على الرغم من التشاؤم الشديد الذي يتحدث به الكثير من المحللين والمراقبين حيال ما وصلت إليه السياسات الأميركية في ظل إدارتي جورج دبليو بوش، فإن المؤلف، نعوم تشومسكي، يتبنى رؤية مختلفة، فهو بعد أن يحلل آليات عمل السلطة الأميركية وممارستها لسلطات تقترب من تلك التي مارسها الزعيم النازي أدولف هتلر، يتساءل:
ما هي أفضل استجابة إزاء الوضع الراهن؟ وهو لا يتردد في معرض الإجابة عن هذا السؤال في تأكيد ضرورة دعم الإرث الأميركي من الامتياز والحرية ورفض التشاؤم والقبول بالانكسار، وهو لا ينسى في هذا الصدد التأكيد على أفكار جون ديوي الفيلسوف الأميركي الاجتماعي البارز وفي مقدمتها أن الحقوق لا تمنح، وإنما تؤخذ. في شهر مايو2003 تجاوز العالم الذكرى السنوية الأولى لإعلان الرئيس بوش عن النصر في العراق حين قال: «المهمة أنجزت».لقد انطلق الاجتياح وفق مبدأ بوش «الاستراتيجية الإمبراطورية الكبيرة الجديدة»، كما وصفتها مجلة «فورين أفيرز»، والتي أعلنت أن الولايات المتحدة ستهيمن على العالم للمستقبل غير المحدد وتدمر أي تحدّ لتلك الهيمنة.
وإذا أغفلنا ما يجري على الأرض في العراق، فقد يكون من المفيد أن نركز على كيف أدت السياسات وراء الاجتياح والاحتلال إلى جعل العالم أخطر ليس فقط من الإرهاب.
لقد اعترفت وزارة الخارجية الأميركية أن زعمها في شهر إبريل 2004 بأن الإرهاب قد انخفض ـ وهو جوهر حملة بوش الرئاسية ـ كان زائفاً جداً، فالتقرير الجديد يقر بأن «عدد الحوادث وحصيلة الضحايا تزايدا بشكل كبير».
وبالنسبة للمخططين الحكوميين، لم يكن أهم هدف محاربة الإرهاب بل إقامة قواعد عسكرية أميركية في دولة عميلة تعتمد على غيرها في قلب احتياطيات الطاقة الكبيرة في العالم، وبذلك تحقق اليد الطولى على منافسيها.
ويكتب زيغينو بريجنسكي بأن «دور أميركا الأمني في المنطقة»، واضح جداً، وهو أن هيمنتها العسكرية «تعطيها نفوذاً غير مباشر ولكنه نفوذ مهم سياسياً» على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد أيضاً على صادرات الطاقة من المنطقة».
مشكلة الهيمنة
كما يعرف بريجنسكي جيداً فإن المشكلة الجوهرية للهيمنة العالمية الأميركية تتمثل في أن أوروبا وآسيا (وخصوصاً منطقة شرق آسيا الديناميكية)، قد تتحرك لأخذ مسار مستقل، وتصبح السيطرة على الخليج وآسيا الوسطى أكثر أهمية. ويتوقع المحللون أن دوراً هائلاً للخليج في إنتاج الطاقة العالمية سيواصل النمو.
ويشكل الدعم الأميركي البريطاني لتركمانستان وأوزبكستان وديكتاتوريات أخرى في آسيا الوسطى والسعي الحثيث إلى تأمين خطوط الأنأبيب، جزءاً من «اللعبة الكبرى» المتجددة نفسها.
وفي الوقت ذاته، وفي تعليق غربي، يفترض أن هدف الاجتياح كان «رؤية الرئيس» لإقامة الديمقراطية في العراق. وعلى نقيض ذلك، ووفقاً لاستطلاعات غربية في بغداد، افترضت أغلبية كبيرة أن دافع واشنطن للاجتياح كان السيطرة على ثروات العراق وإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفقاً للمصالح الأميركية، وليس أمراً غير مألوف للذين يقفون في الطرف الخاطئ من النادي أن يكون لديهم فهم أوضح للعالم الذي يعيشون فيه.
