عرف المسحراتي في الوطن العربي، بالرجل الذي يحمل طبلة وعصا صغيرة ويلف على الأحياء والشوارع، يوقظ الناس من نومهم، وإشعارهم بأن وقت السحور قد حان، كما يتزامن ذلك مع ترديده لكلمات مثل «اصحَ يا نائم وحّد الدائم» أو «سحور ياعباد الله»، وغير ذلك من الكلمات والأشعار.
يقول حسين عبدي من الصومال: تبدأ مراسم السحور في الصومال، بقيام مجموعة من الشباب، يتجولون في الطرقات ويضربون الدفوف، وهم يقولون سحور..سحور.. سحور، وعلى أصواتهم وأصوات الدفوف، يصحو الناس لتناول سحورهم، لكن اليوم اختفت هذه الظاهرة، وحل محلها أصوات الرصاص وهدير المدافع.وقال إسماعيل مستوري من السودان: المسحراتي في السودان، يطرق أبواب الحي، ومعه طفل صغير يحمل فانوساً ودفتراً وينادي بأسماء سكان الحي.فمثلا أحدهم اسمه عبدالله، فيقول «يا عبد الله وحد الدايم ورمضان كريم»، ولكن معظم ما يقوله المسحراتي هو« أصحوا يا نايمين يا مدونيين، أصحوا يا جيران.
أصحوا يا ناس يا حلوين، أصحوا وأسحروا، وقولوا نوينا نصوم رمضان، اصحى يا نايم وحد الدايم»، كما يلف المسحراتي كما أشرت على بيوت الصائمين في القرى والأحياء ومعه الطفل الصغير ودفتر به أسماء أصحاب البيوت، حيث جرت العادة، أن يقوم المسحراتي بذكر اسم الشخص عندما يقترب من بيته، ومكررا معه هذه العبارة «ياعباد الله وحدوا الدايم ورمضان كريم»، ولكن كثير من هذه الطقوس، اختفت من السودان ومن البلاد العربية.
وتقول ندى عبدالله: في السعودية وخاصة في مكة المكرمة وجدة، كان المسحراتي، يلف الأحياء والشوارع القديمة، مثل أحياء المظلوم والسبيل وحارة الشام وباب شريف وباب مكة في جدة القديمة، ويردد عبارة «اصحى يا نايم وحد الدايم، ربي قدرنا على الصيام، وأحفظ إيماننا بين القوم» .
ولكن الأمر يختلف في منطقة الإحساء حيث يردد المسحراتي عبارة «أقعد أقعد يا نايم، أقعد أقعد يا نايم، وأذكر ربك الدايم، أصحى يا نايم قوم وحد الدايم، سحور ياعباد الله»، وأشهر مسحراتي في منطقة الإحساء، كان يطلق عليه «أبو طبيلة» أو «المسحر» وتبدأ انطلاقته من منتصف الليل حتى قبيل موعد الإمساك.
قوموا كلوا
وتقول أميمه حسن المهدي من مصر: المسحراتي أشهر شخصية رمضانية، وغالبا ما يكون متواجدا في الحارات والشوارع الشعبية بمصر.
وهو على مدى مئات السنين ما زال متمسكاً بمكانته المتميزة وبزيه الذي يحمل التراث العربي المصري، صحيح أن الأحوال تبدلت واختفى المسحراتي في كثير من الأحياء، إلا أن بعض المناطق الشعبية والريفية، ما زالت تحتفظ بمسحراتي يورث المهنة لأبنائه، والعبارة التي ينادي بها المسحراتي «يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة».
ويضيف فهمان حسين صالح من اليمن: طريقة وأسلوب المسحراتي في بعض قرى اليمن، فيها نوع من القسوة، حيث ينادي المسحراتي النائمين بعبارة «قوموا..كلوا» ويصحو الناس على رنين الصوت العالي، ولكن هذا المسحراتي الغريب، اختفى واختفت معه عبارته المشهورة «قوموا كلوا».
ويقول عصام احمد: المسحراتي في الشام بسوريا وفلسطين ، يحمل المسحراتي عيدان وصفافير تصدر أدوات جميلة، وعلى إيقاع هذه الموسيقى يصحو الناس لتناول سحورهم والاستعداد لصلاة الفجر، ومن الشعارات التي يطلقها المسحراتي «يا نايم وحد الدايم..يا نايم وحد الله..قوم يا بو محمد وحد الله..قوم يا بو حامد.. يا بو صياح».
أبو طبيلة
وقال عيسى محمد من الإمارات: المسحراتي قديما في الإمارات كان يطلق عليه «أبو طبيلة»، وكان يستعمل طبلة تعرف باسم «البازة» وينقر عليها بخشبة رفيعة، يطوف البيوت ليوقظ الناس قبيل أذان الفجر، من أجل تناول السحور حتى يتمكنوا من صيام نهار اليوم التالي.
وكان ذلك قبل أذان الفجر بفترة كافية، حتى يتمكن من إيقاظ كل الفريج، ويقول المسحراتي أثناء تجوله «يا نايم الليل قوم أتسحر، قوم يا نايم قوم، قومك أحسن من نومك».
وتقول رحاب حرفوش: تشهد معظم مناطق بيروت خاصة ذات الطابع الشعبي، مظاهر مختلفة حيث ترفع اليافطات، أما المسحراتي فهو حاضر غائب، ولكن ما زلت أتذكر تلك العبارات التي كان يرددها المسحراتي في بيروت «قوم يا نايم وحد الدايم» أو العبارة التالية «قوموا على سحوركم جاي النبي يزوركم»
وقال قيس الحارثي:
كان في الماضي البعيد، يقوم المسحراتي في أحياء كثيرة من مناطق سلطنة عمان، بالتجوال في الساعات الأخيرة التي تسبق صلاة الفجر، حاملا معه طبلته، ويقول، «يا نائمين الليل قوموا تسحروا، يا مسلمين السحور يا صائمين» كان هذا في الماضي، أما اليوم فقد حل محل المسحراتي، مكبرات الصوت التي تقوم بنفس العمل، ولا شك ان العمانيين، يتمنوا عودة المسحراتي، لانه جزء من تراثهم وتقاليدهم الدينية.
القوما وابن نقطة
ويقول علي السرحان: عرف المسحراتي في العراق، منذ عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي، حيث كلف «ابن نقطة» وهو أشهر من عملوا بالتسحير، لإيقاظه في وقت السحور، وكان «ابن نقطة» يتغنى بشعر يسمى في بغداد «القوما» وهو مخصص فقط للسحور، شعر شعبي له وزنان مختلفان ولا يلتزم فيه باللغة العربية الفصحى، وأطلق عليه اسم «القوما» لكون «ابن نقطة» يوقظ الخليفة بقوله « يا نياما قوما.. قوما للسحور قوما.
وفي المقابل كان يحظى بالتكريم من الخليفة، وعندما مات «ابن نقطة» خلفه ولده وكان حاذقا لفهم «القوما»، وأراد أن يعلم الخليفة بموت أبيه، ويستأذنه بأن يحل محل أبيه كمسحراتي، فلم يتيسر له ذلك، فانتظر إلى قدوم شهر رمضان، ووقف في أول ليلة من شهر رمضان.
ومعه بعض أقارب أبيه، قرب قصر الخليفة وقام بترديد العبارة التي كان يرددها أبيه بصوت رقيق، ثم أضاف الفتى الصغير غناء هذه الأبيات، «يا سيد السادات لك في الكرم عادات، أنا ابن أبي نقطة، تعيش أبي قد مات»، فأعجب الخليفة بذكائه وأكرمه بأن يحل محل أبيه وبأجر أكثر مما كان يحصل عليه الأب.
المسحراتي.. تعددت الأساليب والذكريات واحدة
المسحراتي الذي أصبح جزء من التراث العربي، يختلف بطريقته وأسلوبه من بلد إلى آخر، كما تختلف العبارات التي يرددها لإيقاظ الصائمين، وأول مسحراتي في التاريخ الإسلامي، قيل كان بلال بن رباح وهو أول مؤذن في الإسلام، حيث كان يجوب الشوارع يوقظ الناس بصوته العذب، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول، إن بلالا ينادي بالليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن كلثوم، وكان ابن أم مكتوم يتولى آذان الفجر.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح المسحراتي يجوب الشوارع والأحياء في الدول العربية والإسلامية، ولكن هل المسحراتي مازال حاضرا حتى اليوم، وهل ما زال صوته يسمع كما كان في السابق، أم أن المسحراتي اندثر من الساحة، وحلت محله الوسائل المتطورة.
في بعض البلاد العربية والإسلامية المسحراتي مازال حاضرا، بزيه المعتاد وطبلته وعباراته التي تنادي النائمين الاستعداد للسحور، وفي بعض البلاد غاب عنها، وأصبحت وسائل الإعلام هي التي تقوم بهذا الدور، بمعنى أننا أصبحنا نشاهد المسحراتي على شاشة التلفزيون.
دبي - جميل محسن
