، حادة الهدف، وتلك بلاغتها الأثيرة غير المثقلة بالمصانعات والتجمل الاجتماعي.
إنها صوت إماراتي أصيل، صوت عربي في العمق من كل هم، لا يشغلها الآتي إلا بقدر صلته بالنهايات الكبرى التي تستشرفها حصة بعيون زرقاء اليمامة، فتكتب وتحذر كي لا تأتي الطامة على أهلها بغتة وهم لا يشعرون. ولكل شيء أوانه، وهذا أوان كلمات حصة وأوان الاستماع إليها. حصة لوتاه، ثروة فكرية لهذا البلد العزيز، ولأمة الضاد النازفة، وهنيئاً لها ما تلقاه من علية القوم في بلدها من توقير واحترام وتكريم، فهي ليست منسية ولا مهملة، إنها حضور لافت، كلمة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، والسلام عليها يوم ولدت ويوم كبرت ويوم صارت شيئاً مذكوراً.
أمينة عماري
