«كان يا مكان» كان هناك مدرسة مبدعة تدعى أمينة الجسمي، تعمل في مدرسة متميزة للبنين اسمها زيد بن حارثة، أرادت أمينة أن تساعد الطلبة الواعدين بمشروع ينمي قدراتهم العقلية، وبعد بحث ودراسة وجدت المشروع المنشود عند د. عبد الناصر فخرو أستاذ بكلية التربية الأساسية في الكويت ومتخصص في تنمية مهارات التفكير، الذي احترم رغبتها في تطوير طلبتها وساعدها في تطبيق مشروع «مغامرات مشور».
أحب الطلبة هذا المشروع الذي أحيا وفعل كافة حواسهم، وأصبحوا يأتون للمدرسة كل يوم بنشاط كبير منتظرين قصة من مغامرات مشور.
ليست هذه قصةً خيالية بل قصة واقعية بنفس الأحداث والأهداف، وذات الأبطال والنهاية، باختصار شديد وبأسلوب القصص التي يتبناها المشروع المنفذ في مدرسة زيد بن حارثة للتعليم الأساسي حلقة أولى، التي أعطت الثقة والصلاحية لمعلمة المجال الثاني أمينة احمد الجسمي المتمرسة في مجال الإبداع والتفكير، لتنفيذ المشروع على أحد صفوف طلبة الصف الخامس فيها، مع اختلاف مضمون وأبطال القصص المتعددة التي تروى كل حصة أسبوعية لهؤلاء الطلبة.
يقول د. عبد الناصر فخرو إن مغامرات مشور هي تجربة ممتعة وناجحة، عبارة عن سلسلة قصصية تساعد الطالب على حل مشكلاته وتنمية التفكير الإبداعي والتفكير الناطق لديه في ذات الوقت، وقد تم طرح التجربة بناءً على إحصائية علمية منفذة أثبتت نجاحها وهي دلالة إحصائية عالية جدا للأطفال.
وبين فخرو أن الأطفال استجابوا لهذه التجربة وتغير تفكيرهم من فكر مستهلك إلى فكر منتج، فأصبحوا يكتبون القصص ويطرحون الأسئلة في نفس الوقت، وهذه هي النقطة الأساسية والممتعة والخطرة في المشروع في ذات الوقت، أي تحويل الطفل من مستقبل إلى منتج للمعلومات.
وأكد فخرو في حديثه على أهمية تطبيق الميدان التعليمي لمثل هذا المشروع القصصي، لأنه يساعد المدرس والطالب معاً على الارتقاء بالتفكير الإبداعي لدى الطفل، ويحل مشكلاته من خلال استهدافه كافة حواس الطفل، ما يدفعه للتفاعل معه ويحقق الأهداف المرجوة منه.
وتعبر أمينة أحمد الجسمي المشرفة على المشروع عن مدى استمتاعها في تدريس مهارات التفكير الإبداعي للطلبة من خلال تدريسها للقصة بسلسلة مغامرات مشور، فقد كان تفاعل الطلبة الكبير خاصة نتيجة اتباعها الإرشادات الكاملة للدكتور فخرو في طرح الأسئلة وطريقة رواية القصة، سببا في حبي وإيماني أكثر بأهمية ونتيجة تطبيق مثل هذه المشاريع في المدارس.
خطوات مدروسة
وأوضحت معلمة المجال الثاني أنهم قد اتبعوا خطوات مدروسة في تطبيق المشروع، ابتداء من عمل إحصائيات علمية عن مستوى الطلبة، وفحص كفاية حواسهم لان المشروع يحتاج إلى سلامة كل حواسهم خاصة السمعية منها، وتم تهيئة الطلبة للمشروع من خلال تعزيز مهارة القراءة لديهم في المجالات التي يحبذها الطالب بالاستعانة بالكتب المتواجدة في مكتبة المدرسة وببعض الأدوات للفت انتباهه كالأعمال اليدوية والدمى ومسرح العرائس والصور المنوعة.
وعن الخطوة الثانية فقد كانت تتمحور حول سرد القصة دون الاستعانة بالمؤثرات، وتنطلق الأسئلة من الراوي خلال سرده للقصة، بطريقة لا تعتمد على الحفظ أو التسلسل المنطقي للقصة كوضع الطالب في صلب مشكلة في القصة وتطلب منه وضع الحلول لها أو تطلب منه اخذ قرار بدل شخصيات الرئيسية لتغيير مجرى الأحداث.
