يتوج المؤلف كتابه بسؤال على جانب كبير من الأهمية، وهو: أين يقع الخط الفاصل بين الحرية والأمن؟ وهو يشير إلى أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جزئياً على الأقل، سلوك السي.آي.إيه خلال السنوات المقبلة، وهو في غضون ذلك يشير إلى النقاش المحتدم في الولايات المتحدة حول الوكالة، ويلفت نظرنا إلى اهتمامها الكبير بتوظيف أشخاص يتقنون اللغة العربية، وهو ما يشير إلى أن العالم العربي سيظل من الآن وحتى مدى بعيد بؤرة اهتمام الوكالة الأكثر خطورة في عالم المخابرات.

لم يكن الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش ، سوى مبتدئ في ميدان الشؤون الدولية عندما شرع بخوض السباق الرئاسي الأميركي. ويحدد مؤلف هذا الكتاب ثلاثة أشخاص قاموا بـ «تعليمه» في هذا المجال وهم كوندوليزا رايس، أستاذة العلوم السياسية التي ستصبح فيما بعد مستشارته للأمن القومي ثم وزيرة لخارجيته. وريتشارد هارميتاج، الشخصية الثانية في وزارة الدفاع الأميركية في إدارة رونالد ريغان، والأمير بندر بن سلطان، صديق والده الشخصي، والذي قدّم له العديد من النصائح الجيدة حول خفايا الشؤون الدولية. كان جورج دبليو بوش قد وعد الشعب الأميركي قبل انتخابه رئيساً بعدة أسابيع بأنه ملتزم بالدفاع عن الشعب الأميركي بمواجهة الصواريخ والرعب ووعد أيضاً ببناء جيش جديد من أجل القرن الحادي والعشرين. مهمة بناء هذا الجيش الجديد أوكلت لدونالد رامسفيلد الذي أصبح وزيراً للدفاع بعد فوز بوش بالانتخابات الرئاسية. وكان رامسفيلد هذا ناقداً باستمرار للسي.آي.ايه بسبب ميلها إلى التقليل من شأن المخاطر.

وكانت قد سرت إشاعات عند فوز بوش مفادها أن رامسفيلد سيتسلم إدارة السي.آي.ايه وبدأ جورج تينيت، مديرها آنذاك بحزم ملفاته. لكن الرئيس الجديد قرر الاحتفاظ به في منصبه، وذلك بناءً على نصيحة والده بالإبقاء على الوكالة بعيداً عن السياسة. وأفضل وسيلة للبرهان على ذلك كانت المحافظة على المدير رغم تغيير الإدارة. أكد الرئيس بوش، على عكس الرئيس السابق كلينتون، على أن يسلّمه مدير السي.آي.ايه بنفسه أو عبر أحد مساعديه إذا لم يستطع ذلك، كل صباح التقرير اليومي عن حالة العالم. هكذا سلّمه تينيت يوم 6 أغسطس 2001 التقرير اليومي الذي أثار الكثير من الجدل لاحقاً.

مؤشرات حمراء... كان عنوان ذلك التقرير الموجز هو: «ابن لادن مصمم على الضرب داخل الولايات المتحدة». لقد أعطى الإنذار إذن، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراء. وبعد وقوع تفجيرات 11 سبتمبر دافع بوش ومستشاروه عن أنفسهم بالقول إن ذلك التقرير لم يكن مغايراً عن سلسلة من التقارير التي تلقوها خلال الأسابيع الأخيرة. وأشاروا إلى أن الجملة الأولى في ذلك التقرير تقول: «هناك مصادر من أجهزة سرية وأجهزة أجنبية ومقالات صحافية تدل على أن ابن لادن يرغب، منذ عام 1997، بالقيام بهجوم في الولايات المتحدة». كما تتم الإشارة إلى أن أربعة أخماس ذلك التقرير الموجز كانت تخص نشاطات قامت بها القاعدة، ومنظمات غيرها ما بين 1993 و1999.

