يتناول المؤلف في هذه الحلقة الإمبراطورية البريطانية ومرحلة أفولها التي ساعدت في تسريعها الحرب العالمية الأولى التي أنهكت قواها العسكرية واستنزفت جانباً كبيراً من مواردها، هذا بالإضافة إلى تأثير عمليات التمرد والثورات التي قام بها سكان المستعمرات ضد الاستعمار البريطاني، وهو يشير إلى أن بريطانيا ارتكبت أخطاء عديدة ساهمت في تقويض أركان إمبراطوريتها، ولكن الخطأ الأكبر لها كان في فلسطين عندما وعدت بمنحها لكل من اليهود والعرب، مما أدى إلى إثارة مشاعر النقمة عليها من العرب.

والأمر اللافت فيما أشار إليه المؤلف هو أن الإمبراطورية البريطانية لم تتداع وتنتهي من الوجود بسرعة فقد صمدت رغم ذلك حتى منتصف القرن العشرين لأسباب تتعلق بعدم وجود منافس جدي لها ومن خلال إتباع أسلوب الخداع والمراوغة عبر استعراض قوتها العسكرية أمام أي خصم محتمل.ينقسم الباحثون الذين يحللون تاريخ الإمبراطورية بشكل عام إلى فريقين: فريق يرى إمبراطورية إنجلترا بوصفها ديناصوراً استعمارياً ومارداً إمبريالياً إستعمر البلدان واستغل مواردها وسرق إمكاناتها وأنزل بأهاليها سوء العذاب وخاصة حين أفضى به الأمر إلى تشويه ثقافات شعوب تلك الدول ومحاولة محو شخصيتها القومية ومنافسة لغاتها الوطنية ومحاولة تكريس وضع التبعية الذي يجعل هذه الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) مجرد تابع من الدرجة الثانية أو الثالثة لعاصمة الاستعمار ومحور السيطرة والنفوذ ورسم المصائر في لندن.

وهناك فريق آخر يرى الإمبراطورية البريطانية من خلال منظور مخالف تماما، هو منظور إيجابي بمعنى أن امبراطورية الإنجليز كان لها الفضل في نشر الحضارة وفي دفع عجلة التحديث وفي الأخذ بيد الشعوب التي استعمرتها إلى حيث اللحاق بموكب العصر سواء في القرن التاسع عشر أو حتى منتصف القرن العشرين. وبغير هذه الحركة من الكشف الجغرافي ومن الريادة الحضارية لبقيت بقاع شتى في أدغال أفريقيا وأصقاع آسيا بقاعا مظلمة تعيش بعيدا عن روح العصر ولا تكاد تعرف شيئا عن المنجزات والمخترعات التي أبدعها الإنسان.مؤلف كتابنا يعرض لهاتين النظرتين: الأولى ترى الأمبراطورية البريطانية كياناً عنصريا واستغلاليا كثيفا دفعت ثمنه الفادح شعوب وأجيال كثيرة في أنحاء العالم الثالث، والثانية ترى الإمبراطورية نفسها بشيرا بالحضارة وداعية للحداثة وحاملا لشعلة الوعي والتنوير. ومن ناحية أخرى، يؤكد المؤلف بأنه يوجد في كلا الجانبين جوانب صدق وصواب، ولكنه يعترف أيضاً بأن النظرة السلبية الأولى التي تدين امبراطورية بريطانيا هي السائدة خارج حدودها.

فيما تسود النظرة الايجابية داخل حدود المجتمع الانجليزي وبين دوائر الأكاديميين والمثقفين الإنجليز، يشهد على ذلك كتاب البروفيسور نيال فيرغسون الصادر عام 2002 بعنوان «الامبراطورية: كيف صاغت بريطانيا العالم الحديث» والحق أن المسؤول عن صورة الامبراطورية ذات الامتداد الاقليمي الشاسع فوق رقعة العالم وذات القوة الباطشة والغاشمة التي لا يباريها أحد، هم البريطانيون أنفسهم. وقد عمدوا إلى ذلك من أجل الحفاظ على الامبراطورية ذاتها ومن أجل ردع أي حركات للتمرد أو الرفض أو الثورة على الوضع الأمبريالي ضد الإنجليز من جانب شعوب المستعمرات.