هناك كثير من الأمثلة بأن واشنطن تعتبر الإرهاب قضية بسيطة بالمقارنة مع ضمان أن يكون الشرق الأوسط تحت سيطرة مناسبة، ففي يونيو 2004، فرضت إدارة بوش عقوبات اقتصادية على سوريا، وطبقت قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونغرس في ديسمبر 2003، وهو في الحقيقة إعلان حرب إلا إذا نفذت سوريا الأوامر الأميركية.
وتظل سوريا على القائمة الأميركية للدول التي ترعى الإرهاب رغم إدراك الحكومة الأميركية أن سوريا لم ترع الإرهاب لسنوات كثيرة، وأنها قدمت معلومات مهمة لواشنطن حول «القاعدة» وحركات متشددة أخرى، كما كتب ستيفن زونز في مجلة «ميدل إيست بوليسي» التي صدرت في ربيع 2004.
ومن هنا فإن الولايات المتحدة ستحرم من مصدر المعلومات لصالح تحقيق الهدف الأكبرـ نظام يقيل المطالب الأميركية الإسرائيلية: ولإيراد واقعة واحدة ذات أهمية واضحة ولكنها دقيقة جداً، فإن وزارة المالية الأميركية تدير «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية»، المكلف بمهمة التحقيق في التحويلات المالية المشبوهة، وهو عنصر مهم في «الحرب على الإرهاب».
ويضم المكتب 120 موظفاً، وفي عام 2004، أعلم المكتب المذكور، الكونغرس أنه مع نهاية 2003 ـ خصص أربعة منهم ـ أربعة فقط، لتعقب أموال أسامة بن لادن وصدام حسين، بينما قام حوالي 24 منهم بتطبيق الحظر على كوبا، فلماذا تخصص وزارة المالية طاقة أكبر جداً ضد كوبا وليس للحرب على الإرهاب؟
إن التحدي الناجح للولايات المتحدة أمر لا يحتمل، وهو يعتبر أولوية أكبر من محاربة الإرهاب.
ولتحقيق الهيمنة، يمكن للعنف أن ينجح لكن بثمن باهظ جداً، ويمكن لهذا العنف أن يثير عنفاً بالمقابل، فالتحريض على العنف ليس المثال الحالي الأكثر شؤماً. ففي فبراير، قامت روسيا بأكبر مناورات عسكرية خلال عقود، وعرضت أسلحة دمار شامل متطورة جداً، وأوضح القادة السياسيون والعسكريون الروس أن هذا الإحياء لسباق التسلح كان رداً مباشراً على تصرفات وبرامج إدارة بوش ـ وخصوصاً نشر أميركا لأسلحة نووية خفيفة، وهي ما تسمى بالأسلحة الخارقة للملاجئ.
وكما يعرف المحللون الإستراتيجيون من الطرفين، فإن هذه الأسلحة تستطيع أن تستهدف الملاجئ المخفية في الجبال التي تتحكم بالترسانات النووية الروسية.
ويمكن أن يتلو ذلك، تأثير تحرك نووي، فالروس والصينيون يردون على الولايات المتحدة ببناء أسلحة استراتيجية، وسوف ترد الهند على تصرفات الصين، وباكستان على الهند، وربما أبعد من ذلك.
وفي الوقت ذاته فإن العراق يشق طريقه نحو ما يسمى بالسيادة، فقد جاء العنوان الرئيسي لمقالة أخيرة لانتون لا نمارديا في «الديلي تلغراف» اللندنية: «تسليم السلطة لا يزال على الطريق». وتذكر الفقرة الأخيرة أن «مسؤولاً بريطانياً رفيع المستوى وصفها بدقة: «ستكون الحكومة العراقية كاملة السيادة لكنها واقعياً لن تمارس كل مهامها السيادية». وقد يوافق اللورد كوردون بهزة رأس حكيمة.
