أجرت صحيفة «كلارين» الأرجنتينية حوارا مؤخرا مع المؤرخ بول كيندي تناول فيه الأستاذ في جامعة «يال» الهزيمة الجمهورية في الانتخابات النصفية الأخيرة للكونغرس الأميركي، التي يرى فيها إمكانية لوضع حد لسيطرة المحافظين الجدد على البيت الأبيض، فضلا عن أن هذه الفئة، حسب رأيه طبعا، تركت الولايات المتحدة أمام خيارات إستراتيجية قليلة ومشكلة بلا حل في العراق ويؤكد أن حكومة جورج دبليو بوش ليست حادثا عرضيا في التاريخ، بل إنها تعكس الأسلوب الذي يرى من خلاله جزء من المجتمع الأميركي العالم مكرراً أخطاء محافظين جدد آخرين. وفيما يلي نص الحوار:

ـ منذ أكثر من عقد، كتبتم مقالا مليئاً بأسئلة بلا أجوبة حول السكان والاقتصاد والفقر. وعبرتم عن قلق كبير حيال المستقبل ووصفتم حالة من الجحيم الاجتماعي مشبعة بصراعات مستقبلية . ما الذي تشعرون به الآن؟

ـ السؤال الذي طرحته هو: هل هو مريح لجنسنا البشري الدخول إلى القرن الـ 21 في ظل معادلة تفيد بأن هناك ما نسبته 15% من السكان تسيطر على 85% من الثروة في مقابل 85% من السكان عليها تقاسم تلك النسبة الضئيلة المتبقية والتي تقدر بحوالي 15% من الثروة.

وإذا ما سألتموني عن إحصائيات اليوم، فإني أعتقد أنها ليست أفضل بكثير، إذ أن فارق الدخل يبلغ مئة ضعف بين الناس الأكثر ثراء والناس الأكثر فقرا. وأنا أعلم أن البعض يعتبرني أحيانا متشائما كونيا، لكن وسائل الإعلام الحرة والتي تعمل في ميدان القطاع الخاص، مثل «بزنيس ويك» .

أو «وول ستريت جورنال»، التي غالبا ما تتحدث عن قصص ناجحة ونادرا ما تتحدث عن ذلك الواقع الذي يفيد بأنه منذ عام 1975 والدخل في 40 بلدا أسوأ اليوم مما كان عليه قبل 40 عاما. ـ كما أن العالم لم يكن معلوما في تلك اللحظة أنه في طريقه إلى أن يصبح أكثر خطورة بكثير...

ـ من الممتع الحديث اليوم مع سياسيين أميركيين وبريطانيين كبار في السن والذين يقولون: كم كانت الحرب الباردة سهلة. وأنا أفترض أنهم كانوا يشعرون بنوع من البساطة غي عالم ثنائي القطب. هناك أمران باتا أكثر خطورة: الأمر الأول هو انتشار المعرفة حول التكنولوجيا النووية وزيادة قدرة بعض اللاعبين على إنتاج الطاقة النووية. والخطر الثاني الأكبر هو خطر اللاعبين غير الحكوميين وعلى وجه الخصوص الإرهاب العالمي.

ـ هل كان ليظهر هذا النوع من الإرهاب من دون أزمة الشرق الأوسط؟

ـ الشرق الأوسط أكثر تشددا وعنفا وهو يبدو لنا كذلك لأنه على الرغم من أننا وجهنا ملاحظات تهكمية حول بوش الأب عندما تحدث عن «نظام عالمي جديد», إلا أنه يبدو كذلك عمليا بعد مضي 15 عاما، فلقد كان الإتحاد السوفييتي قد تفكك سلميا وانتهى النظام العنصري في جنوب أفريقيا وأميركا الوسطى هدأت.

ـ هذا صحيح، لكنهم تركوا الشرق الأوسط في مهب الريح...

ـ نعم، وهذا يندرج في إطار أسلوب الدعم الأكثر جنونا المقدم إلى إسرائيل، مهما فعلت إسرائيل. وهذا ما قاله بوش أيضا. إذا كنت تفكر بأن إسرائيل هي إسرائيل العهد القديم و موعظة يوم الأحد، فإنه يتعين عليك دعمها بكل السبل إذن. أنا لا أتخيل أنه خطر على بال أيزنهاور فكرة أن أحدا يطبق سياسته في الشرق الأوسط تبعا للتفسير الوارد في أسفار العهد القديم.

* هل هذا ينسحب على الحرب في العراق أيضا؟

ـ لماذا هاجم بوش العراق؟ إنه شخص مثالي يعتقد بأنه واقعي وقائد عسكري شديد المراس، لكنه مجرد مثالي. وربما يكمن مرد ذلك في انبعاث الإيمان المسيحي لديه، فالمسيحيون من هذا القبيل يعتقدون بأن العالم قائم على اللونين الأبيض والأسود وبأن الشر يمضي هناك. بوش لديه فهم مشوش وخاطئ عن الماضي .

وهذا يؤثر على المستقبل. فضلا عن أن المحافظين الجدد يقولون له إنه من الضروري تشجيع الديمقراطية عن طريق وسائل فعالة. وأن ذلك الرجل في بغداد كان بمثابة أدولف هتلر آخر وأنتم ربما تتذكرون بعض الرسومات الكاريكاتورية التي يظهر فيها شارب هتلر وشارب صدام والتي عرضوها أما الشعب الأميركي المرة تلو الأخرى .

وقالوا له إنه لن يكون من الصعب الإطاحة بذلك النظام وإن كل شيء سيكون عذبا وتقدميا.

ـ أقل ما يمكن أن يوصف ذلك به هو أنه لم يكن سوى أحلام...

ـ نعم، أحلام... مجرد أحلام، إلى أن وصلنا إلى الوضع الحالي. مع أني اعتقدت أنه من الغباء الذهاب إلى العراق وكتبت بعض المقالات قائلا إن ذلك كان خطأ. وأنا لا أشعر بالفخر كوني لاحظت ذلك. فلقد كان من الأفضل لو أن الحرب سارت بالاتجاه الصحيح وأدت الغرض منها، لكن الأمر لم يكن كذلك. فلقد تجاهلوا الأصعب المتمثل في الدخول إلى الشرق الأوسط والخروج منه.

ـ هل يتطاول ذلك التجاهل أو الجهل مشكلا تهديدا لإيران؟

ـ لا أرى أنه من الممكن أن يكونوا قادرين على عمل الكثير حيال إيران أو كوريا الشمالية. فأولا هناك نتائج الانتخابات النصفية وواقع أن الديمقراطيين الذين يسيطرون على اللجان الأساسية فيهم كثير من الأشخاص الأكثر تشددا وانتقادا. ولذلك فإن الجمهوريين سيواجهون مشكلات كثيرة مع الكونغرس.

وثانيا، بسبب ما يحدث في العراق. وهناك جدال دائر في واشنطن تطرح فيه أسئلة عديدة من نوع: هل يتعين علينا إرسال 60 ألف جندي إضافي؟ ومن أين نسحبهم؟ تلك هي طبيعة النقاش الدائر في واشنطن، التي باتت مكانا محبطا بالنسبة لمعظم الأميركيين الذين من غير المستحسن أن يتكلموا حتى حول فكرة اتخاذ إجراءات ضد إيران.

ـ لا يعرف بوش كيف يخرج من العراق، لكنه لا يقبل كذلك باقتراحات لجنة جيمس بيكر كي يتفاوض مع إيران وسوريا.

ـ الجميع في واشنطن كان ينتظر تلك اللجنة. الديمقراطيون، لأنه يؤكد انتقاداتهم. وأنا لا أستطيع القول إن بوش كان ينتظر التقرير بفارغ الصبر، لكنه نعم يبدو إعلانا سياسيا ذو شطرين، لا يذكر كلمة انسحاب مع أنه سيكون من الصعب على بوش القول إنه لا يتفق مع هذا التقرير.

ـ كيف تصف هذه الحكومة ومحافظيها الجدد؟ هل تراهم يمثلون حادثا عرضيا في التاريخ أم معطى يتعلق بإمبراطورية تعاني من مشكلات جسيمة؟

ـ لا أعتقد بأنهم يمثلون حادثا . أعتقد أنهم يعكسون حركة اجتماعية أميركية،والشكل المحافظ للتفكير في الخير والشر والسياسة الاجتماعية والدولة الكبيرة وقضية مثليي الجنس والإجهاض. بوش ورجاله لم يعرفوا أين تقع بغداد والغالبية لا تزال لا تعرف، لكن ذلك كان نمط الحياة المحافظ، الذي كان يوحي لهم بأنهم سيطرحون على بساط البحث من قبل كل أنواع القوى الماكرة.

ـ هل ذلك ما يفسر نفور بوش من الدبلوماسية؟

ـ حسنا، إنه يتعلم أن الدبلوماسيين مهمين. لكنه يتعلم ذلك مكرها. واستقالة دونالد رامسفيلد مثيرة للاهتمام، لكن ديك تشيني لا تزال له يد طولى في واشنطن وهذا أمر على جانب كبير من الأهمية. مشكلة بوش تكمن في أن المحافظين الجدد يقنعونه بأن للولايات المتحدة مهمة مثالية وأن المثالي لا يقبل الفشل. فإذا كان لديك عقلية براغماتية مثل عقلية بسمارك لقلت: حسنا، لنقر هذا التوجه وإذا لم ينجح فلنقر توجها آخر.

إذا كنت مثاليا فإنك تعتقد بأنه ليس هناك سوى طريق واحد. لكن يتعين على بوش أن يتعلم الآن أن الاعتماد على الدبلوماسية ضروري ولا مناص منه وأن هناك الكثير من بلدان أوروبا وآسيا والشرق الأوسط التي تقول : لماذا يتعين علينا مساعدته؟

ـ هل نشهد تكرارا للحالة الجزائرية أو الفيتنامية؟

ـ شارل ديغول قرر حيال الجزائر ما قرره ريتشارد نيكسون تماما حيال فيتنام: ليس هناك طريقة للفوز. ونحن لا نستطيع الفوز وعلينا الرحيل، آخذين بعين الاعتبار أن الحجج التي يطرحها المحافظون الجدد اليوم تتماثل إلى حد كبير مع تلك التي كانت تطرح عشية مغادرة فيتنام حينما قيل إنه إذا ما انسحبنا من فيتنام فستسقط ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا.

وإذا ما خرجنا من الجزائر فإن كل منطقة شمال أفريقيا ستعود معادية لفرنسا، نحن لا نستطيع معرفة المستقبل بما في ذلك مستقبل العراق، لكن يستحق العناء القول للمحافظين الجدد الأميركيين الحاليين إني سمعت حجتهم في السابق، سمعتها عندما قالها المحافظون الجدد الفرنسيون حول الجزائر وحين قالها المحافظون الجدد الأميركيون حول فيتنام . لكن ما الذي يجعلهم يعتقدون بأنهم على حق؟

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «كلارين» ـ الأرجنتين