وتأتي المرحلة الثالثة والمهمة كما تبين منفذة المشروع الكائنة بعملية الإنتاج بخطوات متسلسلة، فيترك للطالب إنتاج القصة من خلال تقديم بدايات القصص ليكملها الطالب، أو نهاياتها ليبدأ الطالب ببدايتها أو بالوسط ليؤلف المستهدف بداياتها ونهايتها، ثم يترك لتأليف قصته الخاصة وفق المعايير أيضا التي تعطى له.
نتائج قياسية
وأشارت الجسمي إلى أنها استطاعت أن تحصي العديد من التغيرات الإيجابية على شخصية وتفكير الطلبة المستهدفين في المشروع، كتفاعلهم الكبير وإقبالهم المتزايد على حضور الحصة القصصية، الخالية من كل أشكال الضغط حيث يجلس الطلبة حيثما يشاءون على الأرض أو الكراسي، ويفعلون ما يريدون سواء أرادوا الأكل أو الشرب.
وقالت عائشة الطنيجي مديرة مدرسة زيد بن حارثة إنها لاحظت التطور الكبير في نمو قدرات الطلبة المستهدفين اللفظية والإدراكية لمحتويات القصص، وبدأوا يسألون أسئلة خارجية مبدعة، كانت بداية خطوة نحو أفق جديد سعينا لتحقيقه في المشروع وهو الفكر المنتج، فقد بدأ الطلبة بالفعل بتأليف قصص خاصة بهم، بل وان بعض هذه القصص جيدة جدا عبرت عن سعة خيالهم وتجاربهم الشخصية التي وظفوها مع المعلومات التي يستقونها من المحيط الخارجي في القصص.
وأوضحت مديرة مدرسة زيد بن حارث للتعليم الأساسي حلقة أولى، أن التغيرات قد شملت أيضا نواحي أخرى، فالطلبة المستهدفون أصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، ونقد الأمور وطرح الأسئلة الذكية في كافة الأحداث والأمور التي تواجههم.
خيال وقصص
وعن رأي الطلبة المستهدفين بهذا المشروع أعرب عبد الله الهياس عن سعادته بحضوره ومشاركته في هذه الحصص القصصية، مؤكدا انه موضع حسد أصدقائه وأقاربه، الذين روى لهم القصص التي سمعها وألفها والأحداث المثيرة التي تجري داخل الحصة، ما جعلهم يطلبون منه باستمرار رواية الأحداث ولعب لعبة إكمال القصة في كل لقاء لهم.
وفي ذات السياق ذكر طالب الصف الخامس عمر السيد حسين انه يسعد بسماع الآخرين يلقبونه ب«القوي عمر» انه كتب قصة جميلة عن شخص يدعى عامر عمرو، تزوج امرأة حسناء تدعى حمده وأقام عرسا جميلا جرت فيه العديد من الأحداث الجميلة والمثيرة.
أما عبد الله الملا المشارك في ذات الدروس القصصية والذي يحب أن يطلق على نفسه لقب الكاتب «البطل عبد الله» فقد جمح خياله وطال، فقد ألف قصةً تكونت ليس من جزء واحد أو جزأين، بل تكونت من خمسة أجزاء كاملةً، ويكون بغاية السعادة كل مرة يقص فيها القصةعلى احد ما.
تمويل المشروع
بينت معلمة المجال الثاني والمشرفة عن المشروع أمينة احمد الجسمي، انه بالرغم من تولي إدارة المدرسة تمويل المشروع كاملاً، إلا أنهم يتطلعون لأن تتبنى جهة أخرى عملية التمويل، حيث أن النتائج الكبيرة التي تحققت من خلال تطبيق المشروع، تحثنا على تعميم التجربة لكل طلبة المدرسة من الصف الأول حتى الخامس بكافة الصفوف، بدل أن يكون محصوراً على عينة من طلبة الصف الخامس.
وحش من أعماق البحار
قال أحمد محمد الكمالي في الصف الخامس الابتدائي انه يستطيع حاليا أن يؤلف قصة من أي جملة أو كلمة يسمعها، وقد نفذ هذا الأمر كما يقول في تجربة مادة العلوم ، حيث تخيل أن أدوات العمل هم أبطال لقصة وقام بتخطيط بسيط لإجراءات التجربة لتكون كما يقول قصة مؤلفة ويسهل حفظها من تأليفه.
وعن القصة التي ألفها أحمد الذي يحب أن يلقب ب«المتميز» انه كتب قصة جميلة ومخيفة في آن واحد، عن وحش كبير خرج من أعماق البحار، وحدثت مجموعة من الأحداث الغريبة والعجيبة داخل القصة، التي أحبها كل من سمعها من الطلبة أو الأصدقاء.
رباب جبارة