إن الرفض الشديد من قبل العراقيين لقبول الخيال الدستوري التقليدي قد دفع واشنطن إلى الإذعان خطوة خطوة، مع شيء من المساعدة من القوة العظمى الثانية، كما وصف باتريك تايلر من النيويورك تايمز» الرأي العام بعد المظاهرات الضخمة في أواسط فبراير 2003، وهي المرة الأولى التي قامت فيها احتجاجات هائلة ضد حرب لم يتم شنها رسمياً بعد. وهذا يصنع أثراً. ومثال ذلك أنه لو أن مشكلة الفلوجة ظهرت خلال ستينيات القرن الماضي لتم حلها بطائرات بي 52 وعمليات قتل شاملة على الأرض.
واليوم فإن مجتمعاً أكثر تحضراً لن يتساهل إزاء مثل هذه الإجراءات، يوفر على الأقل بعض المساحة للضحايا التقليديين للتصرف ليكسب استقلالاً حقيقياً، ومن الممكن أيضاً أن مثل هذه الدوافع قد تجبر إدارة بوش على التخلي عن طموحاتها الإمبراطورية للعراق.
شبح نيغروبونتي
هنالك حقيقة أخلاقية بديهية يجب ألا تثير الجدل وهي مبدأ الشمولية، حيث يجب علينا أن نطبق على أنفسنا المعايير نفسها التي نطبقها على الآخرين، وفي الحقيقة، معايير أكثر تشدداً.
وعموماً إذا كانت الدول تملك القوة للقيام بذلك بحصانة، فإنها تهزأ بالبديهيات الأخلاقية لأن هذه الدول تضع القوانين وهذا حقنا إذا أعلنا أننا مستثنون من مبدأ الشمولية، مثلما نفعل باستمرار، وكل يوم يحمل معه أمثلة جديدة.
ففي يونيو 2004 على سبيل المثال ذهب جون نيغروبونتي إلى بغداد كسفير أميركا لدى العراق، ليرأس أكبر بعثة دبلوماسية في العالم، بمهمة تسليم السيادة للعراقيين وفاء بمهمة بوش المخلصة لصياغة الديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم، أو هكذا تم إعلامنا.
لكن لا ينبغي لأحد أن يتجاهل السابقة المشؤومة: فقد تعلم نيغروبونتي مهنته كسفير لأميركا لدى هندوراس في ثمانينيات القرن الماضي، خلال المرحلة الريغانية لكثير من شاغلي المراكز في واشنطن عندما تم إعلان الحرب على الإرهاب لأول مرة في أميركا الوسطى والشرق الأوسط.
وفي إبريل 2004 كتبت كارلا آن روبنسن، من صحيفة «وول ستريت جورنال» عن تعيين نيغروبونتي في العراق تحت عنوان «القنصل الروماني الحديث» في هندوراس، فقد كان نيغروبونتي يعرف «بالقنصل الروماني، وهو لقب يعطى للإداريين الأقوياء في الأيام الاستعمارية». ثم ترأس ثاني أكبر سفارة في أميركا اللاتينية، مع أكبر محطة سي آي أيه في العالم في ذلك الوقت، ولم يكن ذلك لأن هندوراس كانت مركز القوة العالمية.
وقالت روبنسن أن نيغروبونتي قد انتقد من قبل نشطاء حقوق الإنسان على «التستر على الانتهاكات التي قام بها الجيش الهندوراسي» - وهي عبارة لطيفة عن إرهاب الدول على نطاق واسع - «لضمان تدفق المساعدات الأميركية»، إلى هذا البلد الحيوي، والذي كان يشكل «القاعدة لحرب الرئيس ريغان السرية ضد حكومة نيكاراغوا الساندينية».
وتم إطلاق الحرب السرية بعد أن تولت الجبهة الساندينية مقاليد السلطة في نيكاراغوا، وكان خوف واشنطن المعلن أن كوبا ثانية يمكن أن تنشأ في هذا البلد من أميركا الوسطى، وفي هندوراس كانت مهمة القنصل الروماني، نيغروبونتي، الإشراف على القواعد التي كان يتم فيها تدريب وتسليح وإرسال جيش المرتزقة الإرهابي للإطاحة بالساندينيين.
وفي عام 1984 ردت نيكاراغوا بطريقة مناسبة لدولة تلتزم بالقوانين بإثارة القضية ضد الولايات المتحدة في محكمة لاهاي الدولية.
