ينتقل المؤلف بنا هنا إلى ما يصفه بوضوح وجلاء بجذر المقاومة في العراق، مؤكداً أن أخطر عدو لواشنطن في العراق هو سخط المواطنين العاديين، وهو يمضي إلى تشريح أسباب هذا السخط، مؤكداً أن فهم هذه الأسباب هو الطريق إلى الإجابة عن السؤال المؤرق: لماذا يراق المزيد من الدماء في العراق كل يوم؟
وهو ينتقل إلى وضع يده على الجوهر الحقيقي للأشياء، فالهدف الذي يجري التعامي عنه للاحتلال الأميركي للعراق هو إقامة قواعد عسكرية دائمة تحمي الاستنزاف الأميركي للنفط العراقي حتى آخر نقطة فيه. وربما لهذا بالضبط فإن مجلة «بزنس ويك» المعنية بأنشطة الأعمال العالمية تبدي اهتماماً استثنائياً بهذا الكتاب.
وتقول إن تشومسكي يمضي بمنطق لا هوادة فيه ليدعونا إلى الإصغاء للقادة الغربيين وفهم ما يقولونه، وبصفة خاصة فهم يحرصون على حجبه. إن لكل رئيس يحترم نفسه مبدأ يرتبط باسمه، فالمبدأ الجوهري للرئيس بوش الابن هو أن على الولايات المتحدة أن «تخلص العالم من الشر»، كما قال الرئيس بعد الحادي عشر من سبتمبر.
هنالك مسؤولية خاصة وهي شن الحرب على الإرهاب مع اللازمة التي تقول إن أي دولة تؤوي الإرهابيين دولة إرهابية، ويجب معاملتها وفق ذلك.دعونا نسأل سؤالاً صادقاً وبسيطاً: ماذا ستكون العواقب إذا أخذنا المبدأ الأميركي على محمل الجد، وعاملنا الدول التي تؤوي الإرهابيين كدولة إرهابية، وأخضعناها للقصف والاجتياح؟
إن الولايات المتحدة كانت منذ زمن طويل ملاذاً لمجموعة من المارقين الذين تؤهلهم أعمالهم كإرهابيين، والذين يشكل وجودهم المبادئ الأميركية المعلنة. تأملوا في «الكوبيين الخمسة»، وهم الرعايا الكوبيون الذين أدينوا في ميامي في عام 2001، كجزء من حلقة تجسس، ومن المقرر أن ينظر في استئناف الكوبيين الخمسة في وقت لاحق.
وحتى نفهم القضية، التي أدت إلى احتجاجات عالمية، فإن علينا أن ننظر إلى التاريخ القذر للعلاقات الأميركية ـ الكوبية (ناهيك عن قضية الحظر الأميركي المدّمر والذي مضى عليه عقود انتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة التي تجعل أميركا معزولة فعلياً).
تاريخ من المؤامرات
لقد انخرطت الولايات المتحدة في هجمات إرهابية على نطاق كبير وصغير ضد كوبا منذ 1959، بما فيها غزو خليج الخنازير والمؤامرات الغربية لقتل كاسترو، والهجمات الإرهابية ضد كوبا والكوبيين في الخارج، وفي سنوات كيندي، قام روبرت كيندي بتوجيه العمليات حيث كانت أولويته القصوى «جلب إرهابيي الكرة الأرضية» إلى كوبا، وفقاً للمؤرخ آرثر سكليسنجر كاتب سيرته الذاتية ومستشار كيندي.
واستأنفت العمليات الإرهابية بعد أزمة الصورايخ وألغاها ليندون جونسون ثم استأنفت مرة أخرى في ظل نيكسون. وانتهت المشاركة المباشرة للحكومة في الهجمات خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي، على الأقل رسمياً.
وفي عام 1989، منح الرئيس بوش عفواً عن أورلاندو بوسش، وهو واحد من الإرهابيين سيئي الصيت المناهض لكاسترو، واتهم بتدبير تفجير طائرة كوبية في عام 1976، وقد تجاوز بوش وزارة العدل، التي رفضت طلب لجوء لبوسش واختتمت حكمها بالقول: «يتأثر أمن هذا البلد بقدرته على حثّ الدول الموثوقة الأخرى على رفض مساعدة وإيواء الإرهابيين، الذين نصبح هدفاً لهم في كثير من الأحيان».
