أصبح المحللون الأميركيون أكثر حدة في الفترة الأخيرة في انتقاداتهم لأداء البريطانيين في جنوب العراق. ويقول تقرير حديث لوكالة المخابرات المركزية الأميركية ( سي آي إيه) إن حدة العنف قد تصاعدت في البصرة بشكل كبير في ضوء ما حصل من تقسيم أضعف من فعالية قوات التحالف هناك.
وقال بعض الخبراء إن القوات البريطانية قد تركت وراءها فراغا من الفوضى ملأته الميليشيات الشيعية المتناحرة في تلك المدينة التي تعتبر ثاني أكبر مدن العراق. بل ان هناك قلة قد ألمحت إلى أن الولايات المتحدة ستضطر إلى الإمساك بمقاليد الأمور هناك من أجل إنهاء حالة الفوضى التي تعانيها المدينة.
إن إلقاء اللوم بهذا الشكل على البريطانيين بسبب ما يجري في البصرة يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من محاولات العثور على كبش فداء، وهي المحاولات الدائرة الآن في واشنطن في إطار تلك الحملة التي تحمل اسم (من سبب خسارتنا في العراق؟) والتي اكتسبت زخماً كبيراً مع اقتراب انتخابات 2008 الرئاسية.
إن هذا التحليل لما يحدث في العراق يضر كثيراً باسم الجيش البريطاني. فقد أبلت القوات البريطانية بلاءً حسنا في العراق. فالمشكلة لم تكن قط في القوات، وإنما كانت في لب المهمة التي أرسلت تلك القوات من أجل انجازها والقيادة السيئة التي ادارتها. ففي ضوء العدد القليل جدا من الحلفاء الذي كان يتمتع به الرئيس الأميركي جورج بوش عندما قرر غزو العراق، فإنه من غير الصحيح انتقاد الحليف الأوحد الذي أرسل عددا كبيرا من القوات إلى العراق وأبقاها هناك لأربع سنوات حتى الآن.
يتعين على بوش تحمل المسؤولية الرئيسية عن قراره غير المسؤول الخاص بغزو العراق وعن تزوير المعلومات الاستخبارية من أجل تبرير الغزو، وعن التنفيذ غير الجيد لعملية الاحتلال التي أعقبته. لقد حث رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مرارا وتكرارا الرئيس بوش على اتخاذ خطوات مثل إشراك إيران في مرحلة ما بعد الغزو وإعطاء دفعة لعملية السلام العربية-الإسرائيلية التي يمكن أن يكون لها أثر جيد في الوضع العراقي وفي المنطقة بأسرها.
لقد كان خبراء الاستخبارات البريطانية أسرع من نظرائهم في الولايات المتحدة في اكتشاف سوء عواقب الاحتلال في منتصف عام 2003 وحذروا من وقوع كارثة وشيكة. غير أن بوش وفريقه الاستخباري لم يستمعوا لأي نصائح.
وليس علينا سوى النظر فيما يجري الآن في البصرة والمحافظات الشيعية الجنوبية المجاورة لإدراك أن الوضع هناك هو بمثابة نذير يعكس ما يمكن أن يكون عليه مستقبل العراق. فانتهاك القانون والنظام في الجنوب يعكس أزمة الوحدة السياسية والهوية القومية الشائعة بين جميع العراقيين وليس بين الشيعة فقط.
فالحاجة إلى عملية مصالحة سياسية وتصاعد النفوذ الإيراني والتناحر بين الشيعة أنفسهم ليست أموراً منحصرة في الجنوب فحسب، وإنما تنسحب على كل العراق الآن. إن عدد القوات المرابطة في العراق ليس هو المشكلة؛ وإنما المشكلة الرئيسية تكمن في أن القيادة السياسية منقسمة على نفسها وضعيفة ومازالت أسيرة لبرامجها الطائفية الضيقة، الأمر الذي يتركها فريسة للآخرين.
فإلقاء اللوم على البريطانيين أو على رئيس الوزراء نوري المالكي هو أمر لا يمت للواقع المرير بصلة. إن البصرة تحتوي على ثلثي الثروة النفطية للعراق. وفي حال أن تفتقد هذه المدينة الحكومة الجيدة، وفي حال أن تظل صادرات النفط وإيراداتها على المعدلات التي تُسجل منذ 2003، فإنه سيكون من الصعوبة بمكان النهوض بالبلاد اقتصاديا، وهو الأمر الذي سينعكس سلباً على أي جهود تُبذل من أجل الوصول إلى استقرار سياسي في العراق.
لقد آن الأوان لأن يعلن جورج بوش وغوردون براون بكل وضوح أنهما يعتزمان الانسحاب بشكل كلي من العراق وأننا لا نبغي أي وجود عسكري دائم هناك، ولا نسعى وراء أي امتيازات خاصة في صناعة النفط العراقية. لقد كان يجب علينا قول هذا الشيء منذ البداية قبل التورط في عملية إلقاء اللوم. ثم يتعين علينا بعد ذلك العمل على الخروج سوياً من العراق بأسلوب منظم.
ترجمة: حاتم حسين عن (إندبندنت)