كلمة مكروهة

الأمر المثير للعجب هو أن حكام لندن في قصر بكنجهام لم يستخدموا لأنفسهم لفظة امبراطور أو امبراطورية. وكانوا إبان ذروة المجد البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يتعاملون فقط مع جلالة الملكة فكتوريا (1819 - 1091( أما مصطلح الامبراطور.

وهو طبعا مستمد من التاريخ القديم وهو أيضاً يتداخل مع لفظة امبراطورية - فقد كان الانجليز يكرهونه لأنه كان اللقب الذي سبق إلى اتخاذه عدوهم الفرنسي اللدود نابليون بونابرت (1769 - 1281( ثم عاد إلى اتخاذه عاهل فرنسي كان معاصرا للامبراطورية الفكتورية البريطانية هو نابليون الثالث (1808 - 3781( وان كان اللقب مع العاهل الفرنسي الأخير قد أصبح أو كاد يصبح مثارا للهزء والسخرية.

وبحكم هذه العداوة للفرنسيين كان مصطلح «امبراطورية» مبغضاً إلى نفوس الانجليز بقدر ما كان المصطلح مكروها عند الأميركيين خاصة حين استخدمه الرئيس الأسبق ريغان ليصف به - كما ألمحنا من قبل - الاتحاد السوفييتي المنافس وقتها على قيادة العالم بأنه «امبراطورية الشر والظلام».

ومن عوامل كراهية المصطلح أيضاً - كما يوضح المؤلف - عامل أيديولوجي بمعنى أن الانجليز رفضوه لأنه ينافي في رأيهم معنى الحرية وخاصة حرية التجارة التي نادى بها مؤسس المذهب الرأسمالي (آدم سميث) في كتابه الشهير بعنوان «ثروة الأمم» وكان الحكم الامبراطوري عند سميث هو الوجه المقابل لحرية التبادل التجاري بين الأمم الباحثة عن تكوين ثرواتها الوطنية بفضل المشروع الخاص القائم على أساس المبادرة الفردية.

هكذا جاءت النظرة إلى التجارة على أنها طوق النجاة لانتشال العالم من التخلف وتكوين الثروة وتغيير حياة البشر شريطة أن تكون التجارة حرة وأن تنشر آفاقا جديدة وتلتمس موارد لم يلمسها أحد من قبل وبالطبع ترتاد تخوما وأراضي لم تطأها من قبل قدما إنسان.

من هنا يصدق القول بأن التجارة كانت قاطرة النمو في تلك المرحلة التي بدأت منذ أواخر القرن الثامن عشر بقدر ما كانت الدافع الأساسي نحو ارتياد تلك الأراضي البكر واستكشاف تلك الموارد الغنية ومحاولة بسط السيطرة عليها بحثا عن خامات جديدة تستخدمها الرأسمالية التجارية في الغرب الأوروبي في تطوير حياتها وإثراء مواطنيها وتشجيع روح الابتكار ونزعة التجديد وحرفة الاختراع بين ظهرانيها.

ومن ثم التماس أسواق شاسعة وخالية من المنافسة لترويج وتصريف منتوجات هذا النشاط الرأسمالي الغربي الذي شرع مع القرن التاسع عشر يدخل مراحل التصنيع الحديث وخاصة مع اكتشاف طاقة البخار في أوائل ذلك القرن ثم اكتشاف طاقة الكهرباء في أواخره.

وكان بديهيا - كما يوضح مؤلفنا - أن يبحث المستعمرون الانجليز عن ذرائع ومبررات لا يهم أن تكون مزعومة أو حتى كاذبة، ولكن المهم أن تنطلي على من يسمعونها وقد يصدقها البعض وقد يتحمس لها البعض الآخر: هكذا حفلت الأدبيات الانجليزية الصادرة في تلك الفترة بدعوات للخروج من دائرة الجزر البريطانية من أجل «إضاءة مشاعل» التنوير أو من أجل تمدين الشعوب البدائية المتخلفة، وأحيانا المتوحشة (تأمل النغمة العنصرية) وجعلها تذوق ثمار الحضارة الحديثة. وطبعا لم يفتهم أيضاً رفع شعارات التبشير بالديانة المسيحية من أجل هداية الوثنيين وقيادة هذه القطعان البشرية الضالة الهائمة على وجوهها في الغابات والأحراش وفي الصحاري والوديان إلى طريق الدين القويم المستقيم.

هكذا تكلم لفنجستون

هكذا، وبغير مواربة ارتفعت الدعوة التي تبناها المكتشف الجغرافي الشهير ديفيد لفنجستون ولخص في كلماتها الثلاث كل مقاصد هذا التحرك الامبراطوري - الاستعماري في بريطانيا حين قال: «افتحوا أفريقيا أمام ثلاثة: المسيحية والتجارة والحضارة».

وهنا يعلق مؤلف كتابنا قائلاً: هذه العبارات تكشف عن الدوافع الحقيقية الخبيثة التي كانت تصدر عنها بريطانيا حين رفعت شعار «رسالة التمدين».في السياق نفسه يشير المؤلف أيضاً إلى أن هذه الدعوة القديمة ربما تتردد أصداؤها في حياتنا الراهنة من خلال مصطلح ودعوة العولمة التي أصبحت فرضاً مقضيا على أبناء القرن الحادي والعشرين بل ويتردد في جنباتها أيضاً الشعار القديم والأثير عن الامبراطورية البريطانية وهو حرية التجارة بغير حواجز أو قيود.

مع ذلك فقد ظلت الامبراطورية البريطانية تواجه بعقبات على صعيد المناطق التي كانت تسيطر عليها. وكان على رأس هذه العقبات حركات الثورة أو التمرد التي اندلع لهيبها في جنبات الامبراطورية ما بين ثورة الهند في عام 1757 وثورة المستعمرات الأميركية في عام 1776 ثم تمرد جنوب أفريقيا (حرب البوير) في فاتح القرن العشرين.

في غمار هذا كله، سادت التصورات في انجلترا أو اوروبا بشكل عام بأن حركة الاستعمار البريطاني، ومن ثم حركة الامبريالية الأوروبية في عمومها، تشهد غروب شمسها ومراحل أفولها، وهو اتجاه يعبر عنه مؤلف الكتاب في سطور يقول فيها: كان هناك العديد ممن يتصورون أن الامبريالية الاوروبية تلعب في الوقت الضائع أو تعيش في زمن مستعار أو مفترض. كيف لا وقد لاحت أمامها تهديدات من مصادر شتى، ما بين صعود روسيا وأميركا ومن الكيان الإسلامي والصين.

أخطاء بريطانيا في فلسطين

من هنا - كما يوضح المؤلف - نبعت حركة جديدة ربما توصف بأنها نزعة أو حركة ما بعد الكولونيالية وكان معظم همّها يتمثل في تزويق صورة الامبراطورية البريطانية وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى.. انها مرحلة التمرد على سطوة بريطانيا التي يتابعها مؤلف الكتاب ما بين ثورة 1919 في مصر وحركة المهاتما غاندي وتلاميذه لاستقلال الهند منذ عقد العشرينات إلى انتفاضة عيد الفصح في ايرلندا عام 1916..

وبعدها تعين على لندن - الامبراطورية أن تقدّم تنازلات، فكان أن هيأت لمصر شكل الاستقلال السياسي في عام 1922وان ظلت بريطانيا كما يؤكد المؤلف حريصة على أن تبقى قناة السويس تحت سيطرتها وكان أن رتّبت أيضاً ما يوصف بأنه الحكم الوطني في ايرلندا عام 1918.

ان هذه الفترة بالذات هي التي شهدت أسوأ أنماط السلوك الخاطئة من جانب بقايا الامبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغرب عن ممتلكاتها خلال سنوات القرن التاسع عشر.

في هذا الصدد يعرض المؤلف لعثرات سياسة الامبراطورية المذكورة فيسوق المثل مما حدث في فلسطين مع بدايات العقد الثالث من القرن العشرين قائلا: المشكلة في فلسطين نبعت عن حقيقة أن بريطانيا كانت قد وعدت بها بصورة غامضة وملتبسة لجماعتين مختلفتين من البشر في وقت واحد، وكان الهدف تأمين مؤازرة كل مجموعة منهما لبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى وهما: العرب الذين كانوا يعيشون هناك (في فلسطين) واليهود الذين كانوا يعيشون بعيدا عنها ويريدون العودة اليها.

بعدها وصلت أحوال الامبراطورية إلى القاع، وتوالت عمليات الانسحاب العسكري والسياسي عن ممتلكاتها القديمة وأدت ويلات الحرب العالمية الأولى إلى إنهاك قواها المسلحة لدرجة أن تصدر مذكرة مهمة تاريخياً عن هيئة أركان حرب الامبراطورية لتصف الأحوال في عام 1920بالذات وتقول سطورها ما يلي: لسنا أقوياء في أي مسرح للعمليات، لا في ايرلندا ولا في انجلترا ولا في حوض الراين ولا في اسطنبول أو باطوم ولا في مصر أو فلسطين أو العراق ولا في فارس أو الهند.

ومرة أخرى يعاود المؤلف تعليقه قائلاً: هكذا تداعت أركان الامبراطورية التي كانت قد تضخمت، لكن العجيب أنها لم تنفجر وتنتهي. وفي هذا يشير البروفيسور (بول كينيدي) في دراسته الشهيرة عن صعود وسقوط الامبراطوريات إلى أنه بدلا من تحليل أسباب اضمحلال وسقوط الامبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية يجدر بنا أن نتدارس أسباب صمودها واستمرارها حتى ذلك التاريخ.

هذه الاسباب يفسرها مؤلفنا حين يوضح أن بريطانيا لم تصادف منافسين أقوياء (طبعا بعد حملات نابليون) ممن أرادوا أو استطاعوا هدم كيانها الامبراطوري، بل ان المانيا - المنافس الجديد مع العشرينات والثلاثينات لم تكن تشكل خطرا داهما على الامبراطورية.. وحتى عندما استردت المانيا عافيتها تحت قيادة هتلر كانت برلين النازية ترمق الكيان الامبراطوري البريطاني بقدر لا يخفى من الاعجاب (كان هتلر يلمح إلى إعجابه بالطريقة التي كانت تحكم بها بريطانيا مستعمرتها في الهند) .

وكان يتطلع إلى صفقة مقايضة يترك فيها بريطانيا تنعم بالامبراطورية الشاسعة مقابل ان تترك له بريطانيا ان يسيطر على ما يشاء من اصقاع اوروبا. ورغم ان لندن لم تكن بالطبع بعيدة عن مغازلات هتلر، فقد كانت تنعم بهدوء بغير منافس حقيقي طيلة فترة ما بين الحربين (1918 - 8391( حيث كانت فرنسسا مجهدة ومنقسمة على نفسها وكانت روسيا البلشفية قد دخلت في طور البناء الشيوعي الأول لكن اكتنفت هذه العملية فوضى وانقسامات وصراعات داخلية، دموية في كثير من الاحيان.

بل إن الولايات المتحدة التي أطلت بإقتدار على مسرح السياسة الدولية في أواخر الحرب العظمى الأولى ما لبثت أن عادت إلى شرنقة العزلة غربي المحيط الاطلسي. ولدرجة أن واشنطن لم تشارك في عضوية الكيان الدولي الذي سبق ودعا اليه الرئيس ودرو ويلسون وهو عصبة الأمم.

إذن كان العامل الأول في استمرار الامبراطورية البريطانية على قيد الحياة متمثلا في خلو الساحة الدولية في العقود الأولى من القرن العشرين من منافس خطير أو حقيقي يهدد كيان تلك الإمبراطورية.

والطريف أن العامل الثاني كان يتلخص في كلمة واحدة يؤكدها المؤلف وهي: «الخداع» وقد ترادفها معاني من قبيل الكذب المذوق، أو النفخة الكذابة، أجل كانت بريطانيا تحاول إدارة نفوذها الامبراطوري باستعراض قوتها - البحرية بالذات - أمام شعوب المستعمرات:

بوارج تطلق صفيرها في الموانئ، جنود وضباط يختالون بأزياء وشعارات البحرية التابعة لصاحبة الجلالة اللامعة البريق، استعراضات قطع الاسطول التي كانت ترمي إلى بعث الرهبة في نفوس رعايا الامبراطورية وتهدد باخماد أي ثورة أو تمرد هنا أو هناك.

وكان هذا كله يتم على السطح فيما كانت البحرية البريطانية تعاني من سوء التدريب ونقص الكوادر وقلة الاعتمادات. ومرة أخرى ينقل المؤلف وصفا أطلقه أحد جنرالات بريطانيا العاملين في مستعمرة الهند في عام 1920 وقال فيه: إن بناء إمبراطورية يقوم على أساس واحد هو «الهيبة، الرهبة، المكانة» ولو استطعت أن تهدد تلك الهيبة فلسوف يتداعى البناء مثل الورق المقوى.

ومع ذلك فلم يكن أمر الامبراطورية يخلو من ممارسة النمط المعاكس من السلوك. إنه نمط القمع - الوحشي أحيانا - والعنف العشوائي المسلح في كل الأحيان. انظر مثلاً الأسلوب البربري الذي قمع به أعوان الامبراطورية حركة التمرد في جامايكا (بالبحر الكاريبي) في عام 1865 حيث اقترفوا اعدامات بالجملة.

انظر أيضاً - يضيف المؤلف - إلى السلوك الدموي للإنجليز في معركة أم درمان (يسمونها احيانا حرب استرجاع السودان من أيدي الثورة الوطنية المهدية إلى يد الاستعمار البريطاني) وانظر أيضاً إلى ما ارتكبه الانجليز في حرب البوير بجنوب أفريقيا، وإلى ملابسات مذبحة امريقسار في عام 1919 بالهند التي أطلق فيها جنود الامبراطورية النار على جموع المتظاهرين المدنيين فقتلوا ما لا يقل عن 400 هندي. ويصدق الأمر كذلك - كما يؤكد المؤلف (صفحة 39 وما بعدها) على استخدام طائرات الامبراطورية البريطانية لقصف التجمعات والمنشآت المدنية من الجو، وبصورة عشوائية وغاشمة سواء في فلسطين أو العراق أو كينيا.

تصريح تشرشل

ورغم أن مثل هذه السلوكيات اللا إنسانية أسفرت عن مشاعر من البغض الشديد ضد بريطانيا - الدولة والامبراطورية - الا أن الأمر انطوى على إدعاء فلاسفة وساسة المستعمرات الذين تصوروا أن شعوب االمستعمرات ستظل راغبة في الانضواء تحت لواء الإمبراطورية.

وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 راجت دعوات أو تنبؤات وتحليلات تقول بأن الحرب ستكون نقطة النهاية لامبراطورية انجلترا. ولكن رجل الانجليز القوي وقتها ونستون تشرشل اصدر في ذروة اشتعال الحرب عام 1942 تصريحا يقول فيه: «أنا لم أصبح الوزير الأول (يقصد رئيس الوزراء) لصاحب الجلالة الملك كي أشرف على تصفية الامبراطورية البريطانية».

مع هذا كله، يظل من سخريات القدر أن عاش ونستون تشرشل سواء خلال الحرب أو ما بعدها ليشرف، أو على الأقل يشهد، تصفية الامبراطورية وانهيار دعائمها. ومن مفارقات الأحداث أيضاً أن شهدت الامبراطورية أيضاً مع أخريات أيامها في عقد الخمسينات، عناصر من غلاة الاستعماريين كانوا يفوقون تشرشل ذاته تعصبا وتمسكا بالكيان الامبراطوري إلى حد الجنون في بعض الاحيان.

يروي المؤلف (صفحة 43) قصة النائب الانجليزي «اينوخ باول» الذي كان عضوا في البرلمان ومن شباب حزب المحافظين، وكان مشهورا بأنه من غلاة الاستعماريين، وقد اقتحم هذا النائب مكتب رئيس الوزراء ونستون تشرشل الذي كان قد فاز لتوه بالمنصب بعد النجاح في الانتخابات عام 1951 - وفي تلك اللحظة هتف النائب صارخا: «سيد تشرشل: عندي عرض أقدمه لك: اعطني عشرة فيالق من الجيش البريطاني، وفي المقابل سأقوم بإعادة غزو الهند لصالح امبراطوريتنا البريطانية».

عرض ومناقشة: محمد الخولي