لم تعر إدارة بوش والجمهور المسكونان بهاجس العراق إلا القليل من الاهتمام بسلسلة التحديات المطروحة من جانب روسيا فيما يتعلق باستقرار أوروبا. وليس هناك أي شك بأن الرئيس فلاديمير بوتين، المتشجع بفعل ما تواجهه الولايات المتحدة من صعوبات وفعالية دبلوماسية الطاقة (التي تغدو تهديداً أحياناً)، يحاول استعادة الأرض المفقودة في العقد الزمني الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي فيما يطبق في الميدان الداخلي وبشكل متزايد سياسات شمولية غالباً ما تكون وحشية.
وفقط عندما انتقد بوتين الولايات المتحدة بشكل قاس في ميونخ أعار الأميركيون انتباههم لهذه المسألة وبشكل عرضي لا أكثر أو اقل. لكن هناك اليوم اختباراً أساسياً لعلاقة روسيا بالغرب في حين أن التصرفات الروسية قد تتجلى بوضوح إذا ما اندلعت حرب أخرى في أوروبا.
أتذكرون كوسوفو؟ التي كانت تعتبر شأناً كبيراً عام 1999، عندما حررت عمليات القصف الجوي التي قام بها حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة والتي استمرت 78 يوماً المنطقة الألبانية المنهكة من السيطرة القمعية الصربية. الوضع النهائي لكوسوفو بقي معلقاً بالهواء جراء قرار ملزم لمجلس الأمن الدولي ومنذ ذلك الحين والمنطقة تدار من قبل الأمم المتحدة ومحمية من قبل الناتو.
لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أخذا يبحثان قضية الوضع النهائي بينما راحت مواقف كوسوفو وبلغراد تتصلب. ولقد قدم مارتي أهتيساري، المبعوث الخاص للأمم المتحدة والرئيس الفنلندي السابق أمام مجلس الأمن مؤخراً خطة تقود إلى استقلال على مراحل لكوسوفو مع ضمانات راسخة لحقوق الأقلية الصربية.
بلغراد تعارض بشكل مباشر التغيير، مثلما فعلت مع سائر التغييرات، في وضع كوسوفو، المنطقة التي يعتبرها الصرب جزءاً من أرضهم التاريخية، لكنها الآن ألبانية بنسبة تصل إلى أكثر من 90%. وفي نهاية المطاف سيتعين على الصرب مواجهة الحقيقة : كوسوفو قد انفصلت عن صربيا إلى الأبد جراء سياسة الدكتاتور السابق سلوبودان ميلوسوفيتش.
مستقبل صربيا ـ الذي يمكن أن يكون مشرقا- يكمن في كنف الاتحاد الأوروبي إذا كان بوسعها أن تتخلى عن أساطيرها التاريخية، ذلك أن مرحلة انتقالية سلمية على طريق استقلال كوسوفو كفيلة بأن تفتح لبلدان منطقة البلقان بما فيها صربيا نفسها عصرا جديدا واعدا من التعاون الإقليمي.
موسكو تدخل في المشهد وهي تشجع تحديدا الاتجاهات المعاكسة في صربيا. وبوتين يعلن أن روسيا لن تدعم أي أمر يعارضه الصرب. وفي حال أدى هذا الموقف إلى فيتو روسي في مجلس الأمن أو إلى جهد لتعكير الأجواء أو تأخير خطة أهتيساري، فإن السلام الهش في كوسوفو سيتبخر في غضون أيام وسيفتح الطريق واسعا أمام موجة جديدة من العنف أو حتى حرب جديدة. فخطة أهتيساري التي تعد الأفضل في الظروف الحالية لا ترضي الألبان الأكثر تشددا لأنها تشدد على حماية الصرب الذين يبقون في كوسوفو.
وعوضا عن أن تعمل على منع العنف في كوسوفو يبدو أن روسيا تستغل الفرصة لتحدي البلدان الغربية عموما وألمانيا والولايات المتحدة على وجه الخصوص. ولقد قالت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ومبعوثها الخاص الرائع السفير فرانك ويسنر لموسكو ولبلغراد إن الولايات المتحدة تساند خطة أهتيساري، لكن حتى يقرر الرئيس بوش بصورة نهائية مع بوتين (مثلما فعل الرئيس بيل كلينتون مع بوريس يلتسين قبل عقد من الزمن).
فإن هناك خطرا جديا بأن لا تفهم موسكو الرسالة. تلك الرسالة يجب أن تكون بسيطة جدا: إذا حاصرت روسيا خطة أهتيساري فإن موسكو ستكون مسؤولة عن الفوضى المستقبلية وهذا ما سيؤثر على جوانب أخرى من علاقات روسيا مع الغرب.
روسيا تقيم الحجة على أنه ليس للأمم المتحدة حق بتعديل حدود دولية من دون الاتفاق مع البلد المتضرر، لكن كوسوفو تمثل حالة خاصة ولا تشكل أي سابقة بالنسبة للحركات الانفصالية أينما كانت، لأنه في عام 1999 حظيت الأمم المتحدة وبدعم من روسيا بصلاحية إقرار مستقبل كوسوفو.
لكن حجة موسكو القائلة بحماية المشاعر الأخوية للصرب السلوفانيين مثيرة للسخرية، فكل من حاول العمل مع الروس في البلقان مثلما فعلت خلال سنوات عدة يدرك أن زعامتهم لا تأخذ في الاعتبار أي نوع من المشاعر فيما يتعلق بالصرب، فروسيا تستغل كوسوفو لناحية ميزتها التكتيكية وذلك كجزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة تثبيت نفسها على المسرح الدولي. وهو هدف مشروع طالما أن روسيا تلعب دوراً بناء، لكن سلوك موسكو الأخير، من جورجيا إلى إيران مروراً ببعض الحوادث المقلقة على الصعيد الداخلي، لا يبدو مشجعاً.
إن صورة كوسوفو ترتسم في الوقت الحالي على أنها أكبر اختبار دولي، ولكن لفلاديمير بوتين. وإذا ما اعترضت روسيا على خطة أهتيساري أو أخرتها فإن الألبان الكوسوفيين سيعلنون الاستقلال بصورة أحادية وربما تعترف بهم بعض البلدان، بما فيها الولايات المتحدة وبعض البلدان المسلمة.
لكن الجزء الأكبر من الاتحاد الأوروبي لن يقدم على ذلك. وهذا سيفتح الطريق أمام أزمة أوروبية من العيار الثقيل، حيث سيحدث في منطقة البلقان نزيف دم جديد والناتو، الذي يتحمل مسؤولية الحفاظ على السلام في كوسوفو، قد يجد نفسه يحارب مرة أخرى في أوروبا. هل سيستفيد الروس حقا من هذا الوضع ؟ بالطبع لا . فالأمن والاستقرار في أوروبا وعلاقات روسيا مع الغرب داخل دائرة الخطر.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الباييس»