استبعد وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند إمكانية اللجوء إلى حل عسكري لإثناء إيران عن السعي لامتلاك قدرات نووية، مؤكداً في الوقت ذاته حتمية انصياع إيران لرغبة المجتمع الدولي. وفي حوار مع صحيفة «فاينانشيال تايمز» مؤخراً، قال الوزير إن حل الدولتين هو السبيل الأمثل للوصول إلى تسوية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي، مشيراً إلى دعم بلاده للرئيس الفلسطيني وحكومة رئيس الوزراء سلام فياض.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ هل ما زلت ترى بريطانيا قوة عظمى؟
ـ إنها دولة عظيمة.
ـ نعم، هل هي قوة عالمية عظمى أو، كما قال أحد رؤساء الوزراء البريطانيين السابقين من قبل، قوة محورية على الصعيد العالمي؟ كيف تصنف القوة البريطانية في العالم؟
ـ لا أود الخوض في لعبة «التوصيفات» وعندما تحدث توني بلير عن بريطانيا بوصفها «قوة محورية» كان يشير إلى نقطة مختلفة تماماً عن كون البلاد قوة عظمى، والوصف الذي قدمه حمل معه مضامين مختلفة. أعتقد أننا لدينا مجموعة فريدة من التحالفات. وأتصور أنه لدينا بعض الأصول الفريدة من نوعها في العالم، وأعتقد أن جزءاً من وظيفتي هي أن أعمل على الاستفادة من هذه الأصول وأن أعمل على بناء عالم أفضل.
ـلقد قلت مؤخراً إنك تعترف تماماً بـ «الدور الحاسم»، على حد وصفك، الذي لعبته حماس في إطلاق سراح الصحافي ألن جونستون. إلى أي حد يمكن اعتبار هذا التصريح تخفيفاً للمطالب التي تشترط «الرباعية» الوفاء بها قبل الدخول مع حماس في أي مفاوضات؟
ـ لقد اخترت كلامي بعناية ولم أقصد أي شيء من ورائه. والأمر ليست له علاقة بمطالب الرباعية التي نحترم قراراتها بشدة وملتزمون بها. فأنا لم أعن أي شيء بما قلته فيما يتعلق بعلاقتنا بحماس.
ـ نحن لم نطلب من الجيش الأيرلندي الاعتراف بحق ايرلندا الشمالية في الوجود، وإنما طالبناه بالاعتراف بحقيقة الوضع في أيرلندا الشمالية وبأن الواقع لا يمكن تغييره بالعنف. لماذا إذاً نطلب من حماس الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بدلاً من الاعتراف بحقيقة وجود إسرائيل بالفعل؟
ـ حسنا. لقد سُئلت هذا السؤال من قبل. دعنا نتعلم من الدروس التي يمر بها العالم من حولنا. ودعنا نكون حريصين على ألا نأخذ ما يحدث في جزء من العالم كنموذج لما يمكن تطبيقه في مكان آخر من الكرة الأرضية. فلكل وضع خلفياته التاريخية المعقدة ومشكلاته المرتبطة به.
أما بشأن «الرباعية»، فإنها تسير بشكل جيد؛ لقد عملنا مع حكومة الوحدة الوطنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت إدارة الحكومة السابقة وعملنا مع هؤلاء الذين أبدوا التزاماً بالسعي وراء إيجاد حل سلمي.
وأتصور أن الطريقة التي تتعامل بها الحكومة البريطانية تجاه الوضع في الشرق الأوسط لها ثلاثة محاور. أما الأول فهو حل الدولتين؛ وهو الحل الذي نعمل على التأكيد على دعمه. لقد مر الآن 40 عاماً على القرار 242. وعلينا أن نظل ملتزمين تجاه هذا القرار.
ثانياً، يتعين علينا دعم جهود صناع السلام وهؤلاء الملتزمين بالعملية السلمية. ثالثاً، ينبغي لنا الدخول في برامج مساعدات اقتصادية وإنسانية، الأمر الذي يتوجب معه على المدى القصير الالتزام ببعض الأولويات التي على رأسها دعم رئيس الوزراء سلام فياض والرئيس محمود عباس في بناء مؤسسات فلسطينية يمكنها تحقيق طموحات جميع طوائف الشعب الفلسطيني.
ـ ألا تعتقد أن الالتزام بمجموعة من القرارات التي لا تنطوي على أي مرونة من جانب الرباعية يعني تعميق هوة الفوضى في الأراضي الفلسطينية؟
ـ الجميع يريد تجنب تعميق الفوضى في الأراضي الفلسطينية، على حد تعبيرك. فكل طرف وكل دولة في المنطقة لديها مصلحة في تجنب مثل تلك الفوضى. ولكن في الوقت نفسه، فإن الرباعية تدعو إلى مستوى معين من الالتزام كي يحدث تقارب في وجهات نظر وجلوس على مائدة المفاوضات، ولذلك فقد ركزت معك على الحديث عن الالتزام بحل الدولتين. أعتقد أنك سئمت من سماع هذا الأمر.
ـ هل يمكننا الانتقال في هذا السياق للحديث عن إيران؟ أعني أن طهران في طريقها بوضوح لامتلاك قدرات نووية. بشكل عام ما هي المقاربة التي ينبغي تبنيها تجاه هذا الوضع؟ هل تعتقد بشكل عام أن الخطوة التالية يجب أن تتمثل في فرض عقوبات؟ أم ترى أن التركيز يجب أن ينصب على الوصول إلى حلول دبلوماسية يمكن من خلالها الوصول إلى تقارب بين إيران والغرب؟
ـ إيران لديها كل الحق في العمل على ضمان أمنها والعمل على أن تكون دولة ثرية. غير أنها لا تملك حق إثارة سباق تسلح في الشرق الأوسط وليس لديها الحق في تقويض استقرار جيرانها. ولذا فأنا أرى أنه يجب تقديم عرض واضح للإيرانيين يتخلله حصولهم على مكاسب كبيرة بالإضافة إلى عقوبات في حال قيامهم بتحدي رغبة المجتمع الدولي.
وأعتقد أن ما أقوله يمثل إجابة على أحد أسئلتك الأولى المتعلقة بطبيعة التحالفات التي نقوم بها. فهي تحالفات متعددة الأطراف قوية وجادة للغاية. وأتصور أن مجلس الأمن أصدر قرارين مهمين للغاية في هذه القضية. وأعتقد أن هذين القرارين بعثا برسالة واضحة للغاية ويضعان خيارات واضحة جداً أمام القيادة الإيرانية.
ـ ولكن على الرغم من حقيقة أن العقوبات قد تمت الموافقة عليها، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا متفقون حيال هذه القضية، وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني يتضرر، إلا أن إيران مستمرة في برنامجها النووي. ويعتقد البعض أن طهران في وقت ما في العام الحالي سيكون عندها 3000 وحدة طرد مركزي. فقد أشار محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى هذا الأمر في أكثر من مناسبة.
ففي حال امتلاك إيران هذا العدد من وحدات الطرد المركزي سيكون لديها ما يكفي من المواد النووية التي تمكنها من صنع قنبلة نووية خلال عام من الآن. ألست قلقاً من أننا قد نحتاج إلى إعادة النظر في سياسة العصا والجزرة خلال تعاملنا الحالي مع إيران في ضوء حقيقة أننا لم نفلح حتى الآن من خلال ما قمنا به من خطوات في إبطاء خطواتهم نحو الحصول على طاقة نووية.
ـ نحن مستعدون للعمل مع شركائنا لمناقشة إصدار قرار ثالث من مجلس الأمن. فنحن نعتقد أنه من المهم للغاية أن يظل المجتمع الدولي متحداً وواضحاً في هذا الشأن وأتصور أن هناك عرضاً واضحاً للغاية قدم للإيرانيين.
ـ كيف ترى مدى ضلوع إيران في الهجمات التي ارتكبت ضد جنود بريطانيين في البصرة؟
ـ أتصور أن وجود أي دليل على تورط إيراني في هذه القضية سيكون أمراً مؤسفاً للغاية. أعتقد أننا بحاجة إلى أن تؤيد أطراف المنطقة الاستقرار في العراق ولا نتوقع منها العمل على إثارة الفرقة والضغينة. وكما قلت في بداية حديثي معك، فإن إيران لديها كل الحق في تعزيز أمنها والعمل على أن تكون دولة ثرية. ولكن ليس لديها حق التحول إلى قوة تبث بذور عدم الاستقرار في المنطقة.
ـ كي نكون واضحين، هل هناك دليل على ضلوع إيران في تلك الهجمات؟
ـ لا، فأنا أختار كلماتي بعناية.
ـ أعلم ذلك. ولكنني الآن أسألك.
ـ حسناً، فكما تعرف فإننا حريصون للغاية بشأن ما نقوله حيال مثل تلك الأشياء.
ـ وماذا عن الحل العسكري؟ هل هناك إمكانية في اللجوء إليه؟
ـ أعتقد أن جميع أطراف المجتمع الدولي تريد حلاً دبلوماسياً غير عسكري في تناول هذه المشكلة.
ـ هل العمل العسكري ممكن؟
ـ نحن نعمل بكل جدية من أجل الوصول إلى حل غير عسكري. لا أعتقد أن هناك جدوى في التفكير فيما هو أبعد من ذلك. إن تفكيرنا وأفعالنا ورؤيتنا في هذا الصدد واضحة كل الوضوح بشأن الطريقة التي نريد تبنيها حيال هذه القضية.
ترجمة: حاتم حسين عن «فاينانشيال تايمز»