إجمالاً كانت جميع مؤشرات إنذار السي.آي.ايه حمراء في صيف 2001. فكل المصادر كانت تتفق على القول ان عملية كبرى على وشك الوقوع. وقد صدرت مؤشرات بذلك من العديد من أجهزة الاستخبارات الأجنبية من بينها الفرنسية والإسرائيلية. ينقل المؤلف عن جورج تينيت قوله: «كان لدي شعور بأن أمراً مهماً يتحضّر. شيء هائل. ولكننا، وكان ذلك يقلقنا جداً، لم نكن نستطيع أن نحدد ماذا بالضبط، ومتى وكيف».

كانت السي.آي.ايه تستشعر إمكانية استهداف الأرض الأميركية، لكنها كانت ترجح أن يتم الهجوم في الخارج، في الشرق الأوسط أو إفريقيا. لكن رغم العلاقات الجيدة مع الرئيس بوش لم يستطع مدير السي.آي.ايه إسماع صوته إذ كان صوت ديك تشيني ودونالد رامسفيلد أقوى. وكانت إدارة بوش ترى بالتالي أن صواريخ الدول المارقة هي الخطر الحقيقي وليس قنابل الإرهابيين الصغيرة.

على ذلك الأساس قررت تلك الإدارة إحياء مشروع الرئيس ريغان بإنشاء درع صاروخية مضادة للصواريخ. وكانت كوندوليزا رايس تستعد لإلقاء خطاب بذلك الشأن يوم 11 سبتمبر 2001. لكن صباح ذلك اليوم شهد هجوماً صاعقاً على الأرض الأميركية التي لم تكن قد عرفت أي عدوان خارجي عليها منذ الحرب الانجليزية في مطلع القرن التاسع عشر.

اتجهت أنظار الأميركيين نحو المشبوهين الاعتياديين مثل العراق والقاعدة. لكن السي.آي.ايه فهمت سريعاً أن بصمات القاعدة وراء التفجيرات، لاسيما على قاعدة تعرّفها على أن اثنين من الذين شاركوا بالعملية كانا عضوين معروفين لديها بانتمائهما لذلك التنظيم.

لم يتردد دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز، الرجل الثاني في وزارة الدفاع آنذاك، في تشكيل وحدتين مكلفتين بالتحقيق حول وجود روابط بين القاعدة وقوى أجنبية، ثم التحقيق لاحقاً حول الأسلحة العراقية غير النظامية. لم يكونا يثقان إلا قليلاً بالوكالات التقليدية. وتتم الإشارة هنا إلى وجود مراكز تحليل موازية ليس سيئاً بحد ذاته.

لكنه قد يصبح كذلك عندما يأخذ محللون قليلو التجربة مكان المحللين المحترفين. والمثال الذي يتم تقديمه على ذلك هو أن الاستخبارات التشيكية أطلعت في أكتوبر 2001 واشنطن على أنها كانت تراقب قبل أشهر من تفجيرات 11 سبتمبر عميلاً عراقياً اسمه أحمد العاني الذي التقى بطالب عربي شاب قدم من هامبورغ وأن مواصفاته تدل على أنه قد يكون محمد عطا، رئيس المنفذين لعملية 11 سبتمبر. قام مكتب التحقيقات الفيدرالي والسي.آي.ايه بتحقيقاتهما وتبيّن بعد أسابيع أن اللقاء بين المعنيين ما كان له أن يتم إذ لم يكونا بنفس المكان خلال اليوم الذي حددته الاستخبارات التشيكية للقاء المزعوم.

ويشير المؤلف إلى أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أصرّ مع ذلك أن يذكر تلك القضية واللقاء طوال شهور لاحقة.

نظريات المؤامرة

في الوقت نفسه تعددت الآراء القائمة على نظريات المؤامرة ووجدت صدى كبيراً في الولايات المتحدة والخارج، ومن بينها كتاب الفرنسي تييري ميسان تحت عنوان «التزييف المخيف» الذي تمّت ترجمته إلى 27 لغة. بكل الحالات دلّ نجاح تلك النظريات على الصورة السيئة التي بقيت ملازمة للسي.آي.ايه وليس أقل تلك النظريات انتشاراً تلك التي تقول إنها مسؤولة عن تدبير التفجيرات أو أنها كانت على دراية بها وإنما تركتها تتم لأسباب غامضة.

