يروى أن عمر بن الخطاب كان يمشي ليلة مع ابن مسعود رضي الله عنهما فسمعا لغطاً في أحد البيوت، فتسوَّرا حائطه، فإذا شيخ بين يديه شراب وقينة (مُغَنِّية) تغنِّي، فقال عمر: ما صحَّ لشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحالة، فقام إليه الرجل فقال: يا أمير المؤمنين!! أنشدك الله، إلا ما أنصفتني حتَّى أتكلم، قال رضي الله عنه: قل، فقال: إن كنتُ عصيتُ الله في واحدة فقد عصيتَ أنت في ثلاث، قال: ما هُنَّ؟
قال: تجسَّست وقد نهاك الله فقال: (.. ولا تجسَّسوا..) الحجرات آية 12، وتسوَّرت وقد قال الله: (.. وليس البِرُّ بأن تأتوا البيوتَ من ظُهورِها ولكنَّ البِرَّ منِ اتَّقى وأْتوا البيوتَ من أبوابها..) البقرة آية 189، ودخلت بغير إذن وقد قال تعالى: (لا تدخلوا بيوتاً غيرَ بيوتِكُم حتَّى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها) فقال عمر: صدقتَ، فهل أنت غافر لي؟ فقال: غفر الله لك، فخرج عمر وهو يبكي ويقول: ويلٌ لعمر إنْ لم يغفر الله له. وفي رواية أخرى قال عمر: هل لك في أن تتوب وأتوب فقال نعم.
قال الله تعالى: (يا أيها الَّذين آمنوا لا تدخلوا بُيوتاً غيرَ بيوتِكُم حتَّى تستأْنِسوا وتُسلِّموا على أهلِها ذلكم خيرٌ لكم لعلَّكم تَذَكَّرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخُلوها حتَّى يُؤذَنَ لكم وإن قيلَ لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملونَ عليم). النور 27-28
الاستئذان: اسم مشتق من الفعل أذن. يقال: أذن له في الشيء إذنا: أباحه له. «لسان العرب» (ج1: ص52) المعجم الوسيط (ج1، ص11).
والاستئذان هو طلب الإذن، ويكون لدخول بيت، أو الانضمام إلى مجلس، أو الخروج منه، أو التصرف في متاع غيره، أو إبداء رأي في مجتمعات الناس، أو سماع حديثهم... هو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن... ويحرم على الإنسان أن يدخل بيت غيره من الناس إلا باستئذان.
أما الاستئناس: فيُقال آنس الشيء: أي أحسه، وآنس الشخص، واستأنسه: أي رآه وأبصره ونظر إليه. يُقال: آنست بفلان: إذا فرحت به. «تهذيب اللغة ج13، ص86: 91- لسان العرب ج1 ص150».
لقد جعل الله تعالى البيوت سكناً، يؤوب إليها الناس، فتستريح أجسادهم، وتسكن أرواحهم، وتطمئن نفوسهم، ويأمنون فيها على عوراتهم وحرماتهم، لذلك جعل لها حرمة، ولدخولها آداباً لا يجوز انتهاكها، فلم يسمح للناس أن يفاجِئ بعضهم بعضاً بدخولها من غير استئذان.
ومن أجل هذا أدَّب الله المسلمين بهذا الأدب العالي، أدب الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت والسَّلام على أهلها، لإيناسهم وإزالة الوحشة من نفوسهم. وبذلك غدت البيوت حَرَماً آمناً، لا يستبيح أحد دخوله إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الَّذي يريدون، وعلى الحالة الَّتي يحبُّون أن يلقاهم الناس عليها.
ولأن الاستئذان أدب رفيع يدل علي حياء صاحبه وشهامته وتربيته وعفته فإن تمسكه بهذا الأدب يشير إلى نزاهة نفسه وتكريمها عن رؤية مالا يجب أن يراه عليه الناس أو سمع حديثا لا يحل له أن يسترقه دون معرفة المتحدثين أو الدخول على قوم وإيقاعهم بالمفاجأة والإحراج ومع تقدم الحضارة وصناعة البيوت المقفلة والأبواب المحكمة فما زال هناك من يدخل دون سلام أو يغشى غرفة غيره أو يقتحم مجلس دون إعلام واستئذان.
وعندما يُرفَعُ الحرج بين الأقارب والأصدقاء وأصحاب العلل، تذوب الفوارق الاجتماعية، وتنصهر القلوب في بوتقة واحدة، وتتآلف الأرواح لِتَكْبُرَ العائلة الإسلامية وتصبح أسرة إنسانية واحدة.
أحمد عبد المجيد