تمثل مقالة المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، برنامج عمل شاملا وكاملا في ما يتعلق بتصورات الرئيس الأميركي للسياسات الخارجية الأميركية المقبلة.
إن أية قراءة لهذه المقالة المنشورة في العدد الأخير من مجلة «شؤون خارجية» الأميركية ذائعة الصيت، يجب أن لا تغفل السياق العام للسياسات الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، والتي انتهجت نهجاً استعماريا توسعيا ودمويا شأن كل القوى الإمبراطورية المتنفذة عبر التاريخ. كما يجب أن لا تغفل عن التدهور الاقتصادي والسياسي الذي أصاب الولايات المتحدة الأميركية منذ عقدين من الزمان وحتى الآن. والمفارقة اللافتة للنظر هنا، وربما التي لا تسترعي انتباه أحد، أن هذا الانهيار قد بدأ بشكلٍ فعلي حقيقي ومؤثر منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. فرغم انفراد الولايات المتحدة بالعالم منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، إلا أن هذا الانفراد قد بدا مثقلاً بأعباء الحقبة الريجانية التوسعية التدخلية بإفراط في أماكن كثيرة من العالم.
عبر الرئيس الأميركي الجمهوري السابق رونالد ريجان (1981- 1989) عن حالة الذعر الأميركية عبر تدخله في مناطق كثيرة من العالم، جرينادا ووسط أميركا ولبنان وليبيا، إضافة إلى عنف غير مسبوق في الخطاب الأميركي تجاه ما يتعارض مع السياسات الخارجية الأميركية. لقد أسست الريجانية مبدأ البراغماتية السياسية في أسوأ مظاهرها غير العاقلة، بدون تنظير حقيقي وبدون وعي سياسي رصين. وكان المحرك الوحيد لممارسة هذا التدخل والتعبير بمثل هذه العنف الخطابي غير المسبوق، هو القوة العسكرية والإمكانيات الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية التي أتاحت لها التدخل في أية بقعة ساخنة في العالم، وفي أي موضوع يتعارض مع مصالحها الآنية قصيرة المدى.
فمنذ المرحلة الريجانية فقدت أميركا الرؤية الاستراتيجية لمشروعها الرأسمالي الذي أتاح لها الهيمنة شبه العقلانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويمكن القول أن أميركا، منذ انتهاء الحقبة الريجانية عام 1989 وحتى الآن، لم تقدم للعالم شيئاً يعتد به، كما أنها لم تستطع أن تقود العالم بدرجة كبيرة من الوضوح والاتساق.
صحيح أنها قامت بأدوار تدخلية مهيمنة عديدة، مثل الموقف في يوغسلافيا السابقة وفي الكويت وفي أفغانستان وأخيراً في العراق، إلا أنها كانت مواقف تدخلية عسكرية ارتبطت بمصالح آنية، ولم تكن مرتبطة بأبعاد استراتيجية واضحة من ناحية، كما أنها لم ترتبط بمشروع قيمي إنساني حقيقي من ناحية أخرى.
لقد تعاملت الريجانية مع العالم بوصفه فضاءً خاصاً يحق لأميركا استخدامه والتدخل في شؤونه، وأصبح التعامل مع الآخرين يتم من خلال مبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يحقق لنا أهدافنا فهو بالتأكيد عدو لنا. ومن أسف أن أسس الحقبة الريجانية استمرت فاعلة في تصورات السياسات الخارجية الأميركية منذ بداية تسعينات القرن الماضي وحتى الآن، يتساوى في ذلك الجمهوريون مع الديمقراطيين.
لا تنفصل مقالة جولياني سالفة الذكر عن إطار السياسات الريجانية بشكلٍ عام، وإن كانت تزيد عليها ضرورات التنظير والادعاء بالمشروعية، وهو ما لم يكن يهتم به الرئيس رونالد ريجان. لقد كان التدخل الريجاني في العالم تدخلاً مشروعاً لا يستدعي التبرير والتنظير، كان تدخلاً فجاً يمارسه الكاوبوي الأميركي في أشد مظاهره عنفاً ودموية.