وإدراكاً بأن الولايات المتحدة ستؤوي إرهابيين مناهضين لكاسترو، تغلغل العملاء الكوبيون في تلك الشبكات، ففي عام 1998 تم إرسال مسؤولين رفيعي المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي، ال(إف بي آي)، إلى هافانا حيث تم إعطاؤهم آلاف الصفحات من الوثائق ومئات الساعات من أشرطة الفيديو من العمليات الإرهابية التي تنظمها خلايا في فلوريدا. وردت ال(إف بي آي) باعتقال الناس الذين وفروا المعلومات بمن فيهم مجموعة تعرف الآن بالكوبيين الخمسة.
وأعقب الاعتقالات ما وصل إلى محاكمة علنية في ميامي وقد أدين الخمسة، ثلاثة بالسجن مدى الحياة (بسبب التجسس، والزعيم جيراردو هيرنانديز، للتآمر للقتل أيضاً). وفي الوقت ذاته، فإن الناس الذين اعتبرتهم ال(إف بي آي) ووزارة العدل إرهابيين خطيرين، يعيشون بسعادة في الولايات المتحدة ويواصلون التخطيط وتنفيذ الجرائم.
إن قائمة المجرمين المقيمين في الولايات المتحدة تضم أيضاً إيمانويل كونستانت، من هاييتي، المعروف باسم توتو، وهو زعيم شبه عسكري سابق من عهد دوفالير، وكونستانت هو مؤسس جبهة إف أر إيه بي إتش (وهي جبهة تعزيز التقدم في هاييتي)، وهي المجموعة شبه العسكرية التي نفذت معظم إرهاب الدولة في أوائل التسعينات في ظل المجلس العسكري الذي أطاح بالرئيس اريستايد. وكان كونستانت يعيش في كوينز، نيويورك.
لقد رفضت الولايات المتحدة طلب هاييتي بتسليم المجرم، والسبب، كما يفترض عموماً، أن كونستانت قد يكشف العلاقات بين واشنطن والمجلس العسكري الذي قتل ما بين 4000 و5000 هاييتي، حيث لعبت قوات كونستانت شبه العسكرية دوراً بارزاً. ويشمل رجال العصابات الذين قادوا الانقلاب في هاييتي زعماء من الجبهة.
وبالنسبة للولايات المتحدة كانت كوبا منذ زمن طويل، الهاجس الرئيسي في نصف الكرة الشمالي، فهناك وثيقة لوزارة الخارجية لعام 1964 تعلن أن فيدل كاسترو تهديد لا يطاق لأنه «يمثل تحدياً ناجحاً للولايات المتحدة، ونقيضاً لسياستنا في المنطقة طول قرن ونصف»، منذ أن أعلن مبدأ مونرو أنه لا يمكن التساهل مع أي تحدٍ للهيمنة الأميركية في المنطقة.
وتشكل فنزويلا حالياً مشكلة مماثلة، حيث تقول مقالة رئيسية نشرت مؤخراً في وول ستريت جورنال «أنشأ فيدل كاسترو متبرعاً رئيسياً ووريثاً لقضية حرف مسار الأجندة الأميركية في أميركا اللاتينية: الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز».
وكما حدث مؤخراً فإن فنزويلا طلبت من الولايات المتحدة تسليم ضابطين عسكريين سابقين يسعيان إلى اللجوء في الولايات المتحدة، وكان الاثنان جزءاً من انقلاب عسكري دعمته إدارة بوش، وفشل الانقلاب أمام غضب عمّ نصف الكرة الأرضية.
وتقيدت الحكومة الفنزويلية بحكم أصدرته المحكمة العليا الفنزويلية بمنع مقاضاة قادة الانقلاب، لكن الضابطين تورطا لاحقاً في تفجير انتحاري، وهربا إلى ميامي. إن الغضب من التحدي متجذر في التاريخ الأميركي. فقد أدان توماس جيفرسون، بمرارة، فرنسا على «موقفها المتحدي» في الاحتفاظ بنيو أورليانز، التي كان يشتهيها، وحذر جيفرسون من أن «تصرف فرنسا يتضارب مع موقفنا، المحب للسلام والساعي إلى الثروة».
ونصح جيفرسون «بأن تحدي فرنسا يتطلب منا أن نقترن بالأسطول البريطاني والأمة البريطانية»، وتراجع عن مواقفه السابقة التي عبرت عن مساهمة فرنسا الكبيرة في تحرير المستعمرات من الحكم البريطاني. وبفضل كفاح التحرير لهاييتي، بلا مساعدة، انتهى تحدي فرنسا لكن في ذلك الوقت كما هي الحال الآن، تظل المبادئ الموجهة مكانها، تقرر الصديق والعدو.
