يقول الله ـ جلّ ثناؤه: «إنا عرضنا الأمانة على السمّوات والأرض والجبال فأبيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا». لعل من أهم مؤشرات ثراء الفكر الإنساني وغناه الزخم المعرفي المتسارع بوسائطه الاختراعية: كالحاسوب والناسوخ (الفاكس) والراجوع (الفيديو) والشبكة العنكبية (الانترنت) والمصوار (الكاميرا) وغيرها، وكل هذه تستخدم اللغة أيا كانت حروفها وتراكيبها.

ولا مراء في أن اللغة العربية المشرفة حية تنامت مع نمو الإنسانية، وأتسع معجمها اللغوي والاتصالي لكثير من الالفاظ الاعجمية، لما تتسم به من مرونة وطواعية في خلاياها الصوتية، وامتداد شرايينها البلاغية، وطول أوردتها النحوية، وتنوع أعضائها الصرفية، وقوة في أذرعها الإملائية، مع شموخ عمودها الفقري شموخ قرآنها المحكم، وقوامة مبناها المتمثل في فقهها، وعمق دلالة الفاظها، ومعانيها المستمدة من توغل حضارتها، وحصانة موروثها، ولذاك نجدها قد استوعبت السريانية والفارسية والرومية واللاتينية ومن بعد اللغة الانجليزية والتركية.

وجدير ذكره أن اللسان العربي ويراعته قد عبر عن نبوغ العقلية العربية ـ الإسلامية فانتج العلوم والفنون والموسوعات التي جمعت في تضاعيفها منابع النهضة الأوروبية الحديثة، وليس غريبا أن أذكر بأن لغتنا المكرمة كانت ـ يوما ـ لغة عالمية قبل اللاتينية، وانتشرت الحواضر العلمية في كل من: بغداد والبصرة والكوفة وسامراء والموصل في العراق، ودمشق الفيحاء وحلب الشهباء والقدس الشريف والرملة وبيسان في بلاد الشام.

وقوص والاسكندرية وأسيوط والقاهرة في مصر المحروسة، والقيروان وبجاية وفاس وطنجة في المغرب الكبير، ثم توالت الحواضر العلمية تباعا،فغدت اشبيلية وطليطلة وقرطبة وغيرها في الاندلس محج العلماء، وكعبة طلاب أوروبا يؤمونها لدراسة علوم ذاك العصر، من: طب وهندسة وفلك ورياضيات وكيمياء وفلسفة.. الخ.

واقع

لا مندوحة من القول إن لغة أية أمة محك على نفوذها، وإذا انكفأت وتراجعت هيبتها؛ انعكست على مناحي حياتها، وحقيق القول: إن لغتنا قد تعرضت إلى عديد الهجمات والجحود من أعداء الأمة، وقد أصبحت غداء المآدب الفكرية، وفريسة الخطط الاستعمارية، وهدف الاستشراق وحركات التبشير ومازالت، فتعرضت للتتريك ومن بعد للفرنجة والأجلزة والطلينة.

ومع ذلك حافظت على عذريتها، ونقائها، ووهج رسالتها، ونبل دورها الحضاري، وسمو خزينها المعرفي، وقد جعل الغيورون هدفهم بأن تبقى العربية مصونة متجددة الشباب لايعتريها الوهن، ولا يعتريها الوهن، ولا تعترف بالشيخوخة.

فسخروا ملكاتهم وطاقاتهم، واطلعوا على ثقافات الأمم الأخر، وبحثوا في كنوزها، فتطوعت العلوم لها، وخدمتها بالتعريب تارة، وبالترجمة تارة أخرى، فاستوعب معجمها الألسن على اختلافاتها، فظهر المعجم: السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والطبي، والمصرفي، والتربوي، واللغوي، إضافة إلى الموسوعات المتنوعة في اتجاهاتها.

والحقيقة التي لا ريب من ترديدها أن هذا الزخم المعلومي والمعرفي عائد إلى أنها تستمد عنصرها الإثرائي الموسوعي من القرآن المحيط وهو كنز الأسرار ومستودع العلوم. وإنصافا، فقد قيض الله من ينافح عنها، من أمثال: مصطفى أمين وعلي الجارم والزيات والعقاد وعبدالعزيز البشري والرافعي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد أمين والمازني..

وغيرهم كثير في مصر المحروسة، وخليل مطران وسعيد الأفغاني وأديب الصالح في سوريا ولبنان، والسكاكيني، والنشاشيبي وأمين آل ناصر الدين في فلسطين، كما لا ننسى فضل الأزهر الشريف في الحقبة الماضية الذي دعا إلى تدريس العلوم الطبيعية والرياضيات والطب والهندسة والتوسع في علوم العصر باللغة العربية، علاوة إلى جهود المجامع اللغوية بجهود القائمين عليها، ووفاء أذكر جهود طيبي الذكر: علي مدكور وشوقي ضيف وسعيد الكرمي وعددهم يضيق.

وحادثا، فقد أسست جمعيات حماية اللغة العربية، وكثرت الندوات والمواسم الثقافية التي تتصدى للمشككين بدورها الريادي، والمحافظة على صفائها، والحرص على أن تبقى اللغة الأولى بلا مزاحم في التواصل الرسمي والاجتماعي، مع إمكانية الاطلاع على اللغات الأخرى، بهدف نقل ما قد يسهم في عملية التلاقح الثقافي، دون تعمد إلى الانتقاص منها.

فواز فتح الله ـ منطقة رأس الخيمة