وأمرت المحكمة الولايات المتحدة بأن توقف «استخدام القوة غير المشروع» ـ أي الإرهاب الدولي ـ ضد نيكاراغوا ودفع تعويضات كبيرة، لكن واشنطن تجاهلت المحكمة ثم صوتت ضد قرارين لمجلس الأمن الدولي يؤكدان الحكم ويدعوان جميع الدول إلى العمل بالقانون الدولي.
وأوضح أبراهام سفاير، مستشار وزارة الخارجية الأميركية القانوني، ذلك المبرر قائلاً انه طالما أن معظم بلدان العالم لا يمكن «الاعتماد عليها بمشاركتنا في آرائنا، فإن علينا أن نحتفظ لأنفسنا بسلطة التقرير «حول كيفية الرد وحول أية أمور تقع أساساً ضمن النطاق القانوني المحلي للولايات المتحدة، لما تقرره الولايات المتحدة ـ وفي هذه الحالة: العمليات في نيكاراغوا التي أدانتها المحكمة.
إن استهانة واشنطن بقرار المحكمة، وغطرستها مع المجتمع الدولي، ربما تكونان مناسبتين للوضع الحالي في العراق.
موت مجاني
لقد خلفت الحملة في نيكاراغوا ديمقراطية معتمدة على غيرها، بثمن باهظ جداً فقد قدرت الوفيات بين المدنيين بعشرات الآلاف، وهي بالنسبة لعدد السكان «حصيلة أكبر بكثير من عدد الأشخاص الأميركيين الذين قتلوا في الحرب الأهلية الأميركية وكل حروب القرن العشرين مجتمعة» حسبما كتب توماس كروثرز، وهو مؤرخ بارز للدمقرطة في أميركا اللاتينية.
ويكتب كروثرز من منظور شخص مطلع على الأمور وكباحث، بعد أن خدم في وزارة الخارجية في عهد ريغان خلال برامج «تعزيز الديمقراطية» في أميركا الوسطى.
وكانت برامج حقبة ريغان «مخلصة» مع أنها «إخفاق»، وفقاً لكوثرز، لأن واشنطن كانت تتساهل فقط مع أشكال محدودة من الأعلى إلى الأسفل للتغير الديمقراطي الذي لم يجازف بزعزعة البنى التقليدية للقوة التي انحازت لها الولايات المتحدة.
وهذا كابح تاريخي مألوف للسعي وراء تصورات الديمقراطية التي يبدو أن العراقيين استوعبوها حتى وإن لم نختر أحدها.
إن نيكاراغوا في هذه الأيام ثاني أفقر دولة في نصف الكرة (فوق هاييتي، وهو هدف رئيسي آخر للتدخل الأميركي خلال القرن العشرين)، حيث أن 60% من أطفال نيكاراغوا دون سن السنتين مصابون بفقر الدم من سوء التغذية القاسية وهذا مجرد مؤشر كئيب على ما يعتبر نصراً للديمقراطية.
وتدعي إدارة بوش أنها تريد أن تحقق الديمقراطية في العراق، مستخدمة المسؤول الخبير نفسه، كما في أميركا الوسطى.
وخلال جلسات تثبيت نيغروبونتي، لقيت الحملة الإرهابية الدولية في نيكاراغوا ذكراً عابراً لكن يعتبر دون أهمية بعد ذلك حسبما يفترض، إعفاء لأنفسنا من مبدأ الشمولية.
وبعد بضعة أيام من تعيين نيغروبونتي، سحبت هندوراس وحدتها الصغيرة من الجنود من العراق، وربما كان هذا مصادفة، أو ربما يتذكر أبناء هندوراس شيئاً من الأوقات حين كان نيغروبونتي موجوداً هناك والتي نفضل أن ننساها.
وفي فبراير 2005 عين الرئيس الأميركي نيغروبونتي ليكون أول مدير للاستخبارات الوطنية. كان رد الفعل ضئيلاً وحتى لم يكن هنالك أي رد فعل إزاء تعيين أحد قادة الإرهابيين البارزين في مركز لمواجهة قيصر الإرهاب. قد يبدو ذلك منطقياً بالنظر إلى التشابه بين التعريف الرسمي «للإرهاب» و«مواجهة الإرهاب».
ذكريات الفلوجة
إن المبدأ الجوهري لدى مناقشة العلاقات الدولية هو «أننا أخيار» - ونعني بكلمة «نحن» الحكومة، بحسب المبدأ الديكتاتوري الذي يقول الدولة والشعب هما واحد. و«نحن» محبون للخير ونسعى إلى السلام والعدالة رغم احتمال وجود أخطاء في الممارسة. و«نحن» محبطون من الأشرار الذين لا يرتقون إلى مستوانا الرفيع.
إن أحداثاً من قبيل والهجوم الأميركي على الفلوجة والتغييرات في إدارة الرئيس بوش - التعبير المسرحي عن المبدأ المعمول به وعلى المستوى العملي المباشر تصعيد خطر الحرب والإرهاب.
يكتب المحللان الاستراتيجيان جون دي ستينبرونر ونانسي غالافير في عدد صيف 2004 من مجلة «ديدالوس»، وهي مجلة أكاديمية الفنون والعلوم الأميركية بأن سياسات واشنطن العسكرية «تحمل خطراً أساسيا من النهاية الحتمية»، وهما لا يبالغان. ويواصل المؤلفان في التعبير عن الأمل بان يواجه هذا الخطر تحالف من الدول المحبة للسلام بقيادة الصين. لا بد وأن الأمور وصلت إلى مأزق كبير عندما اضطر المعلقان المطلعان إلى الاستنتاج بأن السلام يجب أن يعتمد على الصين. فالنقد الصريح للدولة الأميركية صعب ومرير.
وحتى بعيداً عن التهديدات الحرفية لبقاء الأنواع فإن الإلحاح واضح. ففي العراق ربما توفي أكثر بكثير من مئة ألف مدني كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للاجتياح الذي قادته أميركا في مارس 2003 وفقاً لدراسة في» لانست» ترأسها فريق أبحاث في جامعة هوبكنز.
لقد قللت واشنطن ولندن من شأن الدراسة، ووفقاً لذلك عندما يشار إليها فإن ذلك يكون بأحرف صغيرة ويصبح اسمها «الدراسة المثيرة للجدل».
ناهيك عن أعداد الوفيات أخيراً في الفلوجة. بدأ الاعتداء عندما حاصرت القوات الأميركية والعراقية المستشفى العام في الفلوجة، بعد أن وصفه بعض المسؤولين بأنه «السلاح الدعائي للمسلحين... مع تدفق التقارير عن الإصابات بين المدنيين،» حسبما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. وذكرت قصة أخرى للتايمز أن «المرضى وموظفي المستشفى تم إخراجهم بسرعة من الغرف وأمروا بالجلوس أو الاضطجاع على الأرض بينما قيد الجنود أيديهم خلف ظهورهم».
يعتبر الهجوم على المستشفى انتهاكاً خطيراً لمواثيق جنيف التي تشكل جزءاً من «القانون الأعلى للأرض» والأساس للقانون الإنساني الحديث. وينطوي قانون جرائم الحرب لعام 1996 (وافق عليه كونغرس الجمهوريين) على عقوبة الموت للقادة المسؤولين عن «الانتهاكات الخطيرة» لمواثيق جنيف.
وظهر قانون جرائم الحرب على السطح مع تعيين مستشار البيت الأبيض ألبرتو غونزاليز كمدع عام. وفي يناير 2002، في مذكرة إلى الرئيس حول التدابير الجديدة في «الحرب على الإرهاب»، نصح غونزاليز بوش بالتحايل على مواثيق جنيف ـ حيث بذلك «يقل خطر تهديد التقاضي الجنائي المحلي بشكل أساسي بموجب قانون جرائم الحرب.
إن تجاهل القانون الدولي بمثابة نقطة فخر لجماعة بوش. لقد لخصت كوندوليزا رايس، التي عينها بوش وزيرة للخارجية وجهات نظرها في عدد يناير 2000 من «فورين أفيرز» حيث أدانت «الميل الانعكاسي إلى مفاهيم القانون الدولي وقواعده والاعتقاد بأن دعم العديد من الدول ـ أو حتى أفضل من ذلك، المؤسسات مثل الأمم المتحدة - أمر أساسي لجعل ممارسة القوة أمراً مشروعاً».