مهما كان مصدرها فإن التفجيرات الرهيبة في مدريد ترددت أصداؤها بقوة وألم عشية الذكرى السنوية الأولى لاجتياح العراق بقيادة الولايات المتحدة، والذي صور على أنه ردة فعل لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وخلال السنة الأولى التي انقضت منذ بدء الحرب على العراق أثبتت توقعات كثير من المحللين صحتها، وخصوصاً عواقب دوامة العنف ضد العنف، وتبدو نتائج أخرى مثيرة للدهشة أيضاً فنظرة إلى الوراء يمكن أن توفر الدليل إلى وقت شهد مذابح أقل وديمقراطية أكثر.
وكانت الحرب بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق قد شنت بإدراك عام بأنها قد تؤدي إلى انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والمخاطر التي اعتبرتها إدارة بوش حسبما يبدو غير مهمة مقارنة باحتمال كسب السيطرة على العراق وترسيخ معيار الحرب «الوقائية» وتعزيز قبضتها على السلطة الداخلية.
ورداً على العسكرة الأميركية المتصاعدة، فقد زادت روسيا بشكل كبير قواتها العسكرية الهجومية، بينما يستجيب آخرون ممن يرون أنفسهم كأهداف محتملة، يستجيبون بالوسائل المتاحة لديهم: الإرهاب، للانتقام أو الردع، وبذل جهود لتطوير أسلحة دمار شامل، كما في برامج متقدمة في إيران وكوريا الشمالية.
وإضافة إلى مدريد، فإن سيل الإرهاب منذ الحادي عشر من سبتمبر، يشمل بغداد وبالي والدار البيضاء، واسطنبول وجاكرتا والقدس وممباسا وموسكو والرياض وعاجلاً أو أجلاً، فإن من المحتمل أن يقترن الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل في الأيدي نفسها، مع عواقب وخيمة.
وقد رفض محللون جادون وجود علاقات بين العراق والقاعدة ولم يتم الوصول إلى دليل موثوق حولها. لكن لا خلاف حالياً بأن العراق قد أصبح وللمرة الأولى «ملاذاً للإرهابيين»، كما قالت جيسيكا ستيرن، وهي متخصصة في الإرهاب في جامعة هارفارد، وذلك في مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» بعد قصف مقر الأمم المتحدة في بغداد في شهر أغسطس 2003.
إن «الحرب الوقائية» عبارة محسنة للعدوان عندما يريد المرء، وكان هذا المبدأ، وليس تطبيقه في العراق، هو الذي آثار الاحتجاجات الضخمة وغير المسبوقة على الاجتياح. وقد أثارت ردة الفعل هذه الموانع أمام لجوء آخر لهذا المبدأ المعلن.
إن تحقيق دافيد كاي، إضافة إلى تقويض المزاعم المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية، قد كشفت مدى هشاشة سيطرة صدام على السلطة في السنوات الأخيرة، وبذلك أضاف التحقيق وزناً إضافياً لرأي الغربيين اللذين عرفا العراق بشكل أفضل ـ وهما منسقا الشؤون الإنسانية التابعان للأمم المتحدة دينيس هاليداي، وهانز فان سبونيك ـ واللذان قالا إنه لولا أن العقوبات استهدفت السكان العراقيين، لأمكن للعراقيين أنفسهم أن يطيحوا بصدام.
وفي إبريل 2003، كما أظهرت الاستطلاعات، فإن الأميركيين كانوا يعتقدون أن الأمم المتحدة، وليست الولايات المتحدة هي التي يجب أن تتحمل المسؤولية الرئيسية إزاء إعادة تعمير العراق، السياسي والاقتصادي، في فترة ما بعد الحرب.
وليس فشل الاحتلال الأميركي للعراق مثيراً للدهشة، في ضوء القوة والموارد الأميركية وإنهاء العقوبات وإزاحة الطاغية والافتقار إلى دعم خارجي كبير للمقاومة. وبسبب هذا الفشل، إلى حدّ ما، تراجعت إدارة بوش وطلبت مساعدة الأمم المتحدة، لكن قضية ما إذا كان العراق سيكون أكثر من دولة عميلة لأميركا، يظل موضع تساؤل.
