نالت الإماراتية حظاً وافراً من الدعم والتمكين منذ قيام الاتحاد مطلع السبعينات، والمتمثل بالتحاقها بالتعليم النظامي العام والتعليم الجامعي، وانخراطها في سوق العمل كجزء أساسي في عملية التنمية الشاملة. ويُعد التعليم جوهر تلك التنمية ودونه لا تسير قافلة البناء والتطوير.
قد يكون الحديث عن تمكين الإماراتية ليس جديداً فهي تحظى بفرص متكافئة في التعليم والعمل، حيث الكفاءة مؤشر للأداء بعيداً عن التمييز.
هنا محاولة لرصد نقاط التحول في حياة الجامعيات فبين التمكين والتنمية تقتحم الإماراتية مجالات جديدة.
وتعتبر التكنولوجيا نقطة تحول إيجابي في مجرى التعليم الجامعي. وتعبر عن هواجسها بانحسار دور اللغة العربية وتطرح تساؤلات حول ضرورة تطويع مخرجات التعليم العالي لتتلاءم ومتطلبات الواقع العملي. تناقش تعريف مفهوم الحرية بين التحرر والمسؤولية.
في أروقة الجامعات كان لنا وقفات مع آراء الطالبات بنقاط التحول المضيئة والهموم التي تستوجب إعادة النظر، وهنا همس مقروء.
تعتقد نورة علي الشامسي أن التكنولوجيا في التعليم تُعد نقطة تحول في مجرى التعليم الجامعي. فالطالبات اليوم على تماس مع التكنولوجيا بصورة مستمرة. عبر توفر مصادر بحث متطورة كالإنترنت وقاعدة البيانات الخاصة بالموسوعات والكتب والمقالات الإلكترونية التي تُسهل الوصول إلى مختلف مصادر المعلومات عبر الضغط على أزرار معدودة.
كما اعتبرت أن الإماراتية حظيت بفرصة الالتحاق بتخصصات لم تكن تقبل عليها الفتيات في فترات سابقة. ولعل السر في ذلك التمكين التعليمي والثقة والدعم.
ما أفرز فرص العمل في قطاعات مثل الإعلام وإدارة الأعمال فبرزت العديد من القياديات في تلك المجالات. كما أن الطالبة الجامعية الإماراتية اليوم أصبحت ذات حضور قوي. تتقن مهارات تجاوزت حدود الكتب والنظريات العلمية. هي تتقن الحديث بلغات أجنبية وتجيد مهارات العرض والتقديم.
تغير مطرد
بلغة أخرى ترى نورة أن التغيّر المطرد في أساليب التعليم الجامعي أرخى بظلاله على شخصية الإماراتية فأضحت أكثر انفتاحاً على الثقافات الأخرى ما أوجد نموذجاً إماراتياً يتمتع بالصبغة العالمية.
«اليوم أعتقد أنني أصبحت أكثر ثقة عند التحدث إلى الآخرين. الحياة الجامعية دفعتني للتخلي عن الخجل والخوف والتردد. والإقبال على المزيد من التحديات لأثبت أنني قادرة على التطور». تبرر نورة ذلك بالتغير في أساليب التعلّم. حيث أصبح يعتمد بصورة رئيسية على الدمج بين المهارات العملية والنظرية. فأصبح التعلم تكاملياً يحاور مختلف المهارات ويصقلها لينتج في آخر المطاف مخرجات قابلة للتطبيق والتفعيل.
ولا تنفي نورة وجود تحديات أخرى. تقف حاجزاً أمام الاتجاه نحو المزيد من التحول. لعل أهمها ثقافية تتصل بالعادات والتقاليد. فالأسر لا تزال تحيط الفتاة بطوق من الخوف والحرص الدائمين. «أعتقد أن أسرتي تخاف علي دائماً من الانخراط في مجتمعات لا أعرفها ولا تشبه بيئتي. ففكرة السفر إلى الخارج بهدف الدراسة أو العمل مرفوضة حتى إشعار آخر».
الحريات
أما ميثاء آل علي ترى أن التقدم الذي تحظى به النظم التعليمية لا يزال يُعد غير منصف فيما يتعلق بحريات الحضور والغياب. «نحن فتيات جامعيات. ويجب أن نتمتع بحد أدنى من الحرية. في رأيي يجب أن يُعاد النظر في قوانين الحضور والانصراف. نحن هنا لأننا على قدر من الثقة والحرية المسؤولة».
قد يكون التحول الذي تشهده المجتمعات طبيعياً وصحياً كما أن الخوف والحذر له ما يبرره من قائمة السلوكيات المنحرفة. ولكن تعتقد نورة أن على الفتاة اختيار ما يناسبها ويتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ويتماشى مع تنشئتها.
قضية انحسار اللغة العربية في المناهج الجامعية تثير الجدل حول الواقع التعليمي والمهني ومدى توظيف كل منها، سيما في تخصصات مثل التربية والإعلام. كما أن مواكبة التعليم الحديث لا تعني بالضرورة الاستغناء عن مبادئ اللغة العربية كما تقول نورة فيتطلب تقويتها وإلقاء المزيد من الضوء على أهميتها في ظل وجود تنوع ثقافي في الدولة.
مساحات أخرى
إن التدرج في مراحل الحياة أمر طبيعي. فالدراسة بمراحلها تُعد الفرد للالتحاق بسوق العمل الذي يمكنه من تطوير مهاراته وصقلها وإعداد ذاته نحو المزيد من التحديات. التجول في أروقة جامعات الطالبات والخوض في منتديات الفتيات على الإنترنت يكشف تفاصيل أخرى. حيث الدراسة والعمل مفهومان ملتصقان بصورة متكررة.
تعتقد مريم الغفلي أن إتاحة الفرص للفتيات للانطلاق نحو المشاركة في الفعاليات والأنشطة المختلفة تحول إيجابي. «تلك فرصة لتطوير المهارات وتحديد اختياراتنا فيما يتعلق بالمستقبل المهني. والتزود بالقدرة على مواجهته، ما من شأنه تسهيل عملية الانخراط في سوق العمل».
ولكن التحدي يكمن في مواكبة النمو المتسارع في قطاعات التكنولوجيا حتى تستمر عملية التنمية، على حد قول مريم، التي تعتبر خوض المرأة لمجالات مختلفة انتصاراً لقدراتها. «اليوم المرأة متواجدة في مختلف القطاعات. بفضل توفر جميع الاختيارات.. تخصصات الإعلام وجامعات لتصميم الأزياء. كل ذلك يُعد تمكيناً واضحاً وإيماناً بقدراتها».
وتشترك معها أمل محمد في ذات الرأي. «اليوم للفتاة حرية اختيار التخصص الذي تريد. هناك عدد كبير من الجامعات التي توفر مختلف التخصصات».
لا شك أن لكل تحوّل وجها مشرقا وآخر مظلما. تقول علياء بوهارون «التكنولوجيا وجه ناصع للتحول. ولكن استخدامها الخاطئ من قبل بعض الفتيات فيه إسفاف بالقيم والعادات، اليوم الهواتف المتحركة والإنترنت والكاميرات المتخصصة أصبحت متاحة للجميع. الفتيات يُسئن استخدام تلك الوسائط.. ويتجولن بحرية في مواقع الإنترنت ما يعكس صورة غير صحيحة عن الفتاة الإماراتية».
تلك السلوكيات ضريبة التحول، ولكن لا بد من استخدامها لما وضعت من أجله. يجب تسخيرها لتعكس الوجه الحضاري للمرأة الإماراتية لا تشويهه.
أمل الفلاسي
