أكد الكاتب الصحافي الشهير سيمور هيرش أن التخطيط لا يزال جارياً لمهاجمة إيران ليس عن طريق الجو فحسب، وإنما ستكون هناك ضرورة لشن هجوم أرضي لحماية السفن الأميركية. وفي حوار أجرته معه مجلة «رولينغ ستون» مؤخراً، أكد هيرش أن إدارة بوش هي أكثر سوءاً من إدارة نيكسون التي أسقطتها فضيحة وترجيت. وانتقد هيرش في سياق حديثه الصحافة الأميركية وقال إنها من أكثر المؤسسات فشلا على الساحة الأميركية حاليا.
وفيما يلي نص الحوار:
* أثناء سنوات فضيحة ووتر غيت، خصصت جزءاً كبيراً من وقتك للحديث عن هنري كيسنجر. فإذا أردت أن تؤلف كتابا عن الإدارة الأميركية الحالية، فهل ديك تشيني هو الشخص الذي ستركز عليه؟
ـ بالطبع. فإذا كان هناك شخص على شاكلة كيسنجر اليوم، فهذا الشخص هو تشيني. لكن ما أقوله عن كيسنجر هو الآتي: ماذا لو لدينا شخص مثل كيسنجر الآن! لو كان لدينا مثل هذا الشخص، كنا سنعلم أن هناك تفسيرا للخطوة الجنونية التي تمثلت في غزو العراق ـ هذا التفسير ربما يكون اتفاقا سريا حول النفط ـ وفي تلك الحالة كان الغزو سيحمل بعض المنطق. فلقد كان لدى كيسنجر دوما أجندة خفية.
ولكن فيما يتعلق بإدارة بوش وهذه الحرب، فإن ما تراه هو ما تحصل عليه بالفعل. فنحن نشتري جزءاً كبيراً من احتياجاتنا من النفط من الشرق الأوسط، وعلى الرغم من ذلك فإننا في حالة حرب مع الشرق الأوسط. مثل هذا الأمر لا يحمل أي منطق.
إن عبقرية كيسنجر تمثلت في أنه استطاع الوصول إلى وسيلة للخروج من المأزق الذي كان فيه. مشكلته كانت تتمثل في أنه كان لديه رئيس، مثلما هي الحال الآن، لم يكن يرى سوى النصر. عندما تتحدث عن كيسنجر ينبغي الإشادة به. فقد واجه صعوبات كثيرة مع نيكسون وتمكن في النهاية من الوصول إلى اتفاق سلام. أما الآن فهناك كثير من الأشخاص داخل الإدارة يعلمون أن الأمر انتهى في العراق
ولكن لا توجد حتى الآن أي خطط للخروج من هناك. بل انه لا يُسمح حتى بالتفكير بهذا الأسلوب. ومن ثم فإن ما لدينا الآن هو عبارة عن حكومة تعاني فوضى عارمة ليس لديها أي خطة للخروج منها سوى خطة واحدة كما قال لي أحد أصدقائي، ألا وهي فكرة غزو إيران. إذا فنحن بالفعل في مشكلة كبرى. إنها مشكلة جد خطيرة.
*هل ما مرت به إدارة بوش يمكن مقارنته بما مرت به إدارة نيكسون أم أن وضع إدارة بوش أكثر سوءاً؟
ـ يا إلهي. بالطبع الأمر الآن أكثر سوءاً بكثير. إن بوش متطرف حقيقي. فهو يؤمن بشراسة بالقوة التنفيذية. كما انه يؤمن بأنه يفعل الشيء الصائب دائما. أعتقد أنه إنسان ثوري على شاكلة ليون تروتسكي. إنه يؤمن بالثورة الأبدية. ومن ثم فإنه يشكل خطراً كبيراً. فهو بمثابة صاروخ غير موجه. إنه صاروخ لا توجد قدرة على ترويضه.
لا يمكنك تغيير ما يريد فعله. لا يمكنه الرجوع أو الحياد عن سياسته، وهذا أمر مخيف، إذا كان مثل هذا الشخص يملك سلطة كبيرة كالتي يملكها بوش في يده، وإذا كان يعاني من درجة التطرف ذاتها التي يعاني منها بوش، وإذا كان ملتزما بالديمقراطية،
بصرف النظر عما تعنيه هذه الديمقراطية، كما يلتزم بها بوش في منطقة الشرق الأوسط. أنا بالفعل أعتقد أن هذا هو الأمر الذي يدفع بوش إلى ما يفعله حاليا. هذا لا يعني أنه ليس مهتما بالنفط. ولكنني أتصور أن هاجس الديمقراطية هو الذي يحركه.
*كثيرون فسروا مقالتك الأخيرة في «نيويورك» باعتبارها تتنبأ بهجوم أميركي على إيران. غير أنك أوضحت أيضا أن السعوديين لديهم أسباب لمنعنا من القيام بمثل هذا الهجوم.
ـ أنا لم أقل أبدا أننا في طريقنا لغزو إيران. أنا قلت إن التخطيط جار. والتخطيط لا يعني إلا التخطيط. ولكن خلال الفترة القليلة الماضية لم يتوقف هذا التخطيط. إنهم الآن في وضع يمكن فيه لهذا الرئيس أن ينهض من نومه ويلعب في أنفه ويقول: «دعونا نذهب».
ومن ثم يمكن أن يذهبوا لمهاجمة إيران بالفعل. هذا أمر جديد. لقد جعلنا من مثل هذا الهجوم أمراً قريباً؛ لقد أرسلنا حاملات طائرات إلى هناك. الأمر ليس له علاقة بالهجوم على الأرض. غير أننا في حال شن هجوم على إيران سيتعين علينا إرسال قوات مارينز إلى داخل المناطق الساحلية لإيران من أجل تدمير مواقعهم الصاروخية.
* إذا ففكرة أنها ستكون حملة جوية فحسب هي فكرة غير صحيحة على الإطلاق؟
ـ لا، لا بالطبع. لا تنس أنه سيتعين عليك التعامل مع جهاز رادار متطور للغاية في إيران ونظام توجيه صواريخ حديث. سيتعين عليك أن تُجهز على قدرة الإيرانيين على الوصول إلى سفنك.
* إذا، فهذه هي خطة الخروج من الفشل العراقي؟
ـ أعتقد أن بوش يريد حل الأزمة الإيرانية. قد لا تكون هناك أزمة في الأساس، ولكنه يريد حلها.
*التلميح الآخر الذي تحمله مقالتك هو أننا ذهبنا إلى غزو العراق كرد فعل للتشدد السني هناك، والآن نحن نميل نحو المتشددين السُنة من أجل محاربة الشيعة. هل الأمر بهذه البساطة؟ هل نحن بهذا الغباء؟
ـ من واقع ما أراه فإنه لا توجد آلية حقيقية داخل الإدارة للنظر إلى بواطن الأمور. إنهم يريدون أن يحدث الجانب الإيجابي في أي عملية يقومون بها ولا ينظرون إلى أي عواقب قد ينطوي عليها الأمر.
* في عهد إدارة نيكسون، اتخذت الصحافة موقفا مناوئا ضد حرب فيتنام وشاركت بشدة في إسقاط نيكسون بعد فضيحة ووتر جيت. ولكنها لم تقم بهذا الدور في حالة بوش. ما هو السبب في رأيك؟
ـ لا أدري. الأمر بالفعل محبط للآمال. لقد تحدثت مع مسؤولين كبار في صحيفتي القديمة «نيويورك تايمز» يعلمون بدورهم أن هناك مشكلات كبيرة بالفعل. الأمر لا يتعلق بأنهم لا ينبغي لهم نشر ما ينشرونه الآن. إنهم ينشرون قصصا تعبر عن وجهة نظر الحكومة وذلك لأن هناك أناسا في الصحيفة على صلة بكبار المسؤولين في الحكومة.
إنهم على صلة بمستشار الأمن القومي ويتحدثون مع كوندوليزا رايس ومن ثم يتعين عليهم عرض وجهات نظر هؤلاء. هذه هي وظيفتهم. أما الذي لا يتم نشره فهو الجانب الآخر من القضية. ما كان يعجبني دائما في صحيفة «نيويورك تايمز»
عندما كنت أعمل هناك هو أنني كنت أستطيع أن أكتب ما يقوله الأطفال في الشارع. غير أن شيئا من هذا لا يحدث الآن. البيت الأبيض لا يصدر عنه أي شيء عن الاتجاهات المعارضة لسياسته. غير أن هناك معارضة بالفعل والصحافة لا تدري كيف تتعامل مع هذه المعارضة.
* هل تعلمت أميركا أي شيء من حرب فيتنام؟ ألم نستفد بأي شكل كان يمكن أن يمنع هذه الحرب من الوقوع؟
ـ أنت تعني التعلم من الماضي؟ هل تعني أميركا؟ بالطبع نحن نرتكب الأخطاء الغبية ذاتها.
ترجمة: حاتم حسين عن« رولنغ ستون»