حاول جورج تينيت، اعتباراً من 12 سبتمبر 2001، رفع معنويات ضباطه وعناصره، مؤكداً أنه لم يكن هناك تسريب للمعلومات. وإن الوكالة تعمل منذ سنوات بدأب ضد القاعدة وإن البيت الأبيض قد جرى إنذاره بإمكانيات وقوع عمليات فوق الأرض الأميركية. لكن ما يتفق عليه الجميع هو أنه كانت هناك أخطاء ونواقص بالتأكيد، أما مسألة توزيع المسؤوليات فقد بدا أنه من الصعب تحديدها بدقة.

ويتم التأكيد هنا أن السي.آي.ايه كانت تستقصي اعتباراً من يناير 2000 حول بعض «قراصنة الجو»، كما أصبحت تطلق عليهم. وإنها قبل أشهر من 11 سبتمبر قد تلقّت معلومات تدل على أن القاعدة تنوي خطف طائرات للهجوم على أهداف «رمزية» على الأراضي الأميركية. لكن لم يتم إخطار مكتب التحقيقات الفيدرالي «أف.بي.آي» بذلك.

في المحصلة بدا أن المسؤوليات مشتركة إلى درجة أنه تم التوصل إلى قبول أن تفجيرات 11 سبتمبر تشكل عجزاً قومياً، وفشلاً جماعياً لكل الوكالات الحكومية المختصّة بالاستخبارات. لكن إذا كانت السي.آي.ايه هي ابنة شرعية لبيرل هاربور، أي نتيجة مباشرة للهجوم الذي قام به اليابانيون على القاعدة الأميركية في تلك الجزيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد قامت الوكالة أصلاً من أجل تجنب تكرار مثل ذلك الهجوم المباغت، إذا كان الأمر كذلك، فإن تفجيرات 11 سبتمبر كان لها أثر مشابه.

وكما حدث في سنوات الأربعينات، فإن أميركا وقفت كتلة واحدة حول القول بضرورة إصلاح أجهزة الاستخبارات، وخاصة حول ضرورة تعزيز قوتها. وعاد للظهور في العقيدة الاستراتيجية للبيت الأبيض رأي يقول: «تشكل الاستخبارات خط دفاعنا الأول ضد الإرهاب والتهديدات التي تمثلها الدول المعادية لنا».

وتتم الإشارة إلى أن الوثيقة الصادرة في شهر سبتمبر من عام 2002 تحت عنوان: «استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية» قد ذكرت كلمة «استخبارات» 18 مرّة بينما لم تذكر كلمة «دبلوماسية» سوى 7 مرات.

تعزيز المخابرات

هكذا جرى تعزيز قوة أجهزة الاستخبارات كلها، وعرفت الميزانيات الخاصة بها زيادات كبيرة وسريعة. وتقدّر زيادتها خلال 6 سنوات بالنصف كي تصل إلى 45 مليار دولار، سدسها تقريبا مكرّس للسي.آي.ايه. كذلك تمت إعادة النظر بسياسة «الشفافية» التي كان قد تبناها بيل كلينتون.

ولم يتردد الرئيس بوش في القول: «جميع مصادر وطرق الاستخبارات سوف تبقى سرية. ولن تقوم إدارتي بأي تعليق حول الطريقة التي نقوم فيها بجمع المعلومات». هكذا استعاد «محاربو الظل» مكانتهم بنظر الأميركيين.

في الوقت نفسه أُعطيت الأولوية للاستخبارات البشرية على حساب الاستخبارات التكنولوجية. لقد أصبح على ضباط الوكالة الاستخباراتية أن ينزلوا إلى الشارع وإلى أي مكان يمكنهم فيه تجنيد عملاء يمكنهم أن يقدموا لهم معلومات حول نوايا الإرهابيين «قبل أن تصبح أعمالهم المشينة على صدر الصفحات الأولى للجرائد».

وبين ليلة وضحاها ازدهرت «دبلوماسية الاستخبارات». لا شك أن «المعلومات» كان قد جرى استخدامها منذ فترة طويلة في توجيه الدبلوماسية، خاصة منذ أزمة الصواريخ «الكوبية» عام 1962. ثم عرف هذا التوجه ذروته في ظل رونالد ريغان. لكن ما شوهد اعتبارا من خريف 2001 لا مثيل له أبدا في السابق.

أبدى جورج تينيت مدير السي.آي.ايه «امتنانا» كبيرا حيال الرئيس جورج دبليو بوش. ذلك أنه «أنقذه» مرتين. مرة أولى عندما وصل إلى البيت الأبيض واحتفظ به في منصبه، ومرة ثانية بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث دافع عنه وعن أجهزة الاستخبارات وعمل على تعزيز قوتها وسلطاتها. واعتبارا منذئذ أصبح في خدمته أكثر من أي وقت مضى. «وربما أنه أفرط في ذلك»، كما سوف تبرهن الأحداث الخاصة بالأزمة العراقية.

في نهاية سبتمبر 2001 اتجهت وحدات من السي.آي.ايه تحت اسم «جاو بريكرز»، والذي تعني ترجمته «محطمو الأفكاك» إلى أفغانستان وبجعبتها حقائب مليئة بالدولارات من أجل إقناع «تحالف الشمال» بالدخول في مواجهة مسلّحة مع «طالبان» و«القاعدة».

وقد قامت تلك الوحدات بتوجيه «تفاصيل» العمليات العسكرية اللاحقة. كان ذلك بمساعدة «القوات الخاصة» لكن السي.آي.ايه هي التي كانت تعطي الأوامر.

وفي الوقت الذي توقفت فيه المعارك الكبرى في أفغانستان خلال ربيع 2002 تسرّبت الخطط التي كانت وزارة الدفاع «البنتاغون» قد أعدتها فيما يخص الحرب ضد العراق، مما أكّد التوجه نحو توجيه «الحرب ضد الإرهاب» ضد بغداد.

وينقل المؤلف عن «ريتشارد ديرلوف» رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني (ام آي 6)، تأكيده، بالاعتماد على محضر زيارة قام بها إلى واشنطن في يونيو 2002 ما مفاده أن «عملية عسكرية تبدو الآن لا يمكن تجنبها. فبوش يريد الإطاحة بصدام عبر عملية عسكرية يتم تبريرها بالإرهاب وبوجود أسلحة دمار شامل. لكن المعلومات الاستخبارية والوقائع سيتم تحديدها تبعا للأهداف السياسية».

ويرى المؤلف أن الجملة الأخيرة تؤكد على الدور المتناقض الذي كان على السي.آي.ايه أن تلعبه في الحرب التي كان يتم تحضيرها. فمن جهة كانت الاستخبارات ستأخذ مكانة مركزية من أجل تبرير حرب العراق، ومن جهة أخرى، لا بد من ملاحظة أن دورها كان ضئيل الأهمية في عملية اتخاذ القرار السياسي. باختصار «لم تفعل السي.آي.ايه سوى أنها جلبت المياه إلى طاحونة كانت نفسها تدور أصلا قبل فترة طويلة».

الأسلحة المفقودة

في أغسطس 2002 صرّح ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي: «لم يعد هناك أي شك فصدام حسين يمتلك بالقطع أسلحة تدمير شامل. والكثيرون منّا على قناعة أنه سوف يمتلك أسلحة نووية في المستقبل القريب جدا. متى بالتحديد؟ لا نستطيع قول ذلك بدقة، فالاستخبارات بطبيعتها نشاط غير مؤكّد تماما، حتى في أفضل الظروف، وهذا صحيح بصورة خاصة عندما يتعلق الأمر بنظام شمولي-توتاليتاري، جعل من الخداع علما».

في الواقع، ما ان انتهت الحرب في أفغانستان حتى بدأ تشيني ورامسفيلد ووولفويتز بمحاولة إقناع الرئيس جورج دبليو بوش بالإطاحة بصدام حسين، باعتبار أن العراق يشكل خطرا كامنا وصدام تهديدا مرئيا. ثم إن الهجوم ممكن سياسيا وعسكريا.

ويمكن إعادة «درس» أفغانستان في العراق. وقد أكّد جورج تينيت، مدير السي.آي.ايه من جهته أن وكالته لا تملك إمكانيات الإطاحة به وقد فشلت محاولاتها المتكررة منذ عشر سنوات. باختصار كان مدير الوكالة الاستخبارية وخبراؤها يعرفون جيدا أن العراق ليس أفغانستان.

في مطلع سبتمبر 2002 طلب الكونغرس من جورج تينيت القيام بعملية تقويم للاستخبارات القومية حول التهديد العراقي. وبعد أسابيع قليلة وبأسرع من الوقت الضروري عادة لإعداد مثل تلك الوثيقة، توصل إلى النتائج التالية: «يتابع العراق برامجه لأسلحة الدمار الشامل متحديا بذلك قرارات الأمم المتحدة.

وبغداد تمتلك أسلحة كيميائية وجرثومية وصواريخ يتجاوز مداها المسافة التي فرضتها المجموعة الدولية. وإذا جرى ترك صدام حسين دون رقابة فإنه قد يمتلك السلاح النووي خلال العقد الجاري».

وأكّدت السي.آي.ايه أيضا أن أعضاء من القاعدة قد وصلوا إلى بغداد وكان «كولن باول» قد عرض أمام الأمم المتحدة «البراهين» التي أعدّها محللو الوكالة المركزية للاستخبارت عن أسلحة الدمار الشامل وبرامج إنتاجها المزعومة.

في قلب العاصفة

بدأت الحرب الأميركية على العراق قبل يومين من موعدها المحدد سابقا، وذلك بعد معلومات، مصدرها السي.آي.ايه، أكّدت أن صدام حسين موجود في إحدى المزارع بالقرب من بغداد. فقرر الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد والمستشارون المحيطون بهما قصف المكان المعني. لكن صدام لم يكن فيه وكانت المعلومات خاطئة.

لكن الوزن الأساسي في المسألة العراقية لم يكن للسي.آي.ايه وإنما بالأحرى لوزارة الدفاع «البنتاغون» التي كانت تتخذ كل القرارات وتنظم الطريقة التي ستتم إدارة العراق حسبها بعد نهاية الحرب... التي كانت «حرب رامسفيلد».

«في قلب العاصفة»، كان ذلك هو العنوان الذي أعطاه «جورج تينيت» لمذكراته أثناء فترة إدارته للسي.آي.ايه والتي نشرها في كتاب خلال ربيع 2007. إنه، بطريقة أو بأخرى، وبتقديمه المساعدة أو بقبوله أو بمجرد أنه «أغلق عيونه»، قد سمح للحكومة ب«تبرير حرب لا يمكن تبريرها»، حسب تعبير المؤلف. كما ذكّرت الصحافة بتقربه الكبير من رجال السياسة حيث انتهى الأمر بالسي.آي.ايه إلى «إحراق أجنحتها».

وما يتم تأكيده هو أن الاستخبارات قد جرى تسييسها، فالساسة انتقوا من المعلومات وكأنهم ذاهبون إلى قطاف الكرز. لقد أخذوا «أجمل الحبّات» ونسوا الأخرى التي لا تذهب في اتجاه أفكارهم. لكن بالمقابل قام ضباط السي.آي.ايه بــ «تسريب» المعلومات التي تدل على أن الحكومة مسؤولة عن نتائج الحرب في العراق. ومثال ذلك تقديرات الوكالة حول المشاكل التي ستواجهها الولايات المتحدة من أجل الوصول بالعراق إلى بر الاستقرار بعد الحرب.

وقد جاء في تقرير للسي.آي.ايه قبل شهرين من الحرب: «إن العراق قد لا يتفكك، لكن السلطة التي سوف تحل محل صدام حسين قد تواجه مجتمعا منقسما أكثر فأكثر على نفسه. وهناك احتمال كبير أن تتصادم مجموعات محلية بعنف فيما بينها. كما يمكن لعناصر تنتمي إلى النظام السابق أن تتحالف مع منظمات إرهابية أو ربما قد تقوم بحرب عصابات ضد الحكومة الجديدة».

وكتب مايكل شوير المسؤول السابق عن وحدة «أليك» المكلفة بمراقبة نشاطات بن لادن في كتاب له نشره تحت اسم «مجهول»، وإنما كشفته الصحافة بسرعة، ما يلي: «لم يكن يمكن لبن لادن أن يتأمل أفضل من غزو العراق من قبل أميركا».

لكن أشكال الفشل العديدة التي أرادت الإدارة تحميلها للسي.آي.ايه والهجومات المتعددة التي تعرّض لها عالم الاستخبارات دفعت تينيت إلى اتخاذ القرار الذي لم يكن بوسعه تأجيله أكثر. وقد برر استقالته برغبته في الاهتمام بدراسة ابن له كان يتأهب لدخول الجامعة. «لكن لا أحد مغفّل»، كما يعلّق المؤلف.

النصيحة التي قدّمها تينيت، بناء على تجربته، لمدراء وكالة الاستخبارات المركزية القادمين هي أن يكونوا حذرين عندما يقدمون لأصحاب القرار معلومات ترتبط بأهدافهم السياسية. «فمن جهة، إذا بقيتم بعيدين فقد يتم استخدام المعلومات بشكل سيئ، ومن جهة أخرى، إذا انخرطتم كثيرا فإنكم تواجهون خطر الظهور كداعم سياسي في الوقت الذي قد تريدون فيه أن تبقوا على الحياد».

تولّى «بورتر جاس» إدارة السي.آي.ايه في فترة كانت تتعرض فيها لهجوم شرس من قبل البيت الأبيض والكونغرس والرأي العام، عبر الصحافة وحيث كان الجميع يتفقون على ضرورة إعادة تنظيم الأجهزة الاستخباراتية. هكذا صدر في نهاية عام 2004 «قانون إصلاح الاستخبارات والوقاية من الإرهاب».

وأهم ما تضمنه هو خلق منصب «مدير الاستخبارات القومية» للإشراف على جميع الأجهزة وتنسيق نشاطاتها. وقد ترأسه جون نيغروبونتي المندوب الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة وبعدها لدى العراق.

بدت السي.آي.ايه أكبر الخاسرين من إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، وسرعان ما دخل «بورتر جوس» مديرها في نزاع مع مدير الاستخبارات القومية وانتهى الأمر برحيله وتعيين الجنرال «مايكل هايدن» مديرا للسي.آي.ايه في مايو 2006.

وعندما تفجّرت فضيحة وجود شبكة عالمية لسجون سرية تستجوب السي.آي.ايه فيها معتقلين باسم مكافحة الإرهاب، وأكّد الرئيس بوش نفسه وجودها في سبتمبر 2006، ثار نقاش كبير حولها في الولايات المتحدة.

وقال الجنرال هايدز، مدير السي.آي.ايه أمام الكونجرس: «ليس ذو فائدة كبيرة بالنسبة لي تذكيري بضرورة توظيف أشخاص يتحدثون اللغة العربية. إن ما أحتاج إليه فعلا وما أنتظره منكم، هو أن تتناقشوا مع البرلمانيين الآخرين وتجدوا أين يقع الحد الفاصل بين الحرية والأمن».

أين يقع الخط الفاصل بين الحرية والأمن؟ على ضوء الإجاية التي يتم تقديمها على هذا السؤال يتحدد، جزئيا على الأقل، سلوك السي.آي.ايه خلال السنوات المقبلة. وهذا ما يصل إليه المؤلف في الكلمات الأخيرة من الفصل الأخير من كتابه عن التاريخ السياسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف