تأخرت في النوم فلم أستطع اللحاق بحافلة المدرسة، فطلبت أمي أن أعود إلى سريري، وقالت لي: لا مشكلة إن تغيبت اليوم عن المدرسة، فهذه هي المرة الأولى، ومرت الأيام، وتكرر غيابي بسبب تأخري في النوم، إلى أن استلمت إنذارًا أوليًّا من إدارة المدرسة، وعندما علمت أمي بأمر الإنذار غضبت كثيرًا، وقالت وهي تهدد: لا عليك يا مريم، أعرف كيف أجعلهم يسحبون هذا الإنذار، ويسقطون عنك الأيام التي تغيبتها.

واصلت أمي: أنا لا أريد أن تتأثر درجات سلوكك بهذا الغياب، وبعد يومين، استدعتني الأخصائية الاجتماعية من حصة الفيزياء، وقالت لي: لماذا لم تخبريني أنك كنت مريضة، وأن لديك عذرًا طبيًا، لقد جاءت والدتك في الصباح وسلمتني العذر، وأمام الورقة الموقعة والمختومة من العيادة وقفت مندهشة، لا أعرف متى، وكيف فعلت أمي ذلك؟قصة من قصص عديدة، تكشف أن للأسرة دورًا في تخلي الأبناء عن مسؤولياتهم، فإلى متى سيظل الطالب يتفنن في اختلاق الأعذار كي يتهرب من المدرسة والدراسة؟ وأين الأسرة من ذلك؟

وقالت فاطمة طارق وهي طالبة في الثالث الثانوي إن الضغط النفسي الذي نواجهه في المدرسة نتيجة الأعباء الدراسية، يجعلنا نفكر كثيرًا في التغيب عن المدرسة، خاصة حصص الكيمياء والأحياء، والنحو، رغم أن الغياب يقابله ضياع الطالبة دراسيًا، لأنها تفوت على نفسها شرح الدروس، وكيفية حل المسائل الرياضية والفيزيائية، لذا أنا لست مع الطالبات اللاتي يتغيبن كثيرًا عن حصصهن الدراسية، خاصة في مرحلة الثانوية العامة، لأنها سنة حازمة يتحدد خلالها المستقبل.

وأضافت علياء شهاب الطالبة في الثالث الثانوي: على الطالبة أن تبحث عن الوسائل التي تخفف من توترها، وتقلل من ضغط الواجبات والمسؤوليات التي تقع على كاهلها، بدلاً من التهرب وإرهاق نفسها في السعي على محاولات فاشلة تبرر تغيبها عن المدرسة، وأفضل الطرق للتخلص من ضغوطات الدراسة هي أولاً: تنظيم الوقت، ثانيًا: توزيع الأعمال بشكل متوازن ومتساو، ثالثًا: أداء الواجبات في وقتها وعدم تأجيلها، ورابعًا: الترويح عن النفس بإعطائها المجال للتسلية أو الراحة.

أخاف المدرسة

خالد الربيع طالب في الصف العاشر لا يجد الوقت الكافي للدراسة لذا يشعر بالخوف أحيانًا من المدرسة، خاصة ان المرحلة الثانوية ليست سهلة، وتحتاج إلى جهد كبير لاستيعاب كل المواد الدراسية، ويذكر أنه تغيب عن المدرسة ثلاث مرات بلا عذر، وباقي الأيام كانت بأعذار طبية، ويعتقد أن عبء الدراسة هو الدافع الأساسي لتغيب معظم الطلاب عن المدرسة، وعن نفسه فقد تغيب في يوم من أيام أسبوع امتحانات التقويم، لأني لم يكن قد أنهي كمية الامتحان المقررة.

وترى ياسمين علي الطالبة في الثالث الثانوي أن دور الأسرة مهم، وهو يكمن في الرقابة الدائمة والمستمرة، فوصول الأبناء إلى المرحلة الثانوية لا يعني استقلالهم عن الأسرة والنظام فيها، كما لا يعني تخلي الأسرة عن أدوارها في متابعة الأبناء وتقصي أخبارهم، مشيرة إلى أن والدها لا يسمح لها بالتغيب عن المدرسة طالما أنه لا يوجد سبب حقيقي وقوي للغياب، وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى ـ على حد قولها ـ قيدًا يحد من راحتها، إلا أن الحقيقة أن هذا الحزم نابع من حرصه عليها، لأن الانضباط في الدوام المدرسي يوصل في نهاية المطاف إلى النجاح.

ميثة راشد طالبة في المرحلة الثانوية قالت: بالنسبة للأعذار الطبية التي تعطى للطالب من غير حاجة من قبل بعض العيادات والمستشفيات ، فأرى أنها وسائل غير سليمة يلجأ إليها الطالب للتخلص من مسؤولياته، أو استهزاء منه بالمدرسة وبالحياة بشكل عام، رغم ذلك لا يمكن إلقاء المسؤولية كاملة عليه، فلا بد من محاسبة الأسرة، والأهم من ذلك محاسبة الطبيب، فمن الممكن أن تقف الأم إلى جانب ابنتها ولو كانت مخطئة، وهنا يقع الخطأ على الطبيب الذي يقوم بتحرير مثل تلك الأعذار بحاجة ودون حاجة.

نماذج

أما حسن عبيد طالب في الصف العاشر فأشار إلى تكرار غيابه عن المدرسة كثيرًا، لدرجة أنه لا يذكر عدد الأيام التي تغيبها، خاصة انها سقطت عنه لأنها كانت بعذر طبي، فكثيرًا ما يشعر بالتعب بسبب أسنانه، وإلى الآن لم يحصل على إنذار بسبب الغياب، إنما حصل على إنذار لإهماله الواجبات المدرسية، وبالنسبة للأعذار الطبية التي قدمها للمدرسة فكلها حقيقية، لأنها أعطيت له لحاجتي الفعلية، إلا ـ كما يقول ـ عذرًا طبيًا واحدًا،

ففي أحد الأيام شعر بأنه لا يرغب في الذهاب إلى المدرسة، وكان مترددًا فليس لديه اي سبب يشفع له أمر الغياب، فأخبره أحد إخوته أنه من السهل الحصول على عذر لتغيبه، وفي المساء جاء إليه بورقة مختومة وموقعة من إحدى العيادات، تسمح له بيوم إجازة.

جميلة علي في الصف الثاني الثانوي أصبت من فترة برشح شديد، كانت نتيجته أن لزمتها الحرارة ليوم كامل، فذهبت إلى عيادة صحية وحرر لها الطبيب ورقتين، الأولى كتب فيها وصفة الدواء، وفي الثانية يومين للراحة، وخلال اليومين استعادت عافيتها، وكان بإمكانها أن تذهب إلى المدرسة في اليوم التالي،

لكنها تكاسلت وفكرت أن تغيب ليومين آخرين، وفعلا نفذت ما دار في رأسها وتغيبت عن المدرسة، وفي المساء ذهبت إلى العيادة نفسها، وقابلت الطبيب الذي كنت عنده في المرة الأولى، وطلبت منه أن يعطيها عذرًا يسمح لها بالغياب ثلاثة أيام، لتتغيب عن المدرسة دون أن تشعر بالخوف من النتائج التي قد تترتب على غيابها.

عبد الله حميد طالب في الصف العاشر لا يحب الدراسة، ولأن تكرار الغياب بلا عذر يعني أن تفصل من المدرسة، أو أن تحرم من الامتحانات النهائية، وبالتالي تضيع عليك سنة دراسية كاملة، فقد قرر أن يستخدم الحيلة التي تساعده في التغيب عن المدرسة في الوقت الذي يريد، دون أن يغادر بر الأمان،

فعلاج المشكلة يكمن في تقديم عذر مقنع لإدارة المدرسة، ولأن المرض ليس له وقت ولا يملك الإنسان فيه أمره، فأفضل عذر يمكن أن تتقبله المدرسة دون نقاش هو العذر الطبي، ـ والكلام لـ عبد الله ـ وهذا ما فعلته، فقد تغيبت لمدة ثلاثة أيام دون عذر، وحتى لا يؤثر ذلك علي، ذهبت إلى الطبيب الذي لم يتردد في توقيع الورقة،

وأثناء توقيعه لاحظت أن الدفتر كله مختوم بختم العيادة، ولأن الاحتياط واجب كما يقولون، أخذت عددًا من أوراق الدفتر أثناء انشغال الطبيب دون أن يدري، وكلما أردت أن أتغيب عن المدرسة، أخرج ورقة من تلك الأوراق أكتب عليها اسمي، اليوم والتاريخ، ثم أوقعها، بعد ذلك وأسلمها للأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وينتهي الأمر.

تكامل الأدوار

ورداً على ما أورده الطلبة قال سالم ربيع بوسماح مدير مدرسة الصفا للتعليم الثانوي: من الضروري جدًا أن يبني فريق المدرسة من إداريين وأخصائيين ومدرسين علاقة ثقة بينهم وبين الطالب، فالشاب عندما يصل إلى المرحلة الثانوية يحب أن يعامل على أنه رجل صاحب كلمة ورأي مستقل، كما يحب أن تعطى له مساحة من الحرية تعتمد على الثقة في سلوكياته، ومن خلال واقع تعاملنا مع الطلاب،

أؤكد على أن كسب ثقة الطالب ومبادلته الاحترام كرجل ناضج يأتي بالنتائج المرجوة، ولأن المدرسة هي بيت ثان للطالب، فلا بد من التفاهم بين الأطراف، لذا فالطالب عندما يتكرر غيابه نبدأ بالتقرب منه ونحاول تفهم ظروف غيابه، وعادة ما يعرف الطالب الجاد من الطالب المستهتر، ولكل فئة من الفئتين تعامل خاص.

وأشار إلى أن المدرسة تحاول دائمًا التواصل مع أولياء الأمور، غير أن الأكثر أهمية هو استجابة أولياء الأمور لهذا التواصل، فالبعض منه يساعدون أبناءهم دون قصد على الضياع، فمثلاً تغيب أحد الطلاب وعندما اتصلنا لنسأل عنه، أجابتنا ولية أمره وأخبرتنا أنه مريض ولا يستطيع القدوم، في حين أنه شوهد بالقرب من المدرسة وقد وصل متأخرًا.

بهية حسن الجوي مديرة مدرسة الصفوح للتعليم الثانوي قالت:

تختلف طبيعة ونفسية الفتاة عن طبيعة ونفسية الشاب، لذا فالأسباب من وراء تغيب الجنسين مختلفة، ونحن كمدرسة للبنات نحاول تفهم الطالبة واستيعاب حاجاتها النفسية والعقلية والجسمانية، ومع هذا الاحتواء نمارس نوعًا من الحزم الذي تتطلبه مصلحة الطالبات، فالطالبة التي تتغيب ليومين دون عذر عن المدرسة، تحصل على تنبيه شفهي، فإذا تكرر غيابها بلا عذر توقع على إنذار خطي، بعدها يتم استدعاء ولي أمرها، علمًا بأنه يتم خصم درجتين من علامات السلوك لكل ثلاثة أيام غياب بلا عذر،

وهناك عقد تربوي خاص بالمدرسة ينص على حرمان الطالبة من الامتحان النهائي في حال تغيبت عشرة أيام متواصلة دون عذر، وبالنسبة للأعذار الطبية فالمدرسة لا تقبل إلا الأعذار الموقعة من الطبيب المعالج والمختومة بختم عيادة أو مستشفى حكومي،

لأنه من السهل الحصول على مثل هذه الأعذار من بعض العيادات الخاصة، ولأن المؤسسات التربوية ليست كأي مؤسسات أخرى حتى في علاقاتها في حل المشاكل، تحاول المدرسة الدخول في حياة الطالبات اللاتي يتكرر غيابهن بسبب المشكلات الأسرية، والوقوف على الحلول المناسبة.

معتز غباشي الاختصاصي الاجتماعي بثانوية الصفا بدبي صنف الغياب إلى ثلاثة أشكال، أولها: العادي، ويتعلق بالمشكلات الأسرية الخاصة، ثانيًا: المرضي، وهو لعذر طبي، ثالثًا: الغياب خوفًا ورهبة من المدرسة، وكثيرًا ما يظهر في المرحلة الإعدادية حيث يخاف الطالب الفشل، ويقل في المرحلة الثانوية حيث يكون الطالب قد نضج واعتاد على المدرسة والأعباء الدراسية،

بالنسبة للعذر الطبي يجب أن يتم ملاحظة عدد من النقاط قبل قبوله، لأنه تم كشف بعض الطلاب الذين يتلاعبون بمثل هذه الأعذار، خاصة أن هناك بعض العيادات والمستشفيات تمنح الأعذار الطبية لكل من يطلبها، ومن الأشياء التي يجب تحريها في ورقة العذر الطبي، اليوم والتاريخ، وسبب الإجازة المرضية.

وقال غباشي انه إذا كرر الطالب السبب أكثر من مرتين نبدأ بسؤاله والتأكد من سبب غيابه، وعادة ما تتصل المدرسة بأهل الطالب المتغيب إذا تكرر غيابه أكثر من ثلاث مرات متواصلة، والمفاجأة التي تصادفنا في كثير من الأحيان، أن الأهل أنفسهم لا يعرفون عن أبنائهم شيئًا، وهنا تكمن المشكلة فلا يجوز أن يلقى بالعبء كله على المدرسة، فالمسؤولية يجب أن تكون مشتركة بين الطرفين.

مفيد سكيك: اجازات لا تحصل على الموافقة

الدكتور مفيد سكيك مساعد مدير الصحة المدرسية بمدينة العين أكد أن تحرير الأعذار الطبية من قبل الأطباء دون وجود سبب طبي أو حاجة تستدعي إليه ليس بظاهرة، والأمر لا يتعدى حالات فردية يمكن أن تتجاوزها العيادات الخاصة، مشيراً إلى انه هناك تعليمات مشددة من وزارة الصحة بعدم إعطاء الطالب أي عذر طبي دون التأكد من حاجته إليه .

وقال: هناك بعض الحالات ترسل إلينا من قبل المستشفيات أو العيادات الخاصة لتحرير اجازة العذر لصاحبها، لا يتم الموافقة عليها إلا بعد التأكد من أن التشخيص سليم ويستدعي الإجازة، لأن الغرض من الإجازة المرضية هو إراحة المريض، لأنها في كثير من الحالات تعتبر الجزء الأساسي بعد الدواء في إتمام العلاج،

وهناك بعض الحالات التي يتوجب فيها عزل الطالب المصاب بأمراض معدية تستدعي المكوث في المنزل حتى يتم التأكد تماما من شفائه، ومن ثم يتم كتابة إخطار طبي للمدرسة يؤكد شفاء الطالب من المرض واستعداده للمواظبة على الدوام المدرسي.

طبيب: تحرير العذر بعد معاينة المريض

عن الحالات التي تستوجب إعطاء المريض ورقة العذر الطبية قال الدكتور سعد رجاء طه الطبيب في إحدى العيادات الحكومية: هناك أسباب عدة تستدعي تحرير الطبيب لمريضه ورقة عذر الغياب فبعض الأمراض كالأنفلونزا أو الزكام، آلام الظهر، أو إصابات الكسر يعتمد علاجها بشكل كبير على الراحة التامة، ولا تحرر الورقة إلا بعد معاينة المريض وتحديد الحالة التي يتوجب فيها إعطاؤه العذر،

وبحسب طبيعة المرض تتحدد الأيام التي يجب أن يخلد فيها المريض إلى الراحة، وعادة ما تكون بين يوم ويومين، وقد تمتد لأسبوع أو أكثر إذا كانت الحالة معدية، وفي بعض الأحيان يحتاج المريض إلى شهر أو أكثر عند العمليات الجراحية، كجراحة في القلب مثلاً.

ويتابع : يتغيب بعض الطلاب عن دوامهم المدرسي لأسباب منها، الهروب من امتحان لم يستعدوا له مسبقاً، أو رغبة منهم في التغيب هكذا دون دواع مرضية أو لأسباب غير مقنعة، وتبقى ورقة العذر التي يقدمها عادة الطبيب لمراجعه، الملاذ الأخير الذي يبرر به عذراً رسمياً لغيابه، خاصة انه لا يتم اعتماد الأعذار الطبية من العيادات أو المشافي الخاصة، لكن من واجب الطبيب عدم تقديم هذه الأعذار إلا في حال وجود الأسباب المرضية كالحالات المذكورة آنفاً.

إضاءة على الأسباب

تشكو بعض مقاعد الدراسة من تغيب أصحابها عنها، وقليلاً ما نجد عدد طلاب الصف كاملاً، فلابد من تغيب واحد أو اثنين على الأقل، ويمكن إيجاز أسباب المشكلة في عدد من النقاط:

  • عدم شعور الطالب بالمسؤولية تجاه نفسه، وتجاه واجباته والتزاماته.
  • عدم إدراك الطالب لأهمية المدرسة كونها إحدى المؤسسات التعليمية المهمة ، واعتقاده بأنها مرحلة لابد من التجاوب معها لتجاوزها، سواء أكان هذا التجاوب سلبيًا أم إيجابيًا.
  • خوف الطالب من المدرسة والدراسة، لعدم ثقته في قدراته أو لخوفه من الفشل.
  • تخلي الأسرة مبكرًا عن أدوارها في المراقبة والمتابعة.
  • إسهام الأسرة في تعزيز اللامسؤولية عند الأبناء، بمساعدتهم في الاستمرار على الخطأ، فليس من الصواب أن يعالج الوالدان أخطاء أبنائهم بإيجاد تبريرات لتلك الأخطاء.