ورغم ذلك فإنه لم يكن بالخطورة المتوقعة، رغم ما تخلف عنه من آثار بالغة العنف والوحشية، من حيث أنه كان واضحاً في دمويته وعنفه أمام الآخرين. أما خطاب جولياني، فرغم عنفه وعدوانيته، فإنه يختفي وراء التنظير ويبحث عن مشروعية وأسانيد التدخل في شؤون الآخرين، ومن هنا تبدو خطورته، ومن هنا تبدو ريجانيته في أسوأ أوجهها وحمولاتها الفجة والمخيفة في الوقت نفسه.
لقد جاء برنامج جولياني متأثراً بدرجة كبيرة بالحقبة الريجانية، وبأعباء مرحلة ما بعد سبتمبر 2001، وبظهور القوى المتنفذة الجديدة مثل الصين وروسيا. ويمكن القول بأن الشرق الأوسط قد حاز مساحة كبيرة من برنامجه.
وهو ما يؤشر على مخاطر الحقبة القادمة، في حال فوز جولياني، بالنسبة للشرق الأوسط بعامة، وبالنسبة للقضية الفلسطينية بخاصة. فقد كال جولياني الاتهامات يميناً وشمالاً للشرق الأوسط، ول«الإسلام الفاشي»، متوعداً ومهدداً بشكلٍ لا يتناسب مع رئيس قادم لأكبر دولة في التاريخ المعاصر.
والأخطر من ذلك أنه يدعي في غمرة عنفه وتهديده أنه يبحث عن السلام الواقعي، وهو السلام الذي لم أجد تعريفاً له سوى أنه ذلك السلام الذي ينسجم مع المصالح والرغبات والهوى الأميركي. فكل ما لا ينسجم مع أميركا فهو لا يندرج تحت مقولة السلام الواقعي الذي يتحدث عنه جولياني.
في هذا السياق، يصلح كل ما يؤيد السياسات الأميركية للتصنيف في خانة المدافعين عن السلام الواقعي، مثل أوروبا وكندا والمكسيك وبعض دول أميركا اللاتينية واليابان وكوريا الجنوبية. أما من تسول له نفسه معارضة المصالح الأميركية، ناهيك عن تهديدها، فهو لا يحق له أن يندرج تحت فئة المدافعين عن السلام الواقعي، مثل كوبا وفنزويلا والصين وروسيا وإيران وفلسطين.
ويلفت النظر هنا أيضاً أن الأمم المتحدة ذاتها قد أصبحت في نظر جولياني منظمة غير جديرة بالاحترام والتقدير، إلا في مجال الإغاثة والشؤون الإنسانية، أما فيما عدا ذلك فهي مؤسسة فاسدة وضعيفة ومهترئة، يجب التخلص منها والبحث عن آليات جديدة تتفق ورؤية أميركا للسلام الواقعي.
لا أعلم لماذا استخدم جولياني كلمة السلام الواقعي في برنامجه، فقد كان يجب عليه أن يستخدم كلمة السياسة الخارجية العملية، ليجنب نفسه تلك المفارقة الغريبة بين دعواته الممتلئة بالويل والتهديد لكل ما يتعارض مع السياسات الأميركية.
إن برنامج جولياني يحمل مأزق الولايات المتحدة الأميركية المعاصرة المتناقض، من حيث الرغبة في الإعلاء من شأن القيم والجوانب الإنسانية، وهي الرغبة التي لا تستطيع أميركا أن تبرهن عليها عمليا وواقعيا، وبين تلك الممارسات الأميركية التوسعية في كافة أنحاء العالم.
وهو التناقض نفسه الذي وقع فيه جولياني حينما لم ير في إنشاء الدولة الفلسطينية، التي يعاني شعبها ليل نهار من القمع الصهيوني المتواصل، سوى إضافة لدولة إرهابية جديدة تضاد المشروع الأميركي وتدخلاته المفرطة. وبينما يعارض جولياني إقامة دولة فلسطينية، فإنه يؤكد مثل رؤسائه السابقين ضماناته المفرطة لأمن إسرائيل وشعبها.
يجسد برنامج جولياني مأزق أميركا المعاصر من حيث ارتكانه المبالغ فيه إلى القوة العسكرية، وضياع رؤيته الاستراتيجية في فهم الشؤون الكونية المحيطة بأميركا.
تبرز أميركا في برنامجه بوصفها العالم ذاته. تصبح تقوية وتدعيم القوة العسكرية الأميركية أحد أهم معالم برنامج جولياني، حيث لا تكفيه تلك الترسانة العسكرية الهائلة التي تمتلكها أميركا، بل ينادي ويدعو لإنشاء فرق عسكرية جديدة تتيح لأميركا التدخل في أي مكان في العالم.
إضافة إلى ذلك، فإنه يرى التدخل الاقتصادي الأميركي مسألة على قدر كبير من الأهمية، حيث يتمثل الاقتصاد بالنسبة له في هيمنة الرموز الاستهلاكية الأميركية المتمثلة في الماكدونالدز والبيبسي كولا والجينز والموسيقى، أي كل ما يدعم النزعة الاستهلاكية الكونية لصالح الشركات الأميركية المتنفذة كونيا.
من أسف أن برنامج جولياني برنامج عسكري توسعي بامتياز، لا يرى في العالم إلا ما يرتبط بالمصالح الأميركية، ولا يرى في الآخرين سوى مقدار خضوعهم للهيمنة الأميركية.
وفي هذا السياق، فإنه لا بد وأن تنشأ جبهة كونية جديدة بآليات القرن الواحد والعشرين، وبمستويات غير مسبوقة، من أجل مواجهة السيد جولياني وبرنامجه التدخلي الرئاسي القادم الذي نعرضه هنا، على جزأين، من خلال ما جاء في مقالته المذكورة.
جيل 11 سبتمبر
بينما انتهت التحديات الرئيسة الخاصة بالقرن العشرين بسقوط حائط برلين، فإننا قد بدأنا القرن الواحد والعشرين بهجوم الحادي عشر من سبتمبر، على الرغم من أن «الإرهابيين الإسلاميين» قد بدأوا هجومهم على النظام العالمي قبل ذلك بعدة عقود.
لقد أدى هجوم الحادي عشر من سبتمبر إلى نهاية التصور القائل باستحالة قيام أية حروب أو هجمات على الأراضي الأميركية. وكما كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر هجوماً على الأراضي الأميركية فإنها كانت أيضاً هجوماً على الحضارة نفسها، وعلى النظام الدولي بواسطة العدوان الإسلامي الوحشي.
لقد حققت أميركا وحلفاؤها تقدماً كبيراً منذ أحداث ذلك اليوم الرهيب، حيث اتسمت استجابتنا بالقوة ضد الإرهاب الموجه ضدنا، كما أنها اتسمت بالتحول من استراتيجية الدفاع ورد الفعل إلى استراتيجية الهجوم والفعل. ورغم ذلك فإن الحرب على الإرهاب سوف تكون حرباً طويلة، حيث ما زلنا في المراحل الأولى منها.
إن الرئيس القادم للولايات المتحدة الأميركية سوف يواجه ثلاثة تحديات مفصلية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية. أول وأهم هذه التحديات يتمثل في دحر الإرهاب الموجه ضد النظام الكوني. ويتمثل ثاني هذه التحديات في تدعيم النظام الدولي الذي يسعى الإرهابيون لتدميره.
أما التحدي الثالث والأخير فيتمثل في تعظيم المزايا الناجمة عن النظام الدولي الذي استطاع أن يوفر المزيد من الأمن والاستقرار بشكلٍ كبير في كافة أنحاء المعمورة.
إن أكثر الوسائل تأثيراً لتحقيق هذه الأهداف تنبع من خلال بناء دفاع أقوى، وتطوير دبلوماسية صارمة، وتوسيع دائرة التأثيرات الاقتصادية والثقافية. ومن خلال استخدام هذه الوسائل الثلاث فإن الرئيس القادم يمكنه أن يؤسس قواعد سلام واقعي دائم وفعال.
إن تحقيق السلام الواقعي يعني الجمع بين الواقعية والمثالية في سياستنا الخارجية. فأميركا دولة تحب السلام وتكره الحرب. ففي قلب كل أميركي إيمان بأن لكل البشر حقوق كفلها الله لهم يجب عدم المساس بها، كما يجب حمايتها من قبل الدولة. كما يؤمن الأميركيون بأنه يمكن تحقيق السلام مع تلك الأمم التي تقر بتلك الحقوق من خلال قوانينها وأعرافها المختلفة.
وعلى العكس من ذلك تلك الأمم التي لا تقر تلك الحقوق فإنه من المتوقع أن ينتشر العنف وتعم الاضطرابات فيها. إن الحفاظ على المثل الأميركية وتوسيعها يجب أن يظل هدف السياسة الأميركية الخارجية والداخلية على السواء. وبدون السعي نحو تحقيق أهدافنا المثالية من خلال الوسائل الواقعية فإن السلام لن يمكن تحقيقه.
وإذا كانت المثالية تحدد لنا أهدافنا النهائية فإن الواقعية يجب أن تساعدنا في التعرف على الطرق التي يجب أن نسلكها لتحقيق تلك الأهداف.
فالعالم أصبح مكاناً خطراً بحيث لا يمكننا أن نتحمل أي أوهام أو تصورات خاطئة عن الأعداء الذين نواجههم. فحرب الإرهاب على الولايات المتحدة الأميركية تم دفعها وتشجيعها بسبب من تلك الأفعال غير الواقعية والمتعارضة الموجهة ضد الإرهاب في الماضي. وفي هذا السياق يمكن القول بأن السلام الواقعي يمكن تحقيقه فقط من خلال القوة.
والسلام الواقعي ليس هو السلام الذي يمكن تحقيقه من خلال اعتناق أفكار السياسة الخارجية الخاصة بالمدرسة «الواقعية». فهذه الأفكار تحدد المصالح الأميركية بشكلٍ بالغ الضيق، كما أنها تتجنب أية محاولات لإصلاح النظام الدولي وفقاً للمصالح الخاصة بنا.
إن الارتكان فقط عند هذا النمط من الواقعية يعني ترك الحلبة لأعدائنا في حرب الأفكار والمعتقدات المعقدة، كما أنه يعني المزيد من التكيف الدبلوماسي مع الدول العدوانية، وهو ما سوف يؤدي لا محالة إلى المبالغة في إظهار الضعف الأميركي والحط من شأن القوة الأميركية في مقابل ذلك.
إن اقتصادنا هو الأقوى في العالم المتقدم، كما أن نظامنا السياسي هو الأكثر استقرارً بدرجة كبيرة مقارنة بتلك الأنظمة الاقتصادية العملاقة البازغة في عالمنا الآن. كما أن الولايات المتحدة تأتي في صدارة أمم العالم من حيث جذبها للمواهب البشرية ولرأس المال.
ورغم ذلك، فإن المدرسة الواقعية تقدم لنا بعض الرؤى القيمة، وبشكلٍ خاص تأكيدها على ضرورة التعامل مع العالم كما هو، وفي الحد من تضخم توقعاتنا لما يمكن أن تحققه السياسة الخارجية الأميركية.
فنحن لا يمكننا أن نحقق السلام من خلال المبالغة في الوعود أو من خلال الانغماس في إطلاق الآمال المغلوطة. فمن الممكن أن يكون العقد القادم حقبة إيجابية بالنسبة لوطننا وللعالم إذا استطاع الرئيس الأميركي القادم أن يحشد جيل الحادي عشر من سبتمبر بشكل واقعي من أجل مواجهة المهمات الجسيمة التي تواجهه.
الحرب الطويلة
إن أول خطوة نحو تحقيق السلام الواقعي تتمثل في ضرورة أن نكون واقعيين بخصوص أعدائنا. فهم يتبعون أيديولوجيا عنيفة، فـ «الفاشية الإسلامية» الراديكالية تستخدم قناع الدين من أجل تدعيم أهداف شمولية.
ومن أجل تدمير النظام الدولي الحالي. وهؤلاء الأعداء ليس لهم هيئة معروفة، كما أنهم لا يرتكنون إلى عتاد عسكري تقليدي، كما أنهم لا يحكمون دولة بعينها، لكنهم يستطيعون أن يختبئوا ويديروا عملياتهم المختلفة بشكلٍ فعلي في أي من هذه الدول التي قد يقوم بعضها بتوفير الدعم اللازم لهم.
والأهم من ذلك، أننا يجب أن ندرك بأن أعداءنا يكتسبون التشجيع والقوة من خلال علامات الضعف المختلفة المرتبطة بنا. فـ «الإرهابيون الإسلاميون» الراديكاليون قد هاجموا مركز التجارة العالمي عام 1993، وأبراج الخبر في العربية السعودية عام 1996.
وسفاراتنا في كينيا وتنزانيا عام 1998، والبارجة كول عام 2000. ولم تكن استجابتنا عند المستوى المطلوب في بعض هذه الحالات، بينما فشلنا في البعض الآخر في الاستجابة بشكلٍ تام. إن انسحابنا من لبنان عام 1983، ومن الصومال عام 1993، قد أقنع هؤلاء الإرهابيين بأن إرادتنا ضعيفة.
إن علينا أن نتعلم من مثل هذه الخبرات المختلفة في حربنا الطويلة القادمة ضد الإرهاب. وفي هذا السياق يمكن القول إن قواتنا سوف تقاتل في العراق وأفغانستان مع قدوم الرئيس الجديد لأميركا، فالهدف من هذه الحرب يجب أن يتمثل في هزيمة الإرهابيين والمتمردين في العراق وأفغانستان.
وأن تصير هذه الدول أعضاء في النظام الدولي بحضور جيد. إننا لا يمكننا التنبؤ بزمان نجاح جهودنا، لكننا يمكننا التنبؤ بالنتائج الوخيمة لفشلنا، فأفغانستان سوف تتحول إلى مأوى آمن للإرهابيين، ولن يبتعد العراق أيضاً عن ذلك المصير، واضعين في الاعتبار الإمكانيات الهائلة التي ينطوي عليها العراق مقارنة بأفغانستان من حيث كبر الحجم والثراء والموقع الاستراتيجي.
وسوف يسقط جزء من العراق في قبضة أعدائنا، وبشكلٍ محدد، في قبضة إيران، التي سوف تستخدم نفوذها من أجل توجيه المزيد من الإرهاب ضد المصالح الأميركية، ومصالح حلفائنا أكثر بكثير مما تفعله اليوم. وسوف يميل ميزان القوة في الشرق الأوسط بشكلٍ أكبر نحو الإرهاب والتطرف والقمع. كما أن النفوذ والهيبة الأميركية سوف يتعرضان للمزيد من الضربات الكارثية، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في كل مكان في العالم.
وسوف يدرك حلفاؤنا لا محالة أننا لا يمكننا الالتزام بتعهداتنا المختلفة نحوهم، كما أن أعداءنا، سواء أكانوا إرهابيين أو دول مارقة، سوف يزدادون جرأة وعنادًا، حيث يجدون المزيد من الفرص لإضعاف النظام الدولي الذي يمثل خط الدفاع الرئيس عن الحضارة الإنسانية. إن فشلنا يعني المزيد من الحروب في ظل ظروف أكثر صعوبة وأكثر خطورة.
ويتحدد هدفنا هنا في أن نرى بزوغ حكومات ومجتمعات راسخة ومستقرة في كل من العراق وأفغانستان يمكنهم القيام، كحلفاء لنا، بدور فعال في الحرب ضد الإرهابيين، وليس كحاضنات للأنشطة الإرهابية المتزايدة.
إن النجاح في كل من العراق وأفغانستان ضروري لكنه ليس كافي، ففي التحليل الأخير فإن كل من العراق وأفغانستان مجرد دولتين فقط ضمن العالم الأوسع في الحرب القائمة ضد الإرهاب. ويجب على الولايات المتحدة ألا يهدأ لها بال حتى تقضي على تنظيم القاعدة وعلى قادته، كما يجب ألا تستريح أيضاً حتى تهزم الحركة الإرهابية الكونية وأيديولوجيتها.
إن جانباً كبيراً من هذه الحرب ضد الإرهاب سوف يكون خفياً، حيث يشتمل على أجهزة المخابرات المختلفة، والجماعات شبه العسكرية، وقوات العمليات الخاصة. كما أن هذه الحرب تتطلب أيضاً علاقات حميمية مع الحكومات والقوى المحلية الأخرى.
ويجب على الرئيس الأميركي القادم أن يوجه قواتنا المسلحة نحو القيام بمثل هذه العمليات القائمة على التعاون مع الدول الأخرى، ويرجع ذلك لأمرين أولهما أن القوى المحلية يمكنها القيام بأدوارها بشكلٍ جيد في بلادها، وثانيها أن ذلك يخفف العبء عن كاهل القوات الأميركية.
دفاع أقوى
لما يربو على الخمسة عشر عام طالبت السياسات الفعلية لكل من الجمهوريين والديمقراطيين القوات العسكرية الأميركية بالقيام بأدوار أكثر مع تقليل الميزانية الخاصة بالجيش بشكلٍ متزايد.
إن الفكرة الرئيسة المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب الباردة والخاصة «باقتسام نتائج السلم» كانت خطأ كبيراً، فقد كانت نتاجاً للآمال العريضة وليس تعبيراً عن الواقعية الحقيقية.
ونتيجة لذلك فقد أضحت قواتنا العسكرية ضئيلة الحجم إلى حد كبير لمواجهة التزاماتها الحالية، أو لمواجهة أية أعباء ترتبط بالتحديات الإضافية الفجائية. ويجب علينا أن نعيد بناء قواتنا المسلحة بما يمكنها من مواجهة أية عدوان ومواجهة التحديات الحالية والمستقبلية العديدة والمتنوعة التي قد تنشأ في أي مكان.
ويحتاج الجيش الأميركي على الأقل إلى عشرة ألوية مقاتلة، وربما يحتاج إلى أكثر من ذلك، لكن هذا العدد يمثل أساساً مناسباً الآن في ظل إعادة تقييم استراتيجيتنا ومصادرنا العسكرية. ويجب أيضاً أن نعيد النظر في المتطلبات العسكرية الأخرى، وبشكلٍ خاص بالنظر للغواصات.
والقنابل الحديثة بعيدة المدى، والطائرات التي تقوم بعمليات التموين بالوقود. إن إعادة بناء قواتنا المسلحة سوف تكون مكلفة، لكنها ضرورية، وفي هذه الحالة فإن المكاسب الناجمة عن ذلك سوف تتجاوز هذه التكلفة. ويجب على الرئيس الأميركي القادم أن يسعى لبناء نظام صاروخي دفاعي يغطي الولايات المتحدة الأميركية بأكملها.
فأميركا لا تضمن ما يقوم به الإرهابيون والدول المارقة من اعتداءات صاروخية مختلفة ضدها. ولا يقف التهديد عند هذا الحد، فمن الممكن أن يحدث هجوم كيماوي، أو بيولوجي، أو إشعاعي، أو ذري على التراب الأميركي. من هنا فإنه من الضروري القيام بكل الجهود الممكنة من أجل تحسين كفاءة أجهزتنا الأمنية والمخابراتية، إضافة إلى تطوير إمكانياتنا التكنولوجية من أجل منع حدوث أي عدوان علينا.
فالأقمار الصناعية التي يمكنها أن تراقب المصانع العسكرية في كل مكان حول العالم، وفي كل وقت، فوق سطح الأرض وفي باطنها، والتي تتكامل مع المصادر المخابراتية الأمنية البشرية المحكمة، يجب أن تصبح جزءاً من ترسانة التسليح الأميركية.
كما يجب توسيع وتقوية برامج وخطط الأمن المختلفة، كما يجب تدعيم الجهود الكونية من أجل وقف شحنات أسلحة الدمار الشامل والمواد المختلفة المرتبطة بتصنيعها. وبشكلٍ خاص، فإننا يجب أن نعمل من أجل منع تطوير أو نقل أو استخدام أسلحة الدمار الشامل.
كما يجب أيضاً أن نطور قدراتنا من أجل منع أي هجوم علينا، بما في ذلك القيام بعمليات استباقية لوقف هذا الهجوم. إضافة إلى ذلك، فإنه من الضروري منع وصول الأسلحة النووية في أيدي الدول المارقة أو الجماعات الإرهابية.
ويجب أن يدرك أعداؤنا أنهم لن يستطيعوا الهرب بدون عقاب بعد قتل مواطنينا. إن منع أي هجوم كيميائي أو بيولوجي أو إشعاعي أو ذري يجب أن يصبح على قائمة أولويات الحكومة الفيدرالية. وفي هذا السياق يجب علينا أن ننشئ أنظمة حماية تكنولوجية وأمنية ذات كفاءة عالية ضد كافة أشكال الاختراقات المختلفة.
إن الانتصار العسكري حيوي لكنه ليس كافيا. إن تحقيق سلام دائم وواقعي لن يمكن تحقيقه إلا من خلال الجمع بين دبلوماسية أكثر فعالية والتكامل الاقتصادي والثقافي، وهو ما يساعد البشر في الشرق الأوسط على أن يدركوا أن لهم مصلحة ونصيب في نجاح النظام الدولي.