يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن محاولات فاشلة قامت بها وكالة المخابرات المركزية الأميركية لاغتيال مجموعة من رؤساء الدول الذين كانت ترى فيهم خطراً على مصالحها في العالم، ومن أبرز هؤلاء الرئيس الاندونيسي أحمد سوكارنو، الذي دعمت واشنطن محاولة انقلابية ضده ولكنها باءت بالفشل وساندت معارضيه في الانتخابات الأولى التي أجريت في البلاد، ورغم الدعم المادي السخي لخصومه، إلا أن حزب سوكارنو فاز فيها أيضاً.
ويذكر المؤلف كذلك محاولة اغتيال فاشلة أخرى خططت لها السي آي إيه واستهدفت الزعيم الكوبي فيديل كاسترو عبر دس السم له في الآيس كريم. غير أن المؤلف يأتي على ذكر حوادث ثلاثة قد تعتبر نجاحاً للمخابرات الأميركية وإن كان الفضل فيها يعود لأطراف غير أميركية
وهي معرفة الأميركيين المسبقة من خلال المخابرات الإسرائيلية بالحرب بين إسرائيل والعرب في يونيو 1967 والحصول على نص خطاب خروتشوف الذي يدين فيه حقبة ستالين ويعد بتغييرات جذرية في السياسات السوفييتية من مصادر إسرائيلية أيضاً. أما الحدث الأخير فهو قتل الثائر تشي جيفارا في جبال بوليفيا على يد قوات رئيسها العميل للأميركيين رينيه بارينتوس.
بغير مقدمات يوضح كتابنا (ص 143) أن المخابرات الأميركية كانت قد «قررت» اغتيال الزعيم الإندونيسي أحمد سوكارنو في ربيع عام 1955. نائب رئيس أميركا في تلك الفترة زار إندونيسيا التي كانت قد فازت باستقلالها بعد مقاومة وطنية ضد المستعمر الهولندي وبعدها عاد نائب رئيس الدولة إلى واشنطن ليؤكد أن سوكارنو يتمتع بنفوذ هائل بين شعبه وأنه رجل لا يعرف الشيوعية من قريب أو بعيد وأنه بلا شك يمكن أن يكون «الكارت» الرئيسي الرابح بالنسبة للولايات المتحدة.
هذه الأوصاف قدمها بالحرف نائب رئيس أميركا الذي لم يكن سوى ريتشارد نيكسون شخصيا. ومع ذلك فلم تكن أحكامه أو أوصافه تلك لتقنع مسؤولي المخابرات المركزية الذين أصدروا حكمهم بإعدام الزعيم الإندونيسي لأنه أعلن أنه ليس طرفا في الحرب الباردة بين أميركا وروسيا وأنه بذلك طرف محايد، وما كان لواشنطن ولا مخابراتها لتقبل وجود محايدين
ولا تطيق وصف الحياد لدرجة أن وزير خارجيتها دالاس وصف سياسة الحياد، الإيجابي وقتها بأنه «موقف، غير أخلاقي»! وكان هذا حكمهم بالطبع على زعامات من قبيل سوكارنو في إندونيسيا، نهرو في الهند، عبد الناصر في العالم العربي، وتيتو في يوغوسلافيا.
البحث عن قاتل
بالنسبة لإندونيسيا ينقل المؤلف عن ريتشارد بيسيل، أحد مسؤولي العمليات السرية في المخابرات المركزية قوله: كنا قد خططنا لإمكانية تنفيذ هذه العملية، وتقدمت مراحل التخطيط إلى درجة تحديد محور الارتكاز أي القاتل المكلف بالاغتيال. لكن بصراحة لم تصل الخطة إلى منتهاها، ولا تحولت إلى طور التنفيذ. وتمثلت الصعوبة في محاولة إيجاد الظروف التي تجعل الهدف (رئيس الدولة الإندونيسية) في متناول عميلنا المنشود.
ثم يعلق المؤلف قائلا: وفيما كانت الوكالة توازن احتمالات الاغتيال، كان سوكارنو قد عقد مؤتمره الدولي في باندونغ ليضم 29 من زعماء آسيا وافريقيا والعالم العربي. ويومها اقترح الزعماء إنشاء حركة عدم الانحياز ـ كي يشقوا طريقهم مستقلين في ذلك عن كل من موسكو وواشنطن. وبعد 19 يوما من انعقاد مؤتمر باندونغ تلقت الوكالة المركزية أمرا جديداً من البيت الأبيض بشأن عمليات سرية يحمل شعار وخاتم مجلس الأمن القومي ورقم 5518 ولم يتم الكشف عنه سوى في عام 2003.
هذا الأمر كان يأذن لوكالة المخابرات بأن تستخدم جميع وسائل العمل السري الممكنة، بما في ذلك رشوة الناخبين والسياسيين والعناصر الفعّالة في إندونيسيا من أجل كسب الأصدقاء وتدمير الأعضاء المحتملين وتشجيع وجود قوى شبه عسكرية، حيث يتمثل الهدف أساسا في إبقاء إندونيسيا بعيدة عن خط اليسار (العقائدي).
وبمقتضى هذا الأمر ـ يوضّح المؤلف أيضا ـ ضخت المخابرات الأميركية مبلغ مليون دولار (وهو جسيم بأسعار 50 سنة مضت) في خزائن أو جيوب أقوى خصوم سوكارنو وهو حزب ماسجومي لكي ترجح كفة الحزب المنافس في أول انتخابات شهدتها إندونيسيا بعد الاستقلال، وطبعا فشلت العملية
وفاز حزب سوكارنو وجاء حزب ماسجومي في المركز الثاني فيما جاء في المركز الرابع الحزب الشيوعي الإندونيسي. وكان أن ارتاعت واشنطن إزاء هذه النتائج (إندونيسيا دولة نفطية أولا وزعامتها قادرة على المبادرة ثانيا وكانت في تلك الفترة تمثل خامس بلدان العالم من حيث السكان ثالثا وكانت الخشية وقتها أن تشكل نموذجا يحتذى به للبلدان الآسيوية حديثة الاستقلال رابعا، الخ).
فما بالنا عندما أعلن أن سوكارنو سيزور في عام 1956 كلا من موسكو وبكين ثم واشنطن. وما بالنا أيضا عندما تعمد المخابرات الأميركية إلى تعيين فال جوديل مديرا لمحطتها الاستخبارية في العاصمة جاكارتا: مليونيرا حقق ثروته الطائلة من تجارة المطاط (وهي تجارة لها جذور استعمارية بالدرجة الأولى)
بل كان رجلا كما يصفه المؤلف (ص 143) يصدر عن موقف استعماري عنيد. لهذا توالت برقياته الساخنة اللاهثة من جاكارتا التي بلغت خطورتها لدرجة أن كان المدير العتيد ألين دالاس يحملها معه إلى الاجتماعات الرئاسية بالبيت الأبيض، إذ تضم سطورها عبارات من قبيل: الموقف بالغ الخطورة، سوكارنو يعتنق الشيوعية سرا، أرسلوا أسلحة،. ضباط الجيش المتمردون في سومطرة هم مفتاح مستقبل البلاد، أهل سومطرة على استعداد للقتال، ولكنهم يفتقرون إلى السلاح، الخ.
الخطر الأحمر
بدلا من التقييمات الموضوعية ـ على البارد، كما يقول المصطلح السياسي ـ لمثل هذه البرقيات المندلعة التهابا وتحريضا ـ ظلت واشنطن ومسؤولوها في حال أقرب إلى التشنج إزاء حكاية الخطر الشيوعي في تلك الأصقاع الآسيوية. وعندما حل عام 1957 أعلن كبار مسؤوليها أن سوكارنو وصل إلى نقطة اللاعودة، وأنه سيباشر لعبة الشيوعية في بلاده وإقليمها،
ولابد من استخدام الجيش وتعبئة عناصره لصد هذا الخطر الأحمر. وفي يوم 25 سبتمبر من ذلك العام أصدر الرئيس أيزنهاور أوامره إلى الوكالة المركزية بالإطاحة بحكومة إندونيسيا، وحشدت الوكالة قواها وإمكاناتها وأموالها وأسلحتها وعملاءها، وما ان جاء يوم 25 أبريل عام 1958 حتى أعلنت جاكارتا فشل عملية الإطاحة بالزعيم أحمد سوكارنو في إندونيسيا
ولم يجد مدير الوكالة ألين دالاس بُدّاً من إبلاغ الرئيس أيزنهاور بما يلي (ص 151): انهارت العملية، وبدا أن قوات المتمردين لم تكن على استعداد ولا رغبة في القتال. بل أصبح قادتهم عاجزين عن تزويد جنودهم بأي فكرة تبرر لهم لماذا يحاربون، كانت حربا غريبة للغاية يا سيادة الرئيس.
وكالة القضايا الخاسرة
هنا يصدر المؤلف حكمه على مجمل تصرفات الوكالة المركزية التي يكاد يوقف طروحات كتابه على ترصّد وانتقاد عملياتها، وهذا الحكم يسجله على صفحة 170 من الكتاب في كلمتين ليس إلا: القضايا الخاسرة.
إنها العبارة التي عمد مؤلفنا إلى اختيارها عنوانا للباب الثالث من كتابه ويتعلق هذا الجزء بحالة وأنشطة المخابرات المركزية في ظل وجود الحزب الديمقراطي في الرئاسة الأولى بالبيت الأبيض، وهو بذلك ينقلنا إلى عقد الستينات من القرن العشرين الذي بدأ برئاسة جون كينيدي وانتهى برئاسة ليندون جونسون.
كان العدو اللدود هذه المرة زعيما شابا من منطقة الكاريبي ينتمي إلى قارة أميركا اللاتينية ذات الثقافة الأسبانية، اسمه فيديل كاسترو، أطاح في كوبا برئيسها السابق باتستا الذي كان عميلا للولايات المتحدة وبعدها تحقق ما ظلت تخشاه القيادات الأميركية وهو رفع أعلام الشيوعية الحمراء، لا على بقاع في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى كما كانوا يخشون، ولكن على مناطق الجوار المتاخمة للسواحل الجنوبية للولايات المتحدة نفسها.
اغتيال بالآيس كريم
يومها طرحوا على الرئيس كينيدي مخططا لاغتيال فيديل كاسترو، ومن ثم غزو كوبا لاستعادة النفوذ الأميركي السابق بدلا من النفوذ الشيوعي الناشئ أو الوليد. ومن عجب ـ كما يوضح المؤلف ـ أن الخريطة التي استندوا إليها في تخطيط الغزو المحتمل كانت «حديثة جدا» إذ يرجع تاريخها إلى عام 1895(!).
والأعجب أن مسؤولي المخابرات المركزية لم يتورعوا عن استخدام عملاء من عصابات المافيا الإجرامية المعروفة لتنفيذ مخطط اغتيال كاسترو في كوبا بالسم. في هذا السياق يحدثنا مؤلف الكتاب على صفحة 173 وما بعدها: مسؤولو العمليات السرية للوكالة المركزية سلموا الحبوب السامة إلى واحد من أهم عملائهم الكوبيين واسمه توني فارونا الذي وصفه أحد مسؤولي الوكالة بأنه «وغد ولص ومحتال»
وكان طبيعيا أن يصاحب حبوب السم تسليم آلاف من الدولارات للعميل الكوبي الذي بادر لفوره إلى تسليم قارورة السم لعامل من عمال المطاعم في العاصمة الكوبية هافانا. وتقضي الخطة بأن يدبر تسريب هذه الحبوب القاتلة إلى قالب الآيس كريم الذي كان مقدرا أن يتناوله فيديل كاسترو ـ وهي نفس القارورة التي ما لبث أن عثر عليها ضباط الاستخبارات الكوبية مودعة في صندوق للثلج ومتجمدة حتى أعماقها.
والذي حدث بعدها أن دبرت المخابرات المركزية العملية التي اشتهرت في العالم باسم خليج الخنازير من أجل اجتياح كوبا وإسقاط نظام كاسترو. وترجع شهرة العملية إلى أنها حققت فشلا ذريعا ومشهودا دوى في أنحاء العالم في السنة الأولى من عقد الستينات
وما لبث أن وضع رئاسة كينيدي، الرئيس الشاب المثقف في مأزق حرج للغاية ولدرجة أن يدون غرايتسون لينش الضابط المسؤول عن الأنشطة شبه العسكرية في مذكراته عن تلك الحادثة عبارة يقول فيها (ص 177): لأول مرة ـ خلال سنوات خدمتي السبعة والثلاثين أشعر بالعار.
أما ألين دالاس مدير المخابرات فقد كان ساعة الغزو يلقي خطابا في موقع آخر ـ وكانت مغادرته مكتبه في إدارة الوكالة جزء من عملية التغطية والتمويه، ولكن سلوكه بعد الفشل بدا وكأنه أقرب إلى سلوك قبطان يهرب من سفينته الغارقة.
وهنا يحكي روبرت كينيدي شقيق الرئيس أن دالاس جاء بعد عودته مصفر الوجه إلى درجة الموت وكان قد دفن وجهه بين يديه المرتعشتين ـ وكان طبيعيا ألا تمضي بضعة أشهر إلا ويستقيل أشهر مديري المخابرات المركزية من منصبه الخطير. كان ذلك في سبتمبر عام 1961.
وجاءت استقالته فيما كان العمال يضعون اللمسات الأخيرة على مقر الوكالة البالغ الأناقة في لانجلي من ضواحي العاصمة واشنطن، البناية الفارهة التي ظل دالاس يقاتل على مدار سنوات من أجل تشييدها عند غابات فرجينيا على الضفة الغربية لنهر البوتوماك، وكان قد أمر بحفر لافتة يطالعها الزائرون عند مدخل المبنى تحمل عبارة من إنجيل يوحنا تقول: تعرفون الحق.. والحق يحرركم.
وفي نفس الموقع، يلمح الزائر ميدالية تحمل صورة ألين دالاس شخصيا وتحتها عبارة باللغة اللاتينية تقول: إن أردت أن تذكُره، فانظر من حولك. بعدها يتذكر المدير الجديد للوكالة «جون ماكون» مدى المعاناة التي لمسها بعد توليه منصبه حيث كانت المعنويات في حال من التشتت والانخفاض، ومن ثم كانت مشكلته الأولى كما يقول (ص 180) هي: محاولة إعادة بناء الثقة.
قاموس الجرائم الأميركية
في الأسابيع الأخيرة من حياة كينيدي عقد الرئيس الأميركي اجتماعا يوم 15 أغسطس 1963 في البيت الأبيض مع ماكون مدير الوكالة الجديد حيث سلمه المدير تقريرا فائق الخطورة والسرية يحمل العنوان التالي: العمليات السرية الجارية حاليا بواسطة وكالة المخابرات المركزية في بقاع شتى من العالم.
هذه الوثيقة وصفها ماكون أمام الرئيس بقوله: إنها تحوي معلومات غاية في السرية بشأن جميع الحيل القذرة التي نتبعها. ساعتها ضحك ماكجورج بندي مستشار الرئيس قائلا: إذن فنحن أمام مجموعة رائعة أو معجم حافل بالجرائم التي نرتكبها.
ومن جانبه يوضح المؤلف للقارئ أنها كانت مجموعة حافلة أو كانت قاموسا شاملا بحق، إذ احتوت على عمليات سرية وتخريبية تشمل عددا كبيرا من أقطار العالم هي على وجه الحصر: فيتنام، لاوس، تايلاند، إيران، باكستان، بوليفيا، كولومبيا، الدومينيكان، الإكوادور، غواتيمالا ثم فنزويلا.
صديق إسرائيل داخل الوكالة
ويحدثنا المؤلف عن جيمس انغلتون الذي تولى أخطر إدارة وهي المسؤولة عن مكافحة التجسس ضمن الوكالة المركزية على مدار 20 عاما كاملة. كان رجلا تقمصته فكرة المؤامرة الشيوعية ـ التي تحاك من أروقة الكرملين في موسكو من أجل تدمير أميركا، وكان مفرطا في احتساء الكحول لدرجة تفك عقدة لسانه فإذا به يطلقه تعليقا على العمليات السرية ولتوجيه ما شاء من انتقادات بحق الزملاء.
وكان أيضا من غلاة المؤيدين لإسرائيل، وربما لم يكن السبب عقائديا ولا إمبرياليا أو سياسيا بقدر ما كان إعجابا بمهارة عملاء إسرائيل وجواسيسها في، موسكو ـ الخمسينات، هؤلاء الذين كانوا متغلغلين بين صفوف وكوادر الحزب الشيوعي السوفييتي واستطاعوا من ثم أن يحصلوا على نسخة من الخطاب الخطير الذي ألقاه خروتشوف في المؤتمر العشرين السري للحزب الروسي منددا فيه بحقبة ستالين
ثم واعدا أو متوعدا بتغيير جذري في مسار السياسة السوفييتية منذ منتصف الخمسينات. هؤلاء اليهود كانوا أيضا عملاء للمخابرات الأميركية فسلموها نسخة من الخطاب السري وكان ذلك فوزا مبينا للوكالة المركزية في ذلك الزمان بل كان السبب في ارتفاع مكانة انغلتون بين صفوف الوكالة العتيدة.
بعدها باثني عشر عاما عادت إسرائيل لكي تؤدي خدمة أخرى إلى نفس الرجل ليواصل رؤساؤه الثقة في أنشطته وتقديره وكانت المناسبة هي أحداث الخامس من يونيو من عام 1967. وحين يستعرض المؤلف (ص 277) تلك الأحداث يبادر موضوعيا بتسجيل أن الذي وقع كان هجوما (معاديا) على كل من مصر وسوريا والأردن ثم يضيف في هذا في الصدد قائلا: كانت المخابرات الأميركية تتوقع هذا الهجوم.
وكان الإسرائيليون يقولون للبيت الأبيض (في عهد الرئيس جونسون) ولوزارة الخارجية أنهم إزاء خطر محدق وجسيم. لكن مدير المخابرات وقتها ـ ريتشارد هيلمز ـ أبلغ الرئيس جونسون أن المسألة كانت مقامرة محسوبة، مجرد كذبة بيضاء يسوقها الإسرائيليون على أمل أن يفوزوا بدعم أميركي عسكري مباشر.
ومما أثار الارتياح الشديد في نفس جونسون أن هيلمز أبلغه أيضا أن إسرائيل سوف تضرب في الزمان والمكان اللذين تختارهما وأن من المرجح أنها سوف تحقق نصرا سريعا للغاية. وفي مدى أيام قلائل. أما المصدر الموثوق للغاية في هذه المعلومات فكان انغلتون وليس غيره الذي كان قد حصل عليها من أصدقائه عند أعلى مستويات المخابرات الإسرائيلية
ومن ثم قام بإبلاغها مباشرة وبالذات إلى هيلمز رئيس المخابرات. وكانت المعلومات دقيقة لدرجة أن تذكر الحوليات المسجلة رسميا في تاريخ المخابرات المركزية أن الدقة التي اتضح أن هذه التقديرات قد اتسمت بها عززت سمعة هيلمز نفسه بين دوائر رئاسة جونسون في البيت الأبيض. بل كانت سببا في ارتفاع مكانة مدير المخابرات من جهة ومكانة انغلتون مسؤول مكافحة التجسس من جهة أخرى.
وبلغ من سعادة جونسون بهذه الدقة ـ كما يوضح المؤلف ـ أن منح هيلمز مقعدا دائما على مائدة غداء الرئيس يوم الثلاثاء وكانت أفخر مائدة في البلد كلها بقدر ما كانت أعلى مجلس لأركان الحكم فيه حيث يجلس مدير الوكالة جنبا إلى جنب مع حلقات الدائرة السحرية
كما يسميها: وزير الخارجية، وزير الدفاع، رئيس هيئة أركان الحرب (قائد الجيش)، ومن هنا ظلت المخابرات المركزية تحصل على كل ما احتاجته وتطلعت إليه على مدار 18 شهرا من أحداث يونيو 1967 باعتبار أنها حظيت باهتمام رئيس الولايات المتحدة شخصيا، وبطعامه الفاخر أيضا.
مصرع تشي جيفارا
ومن الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، حيث تواصلت مطاردة الثوري الأسطوري تشي جيفارا الذي ساند فيديل كاسترو حتى نجاح الثورة الكوبية ثم سافر إلى افريقيا للقتال إلى جانب حركات التحرر من الاستعمار وأعوانه في القارة السوداء، وبعدها تحول إلى قارته ـ الأم، أميركا اللاتينية حيث تسامعت به أوساط بوليفيا، البلد الصغير في أميركا الجنوبية وحيث دفعت المخابرات الأميركية مليون دولار (بأسعار 1967) من أجل قيام حكومة مستقرة في بوليفيا وموالية للولايات المتحدة وبقيادة رجل بوليفيا القوي الجنرال رينيه بارينتوس.
في أبريل عام 1967 أبلغ الجنرال بارينتوس السفير الأميركي في بلاده بأن ضباطه بدأوا يقتفون أثر جيفارا الذي كان يخترق شعاب الجبال هناك محاولا تفجير ثورة الجماهير ضد ظالميها ومستغليها. وفي 8 أكتوبر 1967 سقط جيفارا في أيدي قوات الدورية المسلحة في جبال بوليفيا، كان مصابا في ساقه،
وكانت أحلامه قد تبخرت كما يقول المؤلف في خلق فيتنام أخرى في أميركا الجنوبية، وحين أبلغوا القيادة العليا في بوليفيا باعتقال الثائر الأسطوري جاءت الأوامر بإعدامه ورد سجّانوه بأنهم أعدموا جيفارا وأن آخر كلماته كانت كالتالي: أبلغوا فيديل كاسترو بأن الثورة سوف تهبّ رياحها من جديد في ربوع الأميركتين.
ثم توجه جيفارا إلى قاتليه قائلا: تذكروا أنكم تقتلون رجلا هو إنسان بالدرجة الأولى. وعندما أبلغوا مقر الوكالة المركزية بمصرع جيفارا دار الحوار بين مسؤولي المخابرات في لانجلي وبوليفيا كالتالي:
ـ هل تستطيعون إرسال بصمات أصابعه؟
ـ نستطيع إرسال الأصابع نفسها!
اختتم المؤلف هذا الفصل من الكتاب بعبارة واحدة: كانوا قد قطعوا بالفعل يدي أرنستو تشي جيفارا.
عرض ومناقشة: محمد الخولي