بالكاد لدينا فكرة واضحة عما يريد مخططو بوش ولكن يمكننا أن نتوقع اعتماداً على الظروف بما فيها تلك الظروف التي أتاحت وجودنا. ينبغي أن يشتمل ذلك على إيجاد ـ وجزئياً إعادة إيجاد ـ ثقافة ديمقراطية فعالة يدخل من خلالها الجمهور في التخطيط بطريقة هادفة ويمكننا فيها أن نقبل المبادئ الأخلاقية الجوهرية بان نطبق نفس المعايير على أنفسنا، مثلما نطبقها على الآخرين.
الرئاسة الإمبراطورية وتبعاتها
إن ما يجري في الولايات المتحدة ذو أثر هائل على بقية العالم، وبالعكس، والأحداث العالمية تكبح ما يمكن أن تفعله حتى أقوى دولة في العالم، وهي أيضاً تؤثر على المكون الأميركي المحلي «للقوة العظمى الثانية» حسبما وصفت «النيويورك تايمز» الرأي العام العالمي بعد الاحتجاجات الهائلة قبل اجتياح العراق.
وعلى نقيض ذلك، فإن الاحتجاجات الأميركية المهمة احتاجت إلى سنوات حتى تتطور ضد حرب فيتنام، التي تم شنها في عام 1962 وكانت وحشية وهمجية من البداية.
ومنذ ذلك الحين، تغير العالم، وكما هو الحال دائماً تقريباً، ليس بسبب الهدايا من الزعماء المحسنين ولكن من خلال كفاح شعبي ملتزم بشكل عميق وإن كان تطوره جاء متأخراً جداً فإنه في النهاية كان فعالاً.
إن العالم حالياً في وضع مخيف، لكنه أفضل مما كان بالأمس، فيما يتعلق بعدم الرغبة في التسامح إزاء العدوان والذي يميل بطرق كثيرة أخرى إلى اعتباره أمراً مسلماً به، ولا بدّ أن تكون الدروس المستقاة من ذلك التحول واردة بقوة في أذهاننا وليس أمراً مثيراً للدهشة أنه كلما أصبح السكان أكثر تحضراً تصبح أنظمة القوة أكثر تطرفاً في محاولاتها الرامية إلى السيطرة على «الوحش الكبير»، وهي الصفة التي أطلقها الكسندر هاميلتون على الشعب، فالوحش الكبير مخيف فعلاً.
إن فكرة إدارة بوش عن السيادة الرئاسية متطرفة جداً حتى أنها اجتذبت انتقادات لم يسبق لها مثيل من الجهات المحترمة والأكثر اتزاناً ورصانة، ففي عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، تتصرف إدارة بوش كما لو أن المعايير الدستورية والأخرى معلقة، حسبما يكتب سانفورد ليفنسون، أستاذ القانون في جامعة تكساس، في عدد صيف 2006 من مجلة «دايدالوس» ومنطق كل شيء جائز خلال وقت الحرب قد يوصف بأنه «لا يوجد أي معيار ينطبق على الفوضى».
ويشير ليفنسون أن الاستشهاد يجيء من كارل شميت، فيلسوف القانون الألماني البارز خلال الحقبة النازية على انه الوصف البارز فعلاً لإدارة بوش. وكما كانت نصيحة البرتو جونزاليز، مستشار البيت الأبيض والمدعي العام فإن الإدارة قد بينت «نظرة للسلطة الرئاسية قريبة جداً من السلطة التي كان شميت يرغب في إضفائها على الفوهرر» كما يكتب ليفنسون.
ومن النادر أن يسمع المرء مثل هذه الكلمات من قلب المؤسسة ـ فهذه المفاهيم للسلطة الرئاسية الإمبراطورية تشكل سياسات الإدارة، فقد تم تبرير اجتياح العراق في الأساس على أنه تصرف ممّا يسمى الدفاع الاستباقي عن النفس، وقد انتهك الهجوم مبادئ محكمة نورمبرغ.
وهي أساس لميثاق الأمم المتحدة، التي أعلنت أن البدء بتلك الحرب العدوانية يشكل «الجريمة الدولية الكبرى التي لا تختلف عن جرائم الحروب الأخرى إلا في أنها تحتوي بين طياتها على الشر المتراكم»، من هنا جاءت جرائم الحرب في الفلوجة وأبو غريب، وتزايد المجاعة الشديدة بين الأطفال منذ الاجتياح (التي تصل الآن إلى مستوى المجاعة في بوروندي، وأكثر بكثير من المجاعة في هاييتي أو أوغندا) وجميع بقية المجازر.
في ربيع عام 2006، بعد أن قيل أن محامي وزارة العدل الأميركية حاولوا إظهار أن الرئيس يمكن أن يجيز التعذيب، قال عميد كلية الحقوق في يال، هارولد كو، لصحيفة «الفاينانشال تايمز«: «إن الفكرة بأن الرئيس يملك الصلاحية الدستورية للسماح بالتعذيب أشبه ما تكون بالقول أنه يملك الصلاحية الدستورية لارتكاب الإبادة الجماعية.«ولا بدّ أن مستشاري الرئيس القانونيين والمدعي العام الجديد، يواجهون صعوبة بسيطة في القول أن الرئيس يملك فعلاً ذلك الحق - إذا سمحت القوة العظمى الثانية له بممارسته.
وتسعى الإدارة جاهدة للوصول إلى طريقة لتحرير كبار مسؤوليها من المحاسبة. ومن المؤكد أن المبدأ المقدس لتقرير المصير ينطبق على محاكمة صدام حسين، فعندما يتأسى بوش ورئيس الوزراء توني بلير وشخصيات أخرى في الحكومة إزاء جرائم صدام حسين المرعبة فإنهم دائماَ يحذفون الكلمات «بمساعدتنا لأننا لم نكترث».
قال شريف بسيوني، أستاذ الحقوق في جامعة دي بول، وخبير في النظام القانوني العراقي، قال لصحيفة «لوموند دبلوماتيك» في يناير 2004: «يتم بذل كل الجهود لتشكيل محكمة تبدو مستقلة، لكن يضمن مديروها الأميركيون السيطرة عليها، ليتجنبوا التساؤل حول دور الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى الذين ساندوا النظام في السابق، وهذا يبدو أشبه ما يكون بانتقام المنتصر».
ولا نكاد أن نكون بحاجة إلى إخبارنا بهذا.
هكذا تكلم ديوي
ما هي أفضل استجابة إزاء الوضع الراهن؟ إننا في الولايات المتحدة نحظى بإرث من الامتياز والحرية العظيمين، بالمعايير المقارنة والتاريخية بشكل ملحوظ، ويمكن لنا أن نتفادى ذلك الإرث، ونأخذ بالطريق السهلة الحافلة بالتشاؤم: كل شيء ميؤوس منه، لذلك سوف استسلم.
أو يمكننا أن نستغل ذلك الإرث لتعزيز ثقافة الديمقراطية يلعب فيها الجمهور دوراً في تقرير السياسات، ليس فقط في عالم السياسة ولكن أيضاً في الساحة الاقتصادية المهمة.
وهذه بالكاد أفكار راديكالية، فقد تم الإفصاح عنها، مثلاً من قبل جون ديوي، الفيلسوف الاجتماعي الأميركي البارز في القرن العشرين، والذي أشار إلى أنه إلى أن يتم استبدال «الإقطاعية الاقتصادية» «بالديمقراطية الصناعية» فإن السياسة ستبقى «ظلال الشركات الكبيرة على المجتمع».
كان ديوي يأخذ العبرة من تقليد طويل للفكر والعمل الذي تطور بصورة مستقلة في ثقافة الطبقة العاملة من أصول الثورة الصناعية الأميركية قرب بوسطن. وتظل مثل هذه الأفكار تحت السطح ويمكن أن تصبح جزءاً حياً من مجتمعاتنا وثقافتنا ومؤسساتنا، ولكن كما هو حال الانتصارات الأخرى للعدالة والحرية عبر القرون فلن يحدث أي شيء بنفسه، وأحد أوضح دروس التاريخ، بما فيه التاريخ الحديث يتمثل في أن الحقوق لا تمنح، ولكن تؤخذ.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني