أجرت صحيفة «فرانكفورتر روندشاو» الألمانية، مؤخرا، حوارا مع مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية تناول فيه ما آل إليه الوضع الفلسطيني إثر سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وتداعيات هذا الحدث على الساحة الفلسطينية عموما وعلى العلاقة بين القوى الفلسطينية الرئيسية على وجه الخصوص. وتحدث البرغوثي كذلك عن سبل الخروج من المأزق مشدداً على أن الديمقراطية ممثلة في الانتخابات هي السبيل الأمثل لتحقيق ذلك. وفيما يلي نص الحوار:

* أناس كثيرون يتساءلون حول الأسباب التي جعلتكم تبدون عدم رغبتكم بالمشاركة في حكومة الطوارئ. هل كانت تلك رغبتكم حقا؟

ـ لقد رفضت العرض وأنا ممتن. فنحن لسنا ضد حكومة الطوارئ التي أنشأها عباس، فهو يملك الحق بإعلان حالة الطوارئ وحل حكومة الوحدة الوطنية بعد الأحداث التي وقعت في غزة. والمشكلة الحقيقية هي أنه إثر اتفاق شرعي عسير تم التوصل إليه لم تتمكن حكومة الائتلاف من أن تدوم سوى شهر واحد فقط. وذلك لأنه كان هناك حاجة لإجماع في المجلس التشريعي على الأقل حتى تتمكن هذه الحكومة من الاستمرار في ممارسة عملها على أرض الواقع.

* هل يمكن الاعتماد حقا على هذه الجوانب القانونية إثر انقلاب حماس؟

ـ نعم، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك فإن ما يتعرض للتدمير هو الديمقراطية الفلسطينية. والمساعدة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الانتخابات. ربما كان بمقدور حكومة انتقالية طارئة أن تؤدي الغرض، لكن من أجل إعداد ذلك الطريق فقط. وفهم الشعب الفلسطيني وممثليه في غزة مطلق في هذا الجانب، بحيث تعتبر الانتخابات أمرا ممكنا تماما في كلا المنطقتين.

* هل يمكن تخيل حملة انتخابية منصفة إثر الصراع الدامي بين حركتي فتح وحماس؟

ـ لا يمكن تخيل ذلك الآن بالذات. لكن الانتخابات هي المخرج الوحيد للشروع مجددا بالمفاوضات السياسية بين غزة والضفة الغربية، وأنا أتحدث عن انتخابات كفكرة. إلى أين ستقودنا حالة حتى عدم امتلاك ذلك الأمل؟ هل ستقودنا إلى جزء ثان أبدي؟ لست أدري.

* ألا يمكن أن يكون لدى إسرائيل شيء ضد ما تطرحونه؟

ـ من الممكن، لكن نحن نحتاج إلى حل يحول دون أن تتحول فلسطين إلى أرض معركة لحروب إقليمية ودولية. وذلك هو الخطر الحقيقي الذي يهدد غزة الآن بالذات.

* الغرب لا يطرح سوى مساعدة غزة على نطاق ضيق وضمن ما هو طارئ وضروري فقط، لكن ربما سيكون من الممكن إعطاء الضفة الغربية المزيد من الأموال. هل يستطيع عباس تحقيق ذلك؟

ـ هذا مفهوم مخيف. فالأمر يتعلق برؤية إنسانية وسياسية مؤقتة. وتحت الحصار الذي يعيشه قطاع غزة لا يمكن أن تكابد حماس، التي ناضلت دائما في سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، بمفردها الصعوبات التي يفرضها الحصار. والشعب لا يفهم كذلك سبب كل تلك المعاناة. أما في الضفة الغربية، فالمشكلة الرئيسية لا تكمن في نقص الأموال وإنما بحالة الحصار وجدار الفصل. لماذا يتعين عليهم تحمل كل ذلك؟ لا. فسكان الضفة الغربية سيكونون سعداء لمدة ثلاثة أشهر لأنهم سيعودون إلى قبض رواتبهم، لكنهم سيفهمون بعد ذلك أن الواقع لم يتغير بالمطلق.

* لقد كنت دائما شخصا ملتزما بفكرة حكومة الوحدة. ما رأيكم بالأعضاء الذين يتنكرون لحماس؟

ـ وجهة نظري بهذا الخصوص هي أن هناك ثلاثة تيارات تتعايش داخل حماس: تيار معتدل، تيار براغماتي وآخر متشدد وخطير. ولقد كان هذا الانقسام الشديد قائما خلال فترة حكومة الوحدة الوطنية. لكن عندما فشلت حكومة الوحدة وأصبحت مكشوفة دوليا شعروا بأن لحظتهم قد أزفت. وأنا لا أرى الأمر على هذا النحو. فلقد ارتكبت عناصر حماس هؤلاء أعمال عنف بلا شك، لكني أعلم أيضا أن حركة فتح لم تكافح بما يكفي للحافظ على حكومة الوحدة. فهي لم تقتنع بأنها خسرت الانتخابات في عام 2006.

* إذن هل تعتبر أن هناك مسؤولية متساوية تتحملها كل من فتح وحماس؟

ـ إن هيكلية الحكم الذاتي الفلسطيني نظام فاسد، ففي جميع الجهات يسعى الجميع إلى مكاسب اقتصادية. وعناصر حماس تصرفوا على هذا الصعيد تماما كما يتصرف عناصر فتح. لكن عناصر حماس بشكل أسوأ في ظل محاباة الأقارب المتواصلة والصفقات بين الأصدقاء.

* هل لا تزال على اتصال بكلا الطرفين؟

ـ نعم، مع فتح وحماس. لأن النقاش الذي نحن مجبرون على الحفاظ عليه يهدف إلى التوصل إلى مصالحة وطنية ناجزة.. ووجهة نظري يمكن أن تكون تلك التي تقول إنه بالحفاظ على الديمقراطية فقط نستطيع إنقاذ الجميع بالتساوي. وبدون ذلك لن يكون هناك قط مجالاً للتلاقي بين غزة والضفة الغربية. والقضية المحزنة أكثر من غيرها هي أن الصراع بين الأشقاء يخلف جراحاً عميقة ومرة.

عن «ربليون»