عند هذا المنعطف من الكتاب، نحن على موعد مع لغز آخر من الألغاز العديدة التي يطرحها علينا مؤلفه جورج تينيت، فهو لا يتردد في الإشارة إلى أنه لا يعرف على وجه الدقة متى أصبحت الحرب على العراق شيئاً حتمياً بالنسبة للإدارة الأميركية،

بل يمضي إلى القول إنه لا يعرف بالتحديد متى قرر الرئيس الأميركي المضي إلى الحرب، وهو يلقي الضوء على المحاذير الأربعة التي طرحت في إطار المناقشات حول قرار الغزو وما يمكن أن يترتب على تنفيذه في ما يتعلق بالمنطقة بكاملها،

وهو لا ينسى في غمار القضايا العديدة التي يطرحها الإشارة إلى اللعنة التي طاردته طويلاً، والتي حاول إنكار ملابساتها كلية أولاً ثم التعلل بإساءة تفسيرها ثانياً، وهي لعنة وصفه لأسلحة الدمار الشامل العراقية بأنها «حالة لقمة طرية» حسب التعبير الأميركي العامي الشائع، على الرغم من أن غزو العراق قدر له أن يقف في زور العم سام حتى اليوم.

في الفصل السادس عشر من الكتاب الذي يحمل عنوان «سبب الحرب»، يفاجئنا تينيت في صفحة 302 بالقول إن من الألغاز الكبرى بالنسبة له الموعد المحدد الذي أصبح فيه غزو العراق شيء حتمي، فقد كان في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مشغولاً إلى حد الهوس بالحرب على الإرهاب،

وبالتالي فإن للعديد من الليالي التي أمضاها مؤرقاً في تلك المرحلة لم تكن له صلة بالرئيس العراقي صدام حسين، وإنما انصبت ليس على ما إذا كان تنظيم القاعدة سيضرب مجدداً بل على أي شكل ستتخذه تلك الضربة المقبلة وأين،

ومضى يقدح زناد فكره حول الأمور التي يمكن القيام بها لتعطيل وعرقلة ومنع مثل هذا الهجوم.وهو يقول إنه عندما يعود بذاكرته إلى تلك المرحلة، فإنه يتمنى لو كان بمقدوره أن يعطي اهتماماً مماثلاً للعراق في ضوء الأخطاء الفادحة التي قدر للإدارة الأميركية الوقوع فيها.

الجسور المقطوعة

يضع بوب وودوارد، الذي قرأ هذا الكتاب بعين الصحافي وبعين مؤلف عدة كتب في هذا الموضع، يدنا على طرف خيط بالغ الأهمية، وهو أن فريق الأمن القومي في إدارة بوش كان يعاني من اخفاق حقيقي في الأداء وكانت جسور التواصل بين أعضائه مقطوعة على نحو يدعو للتساؤل.

هذا الافتقار للتواصل يبدو لنا واضحاً في فهم تينيت للعديد من القرارات بالغة الأهمية التي اتخذتها إدارة بوش. وإذا كنا قد رأينا حالاً أن من الألغاز الكبرى بالنسبة لتينيت الموعد الذي أصبح فيه شن الحرب على العراق أمراً حتمياً، فإننا سنرى أنه لم يكن واضحاً بالنسبة له متى اتخذ قرار المضي إلى شن هذه الحرب.

هكذا يلفت نظرنا أنه في 26 أغسطس 2002، أي قبل سبعة شهور من الغزو الفعلي للعراق يقول تينيت إنه قد فوجئ تماماً عندما قال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في خطاب ألقاه أمام قدامى المحاربين إنه: «ليس هناك شك في أن صدام حسين لديه الآن أسلحة دمار شامل».

من منظور تينيت، كان ذلك يعلن تقدير الاستخباري الخاص، وبالتالي يقتحم مجال مدير المخابرات المركزية. ويقول تينيت إن هذا الخطاب قد مضى إلى ما يتجاوز ما يمكن لتحليل الوكالة أن تدعمه وهو يذهب إلى أنه كان ينبغي عليه أن يبلغ تشيني بذلك، ولو في لقاء يقتصر عليهما.

وكل من له إلمام، ولو من بعيد، بآليات عمل الإدارة الأميركية يعرف أن تينيت كان ينبغي أن يحرك هذه المسألة إلى قضية كبرى سواء في لقاءات خاصة مع تشيني وغيره من مسؤولي الإدارة أو علناً. وهو نفسه يشير إلى أن صمته

كان يعني ضمناً موافقته على ما طرحه تشيني. ولكنه بعد خمسة أسابيع بالضبط، أصدر تقرير المخابرات الشهير الذي يقع في تسعين صفحة، والذي يصل في جوهره إلى الاستنتاج الخاطئ نفسه وهو أن «بغداد لديها أسلحة كيماوية وبيولوجية».

حكاية اللقمة الطرية

ربما يعد من أسوأ ما ارتبط باسم جورج تينيت تأكيده للرئيس الأميركي ومجلس حربه في 21 ديسمبر 2002، أي قبل غزو العراق بثلاثة أشهر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية هي «حالة لقمة طرية» بمعنى أنه أمر يسهل اثباته وتمريره تماماً كما يسهل ابتلاع اللقمة الطرية.

ومعروف للكافة أن هذا التوصيف أطلق للعلن لأول مرة في إطار ما كشف النقاب عنه بوب وودوارد عام 2004 في كتابه «خطة الهجوم». وفي حين جادل تينيت في صحة نسبة هذا التعبير إليه، لكنه هنا في فصل بأمه وأبيه يحمل عنوان «لقمة طرية» يقر بأنه قال ذلك،

لكنه ينكر أنه نهض من الأريكة التي كان يجلس عليها في المكتب البيضاوي وفرد ذراعيه في الهواء دعماً لهذا التعبير، ويقول إن هذا الاجتماع كان أقرب إلى اجتماع تسويق لتحديد أي معلومات المخابرات يمكن طرحها علناً للبرهنة على أن العراق لديه أسلحة دمار شامل.

هكذا فإن هذا التعبير المثقل بحمولات العامية الأميركية تحول إلى لعنة تطارد تينيت، وقد رأينا أنه في البداية أنكر كلية أن يكون قد قاله، ثم عاد ليقول أنه لا يتذكر ما إذا كان قد قاله من عدمه، وإن كان لا ينازع في أنه طرح.

يقول بوب وودوارد إنه في عام 2005 شارك في منتدى علني في لوس أنجلوس بحضور تينيت أمام جمهور يصل إلى خمسة آلاف شخص. وعندما سئل تينيت عن «اللقمة الطرية» في ذلك المنتدى قال: «هاتان هما أسخف كلمتين نطقت بهما على الإطلاق». ويلاحظ وودوارد ان تينيت لا يأتي على ذكر هذه الواقعة في الكتاب.

وبالمقابل فإن تينيت يشير في الكتاب إلى أنه اتصل بأندرو كارد كبير موظفي البيت الأبيض وأعرب عن شكواه من أن تسريب حكاية اللقمة الطرية جعله يبدو شخصاً سخيفاً وأنه يود أن يعرب عن غضبه الشديد حيال ذلك. وأن شخصاً ما في الإدارة قد علق هذه المسألة في رقبته بأكثر الطرق التي رأها في حياته جدارة بالازدراء.

هكذا فإن تينيت يشير إلى أن وودوارد استقى هذه المسألة من مصدر واحد، وهو ما ينبري الصحافي الشهير إلى تكذيبه قائلاً إنه استقاها من أربعة مصادر أصلية على الأقل، بمعنى أنها مصادر كانت شهوداً على الواقعة.

ويمضي وودوارد إلى أبعد من ذلك فيقول إنه في مقابلة أجراها مع الرئيس جورج دبليو بوش في ديسمبر 2003 أشار إلى حكاية اللقمة الطرية أربع مرات على الأقل وفي المرة الخامسة قال بوش: وقال تينيت: لا تقلق فهي لقمة طرية، وكان ذلك أمراً بالغ الأهمية.

بعد عشرة أسابيع من تعقيب حكاية اللقمة الطرية هذه قدم تينيت و«السي. اي. ايه» لكولن باول وزير الخارجية الأميركي آنذاك معلومات المخابرات التي استخدمها في العرض الشهير الذي قدمه في 5 فبراير 2003 أمام مجلس الأمن والعالم، وأكد في غماره أنه على يقين من أن صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل.

المدهش حقاً أن تينيت يقول عن عرض باول ذلك إنه: «كان عرضاً عظيماً، ولكن من سوء الطالع أن فحواه لم يقدر له التماسك فقد بدأت أعمدة الخطاب في التداعي واحداً اثر الآخر، وبصفة خاصة فيما يتعلق ببرنامج العراق الخاص بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وبالتالي فقد تم تعليق وزير الخارجية ليجن أمام العالم وتردت مصداقية أمتنا إلى الحضيض».

نحن جميعاً نعلم أن باول ألقى على تينيت اللوم عن تعليقه ليجن أمام العالم حسب تعبير المدير السابق للسي. اي. ايه وعلى الرغم من أن تينيت يتحمل بعض المسؤولية عن أخطائه وأخطاء الوكالة ويقر بذلك في كتابه، إلا أنه غالباً ما يروع منها، وهو في هذه الحالة يكتفي في معرض تبرير اخفاقات الوكالة بالقول: «ربما ان الأمر يرجع فحسب إلى أن تلك هي الطريقة التي تعمل بها واشنطن».

المحاذير الأربعة

من المحقق أن «حكاية اللقمة الطرية» تغري بمواصفة الحديث فيها لما يكتنفها من غرائب وأعاجيب، ولكن دعنا نبادر إلى الاكتفاء بما سقناه في الحديث عنها لننتقل إلى ما نراه أكثر جدارة بالوقوف عنده وتأمله طويلاً. وقد رأينا بالفعل أن تينيت يلزم الصمت حيال طروحات في الإدارة الأميركية لا يمكن لتحليلات وكالته دعمها، كما رأينا في خطاب تشيني عن أسلحة الدمار العراقية.

لكن ذلك ليس أهم ما في جعبة تينيت، فهناك حديثه في صفحة 317 وما بعدها من الكتاب عن ورقة بالغة الأهمية طرحتها وكالته بتاريخ 13 أغسطس 2002 بعنوان «العاصفة الكاملة ـ التخطيط للنتائج السلبية لغزو العراق».

جوهر هذه الورقة مجموعة من سيناريوهات الحالات الأسوأ التي يمكن أن تبرز في غمار جهد تقوده الإدارة الأميركية لتغيير النظام في العراق.وينص ملخص الورقة على أنه في أعقاب غزو تقوده أميركا للعراق، فإنها ستواجه نتائج سلبية فيما يتعلق بالعراق نفسه وبالمنطقة وما يتجاوزها، وهذه النتائج تشمل مايلي:

* الفوضى وتمزق وحدة أراضي العراق

* فقدان للاستقرار يهدد الأنظمة في الدول العربية الرئيسية

* اتساع هائل في نطاق الإرهاب العالمي ضد المصالح الأميركية يغذيه العداء الديني المتزايد للولايات المتحدة.

* انقطاعات كبرى في الإمداد بالنفط وتوترات شديدة في التحالف الأطلسي. ولا يتردد تينيت في القول إنه من المغري إيراد هذه المعلومة والقول: «أترون، لقد تنبأت بالعديد من المصاعب التي برزت في وقت لاحق؟!». ولكن الحقيقة غالباً ما تكون معقدة أكثر مما تكون ملائمة.

وهو يلفت نظرنا إلى أن ما دار في الاجتماع الذي شمل مناقشة الورقة لم يتضمن صراخاً ولا ضرباً على المائدة. وكل ما هنالك أنه قيل إن هذه هي السيناريوهات الأسوأ وأنه تم توصيفها بأنها سيناريوهات، لم يكن هناك سبيل آنذاك إلى معرفة الكيفية التي سيتطور بها الموقف على الأرض في العراق.

لماذا خاضوا الحرب؟

في الفصل السابع عشر من الكتاب الذي يحمل العنوان الطويل والمدهش «القضية الوحيدة التي أمكن أن يتفق حولها الجميع»، يبادر المؤلف إلى القول إن الولايات المتحدة لم تمض إلى غزو العراق بسبب أسلحة الدمار الشامل وحدها، بل أنه يشك في أن هذا كان السبب الرئيسي.

حسب تينيت، يمضي قادة الدول إلى اتخاذ قرار خوض الحرب بسبب معتقدات جوهرية، حسابات جيواستراتيجية أوسع نطاقاً، رؤية ايديولوجية، وفي حالة العراق فقد مضت أميركا إلى خوض قرار الحرب بسبب رؤية الإدارة الأميركية غير الحليفة التي قوامها أن التحول الديمقراطي للشرق الأوسط في غمار تغيير النظام في العراق سيكون جديراً بتكبد عناء دفع ثمنه.

وكانت أسلحة الدمار الشامل، على نحو ما صرح بول وولفويتز لمجلة «فانيتي فير» في مايو 2003 شيئاً استقر رأينا عليه لأنه كان القضية الوحيدة التي كان بوسع الجميع الاتفاق عليها. هكذا، فإن قطار الحرب على العراق وصل إلى محطته في مارس 2003، ويلفت المؤلف نظرنا إلى أنه بالنسبة للسي. آي. ايه

فإن هذه الحرب كانت من كل الجوانب مختلفة عن الحرب التي خاضت غمارها في أفغانستان، فهناك كانت الوكالة بحسب التعبير العسكري المهني القيادة «المدعومة» أما في العراق فهي جهة «داعمة» والفارق بين الوضعين هائل.

في حالة غزو أفغانستان كانت الوكالة هي إلى حد كبير التي جاءت بخطة الغزو، وقامت بتغذية الاستراتيجية وصقلها على امتداد شهور طويلة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أمل الحصول على إذن بالانطلاق وراء القاعدة في معقلها، وبالاستعانة بأعداد محدودة من رجال القوات الخاصة والقوة الجوية الأميركية تم الانطلاق بقوات العديد من قادة زعماء الحرب وجماعات القبائل لطرد طالبان من أفغانستان.

أما في العراق فقد كانت هناك حكاية أخرى. ويقول تينيت إنه منذ البداية أبلغت الوكالة الإدارة بأن نموذجاً مختلفاً تماماً سيتم استخدامه فيما يتعلق بغزو العراق، وهو يشير إلى أنه بعيد تسلم إدارة بوش مقاليد السلطة تم اطلاع كبار مسؤوليها وبصفة خاصة نائب الرئيس على أنه من المؤكد على وجه التقريب العمل السري من جانب الوكالة سيعجز عن الإطاحة بصدام حسين.

وقد وصلت الوكالة إلى هذه النتيجة من خلال تجربة مؤلمة في منتصف التسعينيات، حيث لم تكلل أي محاولة في هذا الصدد بالنجاح في ضوء البطش الذي مارسه الرئيس العراقي آنذاك والأخطاء التي وقعت فيها الوكالة والتي أسفرت عن مصرع العشرات ممن لجأت إلى توظيفهم من العراقيين.

يوضح تينيت أنه خلافاً للوضع في أفغانستان اقتصر دور الوكالة في العراق على تقديم المعلومات للعسكريين حول مواضع تمركز القوات المعادية وقدراتها وتقويم البيئة السياسية وتنسيق جهود الشبكات المحلية من المتعاونين الذين مهدوا الطريق للتقدم العسكري الأميركي وقاموا بعمليات تخريب وما إلى ذلك، وهو دور تقليدي تلعبه أجهزة المخابرات في مثل هذه المواقف لكنه لم يكن سهلاً ولا يسيراً في أي جانب من جوانبه.

وقد بدأ غزو العراق الذي حمل عنوان «عملية تحرير العراق» قبل الموعد المقرر له أصلاً بقليل بسبب معلومات من مصادر داخلية موثوقة عن المكان الذي يحتمل وجود صدام حسين فيه، ولكن الضربة التي وجهت إلى هذا المكان لم تؤد إلى النتيجة المطلوبة، وهي القضاء على صدام حسين.

كانت الضربة الأولى مؤلفة من أربعين صاروخاً من طراز كروز، وكانت دالة فيما سيأتي عقب ذلك، حيث اعتمد الغزو على القوة النارية الهائلة المنهمرة من السماء عبر الصواريخ والطائرات والقنابل الذكية.وفي معرض تقييم الموقف يقول تينيت إن الغزو كان نجاحاً أولياً كبيراً، حيث ذابت المقاومة العسكرية العراقية على حد تعبيره، وتمزق النظام بتفرق عناصره القيادية،

وظلت حقول النفط سليمة إلى حد كبير، ولكن الانفجارات توالت مع انطلاق قوات الغزو مسرعة إلى بغداد، حيث بدا واضحاً أن التحالف المهاجم كان يفتقر إلى القوات الكافية لتأمين جوانبه من الهجمات، وكان الأمل معلقاً على أن تثير سرعة الهجوم مشاعر الصدمة والرعب الأمر الذي يجعل الغزو يتم بلا مقاومة تقريباً. لكن الواقع فرض شيئاً آخر.

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين