أكثر من ساعة ونحن نتجول في أروقة منطقة أم القيوين القديمة، بحثا عن تاريخها وأمكنتها التي بدت لنا في لحظة من اللحظات، وكأنها أطلال من المباني، بجوار تلك التي شيدت حديثا، على أحدث التصاميم العصرية، تجولنا في عدة أماكن من الحصن إلى السور ومن السوق القديم إلى موقع السينما التي عرفتها المنطقة في أواسط القرن العشرين، في أم القيوين تنتشر العديد من المساكن التقليدية، التي تتنوع في كثير من أنحاء المدينة القديمة والتي تتميز بطرازها المعماري الخليجي، وبخصوصية «البراجيل» الذي تتميز بهندستها البديعة وفوائده العظيمة.
هذه المباني التي كانت في الماضي، شاهدا حيا على حضارة الأجداد، تفتقد اليوم للمسات الجميلة التي تعيد لها مجدها وعراقتها، كذلك تضم أم القيوين العديد من الأماكن الأثرية، كالسور القديم والقلاع والحصون، التي تعكس الحضارة التاريخية للمنطقة، وقصر الحصن القديم الذي تحول إلى متحف يضم العديد من المكتشفات الأثرية في الإمارة لكن أهم ما تميزت به المدينة القديمة، خور «ام القيوين» الذي يبلغ عرضه ؟حوالي كيلو متر وطوله حوالي 5 كيلومترات، وطول مدخله 5 كيلومترات من المدينة في اتجاه شمالها الشرقي، والسور التاريخي الذي بني لحماية مدينة أم القيوين القديمة، من هجوم الأعداء وذلك بحماية الجهة البرية من هذه المدينة، من أي هجوم محتمل في تلك المرحلة، وكذلك لمراقبة الخارج والداخل للمدينة عند الحاجة لذلك، والسور عبارة له أبراج مراقبة عددها ثلاثة، تم مؤخرا ترميمها مع السور.
شريان الحياة:وكان أهالي المدينة القديمة يعتمدون في حياتهم اليومية، مثل باقي أبناء الإمارات في تلك الحقبة على البحر حيث يحترفون الصيد وهي الحرفة التي كانت في الماضي، ولا يزال البعض منهم يمارسها حتى اليوم، بالإضافة إلى الغوص وصناعة السفن، والتي تعد من الحرف المشهورة لسكان أم القيوين، ومن أهم الأحياء المشهورة في المنطقة القديمة، أو ما يطلق عليه «الفريج، الحي الشعبي، الراس، واللزيمة، والغب، ومنطقة السوق، وتنتشر في هذه الأحياء المباني القديمة المبنية من الأحجار البحرية والجص، ومعظم هذه البيوت تركها أهلها ولم يقوموا بترميمها أو إزالتها، والبعض أقام سورا يحيط بها، كما يظهر السوق القديم والذي كان عبارة عن ممر واحد، على جانبيه عدد من الدكاكين الصغيرة، حيث كان أصحاب هذه الدكاكين، يبيعون لأهالي أم القيوين، كل ما يلبي حاجتهم، من مواد غذائية وأقمشة وغيرها.
الحصن والسينما : من أبرز المعالم الأثرية «الحصن» وهو مربع الشكل تقريبا، ومبنى من الحجارة البحرية يحتضنه برجان عاليان، الأول من الجهة الشمالية الشرقية، والثاني من الجهة الجنوبية الغربية، ويتكون البرج من غرفة المراقبة، والمزاغل الأفقية والعمودية والدائرية، مع الأنوف والمسننات والطرابيش المختلفة الارتفاع في أعلى البرج، وتحيط بها ردهات مستطيلة ذات طابقين، مع شرفة خشبية تطل على ساحة كبيرة مكشوفة وفق التخطيط المعماري الخليجي وتتوسط الساحة بئر للماء، ونظرا لأهمية الحصن في نفوس أبناء أم القيوين، من الناحية التاريخية والتراثية، تحول إلى متحف وطني يشمل تراث وتاريخ أم القيوين.
كما لفت نظرنا مبنى قديم يقع أيضا في المنطقة القديمة، وعندما اقتربنا منه، وجدنا لوحة تتصدر واجهة المبنى، مكتوب عليها «سينما أم القيوين»، وعندما سألنا بعض سكان ام القيوين القدامى، قال أحدهم ان هذه السينما كانت تعمل في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وكانت السينما الوحيدة في المنطقة التي تعرض الأفلام العربية والهندية، ولكن بعد ذلك أغلقت وأصبحت من الأطلال المنسية، وحقيقة لم نعرف من صاحبها وفي أي عام افتتحت.
ذكريات الشواب
كان سكان أم القيوين، يعيشون في منطقة اسمها «الدور» منذ مائتي سنة تقريبا، حسب ما ذكره لنا أحد «الشواب» وقال إنه سمع ذلك من جده قبل عشرات السنين، وهذه المنطقة تقع على مسافة كيلومترات جنوب المدينة الحالية، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى وسط جزيرة السينية، وكانت تسمى «ملاح»، ورحلوا بعدها إلى المكان الحالي، واتخذوه منه مستقرا وعاصمة لهم وعاشوا فيه منذ منتصف القرن الثامن عشر، وشيدوا فيها السور القديم والعديد من القلاع والحصون، التي عكست الحضارة التاريخية للمنطقة.
ويقال إن بناء السور وتشييد القلاع على أطرافه، بني لأجل حماية المدينة وأهلها من غزوات الأعداء، وكانت الأبواب تغلق كل مساء، وتفتح في الصباح، كما قال البعض إن اسمها كان يطلق «أم القوتين» بسبب امتلاكها قوتين بحرية وبرية، كما كان يطلق عليها «أم الخورين» نظراً لموقعها بين خورين هما خور أم القيوين وخور البيضاء، ثم تطور استخدام هذه الأسماء حتى أصبح اسمها «أم القيوين» وهو الاسم التي يميزها اليوم بتاريخها القديم.
الخور .. جمال طبيعي وثروة اقتصادية
يعد خور أم القيوين من أهم ما يميز المدينة في الوقت الحاضر، وهو يعتبر من أفضل الخيران الموجودة في الدولة، ويتميز بكثير من المزايا، حيث توجد فيه أشجار القرم التي تساعد على انتشار الأسماك وتكاثرها، وكذلك تحيط به محميات صغيرة، وحاليا هو مرسى للصيادين الذين ينطلقون منه إلى أعماق البحر، وقال عبدالكريم محمد عبد الرحمن رئيس مجلس إدارة جمعية أم القيوين لصيادي الأسماك: «أجرينا عدة دراسات أكدت أهمية أشجار القرم في الإكثار من بيوض الأسماك، وهناك دراسات تجرى في أكثر من جهة، على زراعتها وإكثارها، لما لها من دور كبير، في الحفاظ على الحياة البحرية حيث تعتبر البيئة الساحلية الغنية بأشجار القرم من أنسب المناطق لتكاثر وحضانة أنواع الأسماك والربيان والقشريات الأخرى.
وأضاف عبد الكريم أن أشجار القرم تساهم في الحفاظ على أنواع الحياة البرية والبحرية، وعلى حياة أنواع مختلفة من الطيور، وتعمل كمناطق ملائمة لحياتها ومورداً لغذائها، وتوفر لها الحماية، وقد ساهمت وزارة البيئة والمياه منذ فترة طويلة في تطوير تقنيات زراعة وإكثار أشجار القرم في المناطق الساحلية للدولة، من خلال مركز أبحاث الأحياء البحرية التابع للوزارة الذي أولى بدوره عناية فائقة بأشجار القرم، بمشاركة العديد من البلديات والهيئات والمؤسسات كونها الأنظمة البيئية التي يجب تنميتها والمحافظة عليها.
جميل محسن