تقوم واشنطن بإنشاء أكبر بعثة دبلوماسية في العالم في العراق، مع حوالي ثلاثة آلاف موظف، كما أورد روبن رايت في صحيفة «الواشنطن بوست»، وهذا مؤشر واضح إلى أن نقل السيادة سيظل محدوداً، ويتعزز ذلك الاستنتاج بالإصرار الأميركي على الحق في الحفاظ على قواعد عسكرية وقوات في العراق، وبأوامر أميركية بأن الاقتصاد ينبغي أن يظل مفتوحاً للاستحواذ الأجنبي، وهو شرط لا يمكن لأي بلد ذي سيادة أن يقبل به.
إن فقدان السيطرة على الاقتصاد يقلص، بشدة، السيادة السياسية بالطبع، ويقلص أيضاً الاحتمالات أمام التنمية الاقتصادية الصحية، وهو واحد من أوضح الدروس في التاريخ الاقتصادي. لقد أدت بعض المطالب العراقية بالديمقراطية وبما هو أكثر من السيادة الإسمية، إلى تراجع الولايات المتحدة عن جهودها الرامية إلى فرض حكومة يمكن لواشنطن أن تسيطر عليها، وحتى التقدم حول دستور رسمي لا يؤدي إلى نهاية لذلك الصراع المستمر.
في ديسمبر 2003، أظهر استطلاع أجرته بيبا/ شبكات المعرفة أن عامة الأميركيين يقدمون تأييداً ضئيلاً لجهود الحكومة للإبقاء على وجود عسكري ودبلوماسي قوي ودائم في العراق، وفي الولايات المتحدة فإن الهواجس الشعبية حول الحرب والاحتلال، قد تتفق مع الهواجس إزاء عدالة القضية.
إن الناس المحيطين ببوش ملتزمون جداً بالتراجع عن إنجازات الصراع الشعبي خلال القرن الماضي، ويمكن لقائمة قصيرة من الأهداف أن تشمل الرعاية الصحية والأمن الوظيفي والضريبة المضطردة، وتصور حكومة تخدم المصالح الشعبية يتلاشى، فمنذ أن بدأت الحرب في العراق، أصبح العالم أكثر خطورة من قبل، وتمثل الانتخابات الأميركية مفترق طرق: ففي هذا النظام الأميركي للقوة الهائلة فإن فروقاً صغيرة يمكن أن تترجم إلى نتائج كبيرة، ذات أثر بعيد النطاق.
جذور المقاومة
قبل وقت طويل من تجدد القتال في العراق، أدركت تقويمات الاستخبارات الأميركية أن أخطر عدو لواشنطن في العراق قد يكون سخط المواطنين العراقيين العاديين، الكارهين بشكل متزايد للاحتلال العسكري الأميركي، حسبما كتب دوغلاس جيهل ودافيد إي سانجر في صحيفة «نيويورك تايمز».
إن الفشل في فهم جذور تلك الكراهية (ليس فقط المقاومة المسلحة التي تحتل العناوين الرئيسية واللقطات التلفزيونية البارزة) يمكن أن يؤدي فقط إلى المزيد من إراقة الدماء والورطة. وربما لم يكن الصراع العنيف الطويل الأجل، بما فيه المظاهر الصادمة في الفلوجة وأماكن أخرى، ليحدث لو أن الاحتلال بقيادة أميركا كان أقل غطرسة وجهلاً وعجزاً.
فالمحتلون الذين يريدون نقل السيادة الحقيقية، كما يطالب العراقيون، كان يمكن أن يختاروا مساراً مختلفاً. إن إدارة بوش، ضمن عرضها للذرائع لاجتياح العراق، قد اعتنقت تصور ثورة ديمقراطية في كل أنحاء العالم العربي، لكن السبب الأكثر قبولاً للاجتياح يتم التهرب منه بوضوح: إقامة قواعد عسكرية آمنة في دولة عميلة تقع قي قلب مصادر الطاقة الرئيسية في العالم.
إن العراقيين لا يتملصون من هذه القضية المهمة، ففي استطلاع أجراه مركز غالوب في بغداد، سأل عن سبب اجتياح الولايات المتحدة للعراق وقال واحد في المئة من المستجيبين إن السبب كان إقامة الديمقراطية، وقال خمسة في المئة إن السبب هو مساعدة العراقيين، وأخذ معظم الباقي دافع واشنطن بأنه السيطرة على ثروات العراق وإدراج الشرق الأوسط في المصالح الأميركية.
وفي ديسمبر نشر استطلاع آراء آخر في العراق من قبل أكسفورد ريسيرتش انترناشونال وهو أيضاً يكشف الحقائق، فعندما سئلوا ماذا يحتاج العراق في الوقت الحاضر، اختار أكثر من 70 في المئة من العراقيين «الديمقراطية»، واختار 10 في المئة سلطة التحالف المؤقتة، و5 في المئة اختاروا مجلس الحكم العراقي المؤقت، وبكلمة «ديمقراطية» قصد العراقيون «الديمقراطية» وليست السيادة الإسمية التي تخططها إدارة بوش.
وعموماً فإن الناس لا يحملون أي ثقة في القوات الأميركية/ البريطانية (79 في المئة)، و33 في المئة في سلطة التحالف المؤقتة وفقاً للاستطلاع، وكان المفضل لدى البنتاغون، أحمد الجلبي، لا يحظى بأي تأييد. إن الصراع الأميركي العراقي حول السيادة، كان واضحاً جداً في الذكرى السنوية الأولى للاجتياح.
فقد بين بول وولفويتز وطاقمه من البنتاغون أنهم يفضلون وجوداً مستقراً طويلاً للقوات الأميركية هناك، وجيشاً عراقياً ضعيفاً نسبياً كأفضل طريقة لرعاية الديمقراطية، حسبما كتب ستيفان غلين في البوسطن غلوب. وهذه ليست ديمقراطية كما يفهم العراقيون هذه العبارة، أو كما يفهمها الأميركيون في ظل الاحتلال الأجنبي.
ولا يمكن أن يكون هناك أي هدف من الاجتياح في المقام الأول إذا لم يؤد إلى قواعد عسكرية مستقرة في دولة عميلة من النوع التقليدي. ويمكن إشراك الأمم المتحدة لكن واشنطن تطلب منها أن «تتبنى حكومة عراقية مستقبلية تتمتع بسيادة إسمية وشرعية مشكوك فيها، والتي بواسطة احتلالها ستبقى قوات الاحتلال في مكانها»، حسب تعليق لفاينانشال تايمز في يناير.
وعلاوة على قضايا السيطرة العسكرية، فإن العراقيين يدركون أيضاً الإجراءات التي فرضت لتقليص السيادة الاقتصادية بما فيها سلسلة من الأوامر لفتح صناعات وبنوك لاستحواذ أميركي فعال. وليس أمراً مثيراً للدهشة أن الخطط الأميركية أدينت من قبل رجال الأعمال العراقيين الذين قالوا إن هذه الخطط ستدمر صناعتهم المحلية - وفيما يتعلق بالعمال.
فإن الناشط العمالي ديفيد بيكون يقول إن قوات الاحتلال اقتحمت مكاتب النقابات، واعتقلت القادة، وهي تطبق قوانين صدام حسين المناهضة للعمال وتسلم الامتيازات لمصالح أميركية مناهضة للنقابات. لقد سبب السخط العراقي وإخفاقات الاحتلال العسكري تراجع واشنطن بعض الشيء عن الإجراءات الأكثر تطرفاً.
إن الاقتراحات بفتح الاقتصاد أمام الاستحواذ الأجنبي الفعال قد استثنت النفط، حيث يفترض أن هذا كان يمكن أن يكون تصرفاً وقحاً، ومع هذا فإن العراقيين لا يضطرون لقراءة «الوول ستريت جورنال» ليكتشفوا «أن التوصل إلى معرفة صناعة العراق النفطية المدمرة بالتفصيل» وذلك بفضل العقود المجزية التي يوفرها دافعو الضرائب الأميركيون، «أمكن لها في النهاية أن تساعد شركة هاليبرتون على الفوز بمصلحة طاقة رئيسية هناك إضافة إلى شركات متعددة الجنسيات التي تدعمها الدول.
ويظل مهما أن نرى ما إذا كان العراقيون سيتم إجبارهم على قبول السيادة الإسمية التي تعرض عليهم من قبل قوات الاحتلال، وهنالك سؤال آخر أكثر أهمية للغربيين المتميزين: هل سيسمحون لحكوماتهم بأن «ترعى الديمقراطية» لمصلحة القطاعات الضيقة للسلطة التي تخدمها تلك الحكومات، أمام معارضة عراقية قوية؟.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني