أجرت صحيفة «إيه بي سي» الاسبانية حوارا، مؤخرا، مع الإعلامي الأميركي بيل كريستول، رئيس تحرير مجلة «ويكلي ستاندارد»، تناول مجمل القضايا الساخنة حول العالم وفي مقدمتها قضية الحرب في العراق، التي أكد بخصوصها أن الولايات المتحدة ارتكبت هناك أخطاء فادحة كثيرة لا يزال الأميركيون يدفعون ثمنها باهظا، بيد أن كريستول تكهن.

مع ذلك، بأن العالم سيشهد وضعا مختلفا في العراق في غضون عام ونصف العام، واعتبر أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الإدارة الأميركية الحالية في بلاد الرافدين يكمن في عدم توفير ما يكفي من القوات العسكرية هناك، كما تطرق الحوار إلى العلاقات بين ضفتي الأطلسي والعمل المشترك في كنف حلف الناتو من وجهتي النظر الأميركية والأوروبية، وأعرب كريستول عن حاجة الولايات المتحدة لوجود أوروبا قوية دائما، فضلا عن قضايا أخرى على غرار موضوع الديمقراطية،التي رأى أن هناك ضرورة قصوى للعمل على نشرها في مختلف البلدان، التي لا تزال ترزح تحت وطأة أنظمة استبدادية. وفيما يلي نص الحوار:

* هل يمكن تقليص الخيارات في العراق إلى حد الإبقاء على الوتيرة الحالية راسخة أو الانسحاب؟

ـ لا. أعتقد أنه بوسعنا تحقيق النجاح هناك. ليس نجاحا رائعا مئة بالمئة. فلقد ارتكبنا أخطاء كثيرة لا نزال ندفع ثمنها حتى الآن. لكن الوضع آخذ بالتحسن على الأرض.

وإذا لم تفقد الولايات المتحدة أعصابها، فإنه بوسع الجنرال بيتراوس تحقيق مستوى معقول من الاستقرار الأمني في العاصمة بغداد والمناطق المحيطة بها. صحيح أنه، حتى الآن، سيكون هناك إرهاب وميليشيات طائفية، إلا أني أعتقد بإمكانية تقليص أحجامها ونشاطاتها إلى مستوى يمكن احتماله. وأعتقد أنه في غضون عام ونصف العام يمكننا أن نشهد وضعا لائقا في العراق.

* ما هو الخطأ الأكبر الذي أرتكب في العراق؟

ـ الخطأ الأكبر تمثل في عدم توفير ما يكفي من القوات هناك بعد سقوط صدام حسين على الفور، الأمر الذي كان من الممكن أن يسمح لنا بفرض الأمن منذ البداية. ومن ثم، فإن الخطأ الأكبر الثاني تمثل في عدم تنفيذ التسويات اللازمة في عام 2004. صحيح أنه جرت انتخابات ناجحة جدا في عام 2006، لكن لم تتوفر الظروف اللازمة لضمان النظام.

* هل تظهر هذه الحرب أن أوروبا والولايات المتحدة لا تتقاسمان الكثير من القيم كما يعتقد البعض؟

ـ بصراحة لا أعلم ذلك. ذلك أننا نقاتل معا في أفغانستان ولدينا سياسة متطابقة بشكل معقول بخصوص إيران ولدينا سياسات متماثلة فيما يتعلق بأوروبا الشرقية، حيث مثلت عملية توسيع حلف الناتو هناك خلال العقد الأخير من الزمن نجاحا باهرا. كما أننا نعمل سويا في الكثير من الشؤون التجارية.

واعتقد أنه لا يمكن المبالغة في المباعدة بين أوروبا والولايات المتحدة. والعراق لا يشكل سوى إحدى الحالات. لكن هناك مناطق أخرى كثيرة من العالم حيث لدينا سياسات متماثلة بشكل معقول. ومع ذلك، فإن العراق هو حالة تظهر الاختلاف. وهنا أعتقد أن كل شيء يتقلص ويصب في خانة ما ذهب إليه روبرت كاغان منذ خمس سنوات مضت، حين قال إن ذلك الاختلاف يتقلص إلى الدرجة التي تريد أوروبا معها الاعتقاد بأننا نعيش في عالم ما بعد النزعة العسكرية وما بعد القومية وما بعد الدينية.

الاتحاد الأوروبي ليس نموذجا لأوروبا فحسب، بل ربما يمكن تصديره بطريقة ما أيضا. والولايات المتحدة لا تعتقد أن ذلك يعبر عن الطبيعة الحقيقية لعالمنا. أعتقد أنه لدينا بعض الجوانب الخلافية حول روسيا. كما كنا لينين جدا مع بوتين. القضية هي أنه إذا كانت هناك بعض الأمم الأوروبية تعيد التفكير في سياساتها وإذا كانت هذه الأمم قد أدركت أن العالم لم يعد كما كان في 1999، فإنها تكون بذلك قادرة على فهم ما يجري.

والإجابة عن هذه التساؤلات يمكن أن تكون إيجابية على ضوء النصر الذي حققه كل من ساركوزي وميركل. هناك رضا ذاتي أقل بكثير في أوروبا حيال مسائل مثل التنوع الثقافي ونهاية التاريخ، مع أنك إذا ألقيت نظرة حول العالم، فإنه لا يبدو لك أن ذلك ما يحدث. لكن من الصعب على البلدان إعادة التفكير في سياساتها.

وربما بسبب ذلك لا تبدو أوروبا مهتمة أن تواجه بصورة هجومية التهديدات التي تعصف بهذه الأنحاء من العالم. بلدان أوروبا مستعدة للاهتمام بأوروبا وبجانب ما من أفغانستان. والدرجة التي انكفأت بها أوروبا باتجاه الداخل تصدمني كمواطن أميركي. صحيح أن العنوان التقليدي العريض يقول إن الأوروبيين عالميون وأن الأميركيين معزولون، لكن الحقيقة هي العكس تماما في يومنا هذا.

* هل لا يزال يعتقد أن الديمقراطية يمكن ويجب أن يروج لها حول العالم؟

ـ بالطبع. صحيح أنه لا يمكن القيام بذلك في جميع الأنحاء وفي الوقت نفسه وصحيح أني لا أعتقد أن الولايات المتحدة حاولت القيام بذلك في جميع الأرجاء بشكل متوازن، لكن السؤال هو: هل بات العالم أكثر أمنا في ظل تزايد عدد البلدان الديمقراطية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل خمسين عاما؟ نعم.

هل تميل البلدان الديمقراطية للذهاب إلى الحرب معا؟ لا. وعلى الرغم من أن هناك حربا أهلية، إلا أني لا أعتقد أن المشكلة في العراق كانت ذات طبيعة ديمقراطية. المشكلة تمثلت في العجز عن تثبيت مستويات أمنية مقبولة حتى الآن. من السهل انتقاد الديمقراطية، لكن ما هو البديل؟ وهل يكمن هذا البديل بتشجيع حاكمك الفردي المفضل؟ هل يعتقد أحد ما أن تلك هي وصفة الاستقرار؟

* لكن ألا يسقط هذا المنطق عندما تفضي نتيجة الترويج للديمقراطية إلى حكومات مثل حكومة هوغو شافيز أو حكومة حركة حماس؟

ـ الديمقراطية تتطلب صون حرية التعبير وانتخابات حرة بشكل حقيقي. فالأمر لا يتعلق بإجراء انتخابات حرة فقط.لكني لا أعتقد أن أحدا يدعم فكرة أن أميركا اللاتينية ستكون في حال أفضل لو كانت فنزويلا وتشيلي والأرجنتين محكومة من قبل مستبدين، حيث لن نشهد مزيدا من السلام أو الاستقرار أو التقدم الاقتصادي. منتقدو الديمقراطية يشيرون إلى هوغو شافيز وحماس ويقولون إن الديمقراطية سيئة. لكن بوسعنا، إذن، أن نختار المكسيك والبرازيل وتشيلي واسبانيا والقول إن الديمقراطية ناجحة.

* هل الولايات المتحدة بحاجة إلى أوروبا ضعيفة مثلما يشكو الكثير من الأوروبيين؟

ـ لا. أنا أفضل أوروبا أقوى، وأعتقد أنه من الصعب علينا مواجهة بعض التحديات التي لدينا الآن في ظل أوروبا ضعيفة إلى جانبنا. وأنا لا يسعدني أن تكون أوروبا ضعيفة إلى هذا الحد. ولا اعلم مدى مقدرتنا على تغيير وجهة نظر الأوروبيين حول دولة الرخاء وكم يريدون الاستثمار في الدفاع. هذا هو العالم الذي نعيش فيه وسنتفاهم مع أوروبا بمقدار ما نستطيع.

في بلدان مثل أفغانستان سنحصل على بعض المساعدة من الأوروبيين وفي أوروبا نفسها سيكون بوسع الأوروبيين القيام بالمزيد في أماكن مثل البلقان. وعند مواجهة تهديدات أخرى لن تكون أوروبا هي البطلة، على الرغم من أنها يمكن أن تكون كذلك من الناحية الاقتصادية. عموما أعتقد أن من السيئ للغرب أن أوروبا اختارت أن تكون ضعيفة إلى هذا الحد.

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «إيه بي سي»