رغم أن كل الظروف بدت مواتية في أواخر عقد الثمانينات لجهة تعزيز فرص التسوية، وهو ما انعكس في الجهد الذي قامت به مصر من خلال مبادرتها وكذا مبادرة بيكر، إلا أنه لم يقدر لهذه الجهود أن تتواصل بفعل عوامل داخلية في إسرائيل فضلا عن الانتفاضة الفلسطينية.

غير أن المؤلف يشير في محاولته لإثبات صحة الرؤية التي يتبناها بشأن التأثيرات الكبيرة التي تمثلها التطورات الخارجية عن الصراع على مجرياته إلى أن النظام الدولي شهد فيما بعد تطورين كان لهما أثرهما الحاسم وتمثلا في غزو العراق للكويت وتفكك الاتحاد السوفييتي اللذين فرضا حقائق جديدة على الأرض كان لها تأثيرها على مجريات الصراع رغم الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبته القيادة الفلسطينية، حسبما يذكر المؤلف، لجهة تأييدها لعملية الغزو.

في استعراضه لتطورات هذه الفترة، يشير المؤلف إلى أن الفضل في التحركات التي شهدها الصراع نحو التسوية لا يعود إلى القادة الفلسطينيين وإنما إلى موقف الرئيس الأميركي بوش الأب لجهة التزامه بتنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه وعززه الضغوط من قبل الدول العربية التي شاركت في الجهد الأميركي لإجلاء صدام عن الكويت.

لقد فتحت الحرب آفاقا لم تكن منظورة من قبل تجاه السلام خاصة في ضوء ما جرى من توافق أميركي مع أكثر الدول العربية راديكالية وهي سوريا والتي كان لها دور ملموس في نجاح المساعي الأميركية في حرب الخليج. لقد كانت سوريا أحد أعمدة الموقف العربي الرامي إلى التخلي عن تحفظ الدول العربية تجاه مساندة المواقف الأميركية.

وعلى شاكلة رؤية كيسنجر التي طرحها عقب حرب أكتوبر من أن الحرب يمكن أن تتيح فرصا للسلام، راح بوش الأب يعلن في خطبة له في 6 مارس 1991 التزام إدارته بالتوصل إلى تسوية للصراع العربي الإسرائيلي .. «إننا يجب أن نفعل كل ما هو ممكن لتجسير الفجوة بين إسرائيل والدول العربية وبين إسرائيل والفلسطينيين.. لقد حان الوقت من أجل وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي».

وعلى ذلك يشير شلومو بن عامي إلى أن الطريق إلى مدريد مهدت له مجموعة من العوامل الفريدة .. انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى عالمية .. ولقد كان لذلك تأثيره على إدراك العرب بأن الطريق إلى تحرير أرضهم إنما يجب أن يمر عبر السلام وليس الحرب كما أشرنا سريعا في الحلقة السابقة.

زلزال حرب الخليج

فضلا عن ذلك فإن حرب الخليج مثلت ضربة نفسية وزلزالا استراتيجيا داخل إسرائيل. لقد أطاحت بمذهبها الإستراتيجي الداخلي، فبدلا من زعمها على الدوام بأنها تمثل حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة والغرب، تراجعت منزلتها إلى الحد الذي أصبح مطلوبا منها ليس تقديم المساعدة وإنما السكوت في مواجهة صواريخ صدام التي كانت تسقط على مواطنيها، في ضوء حقيقة أن أي رد فعل إسرائيلي يمكن أن يقوض التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة من أجل إخراج القوات العراقية من الكويت.

ويشير المؤلف هنا إلى تراجع نظرية الردع الإسرائيلي، وكذلك انهيار نظريتها بشأن أهمية توسيع نطاق عمقها الأرضي من أجل حماية أمنها أو بمعنى آخر التوسع في احتلال الأراضي، حيث لم يمنع احتلالها الضفة الغربية من تعرض تل أبيب للقصف بصواريخ النظام العراقي.

والخلاصة التي ينتهي إليها هي أن حرب الخليج الثانية مثلت ضربة قاصمة لنظرية الأمن الإسرائيلي وللتقدير الإسرائيلي للذات في ظل قيام قوات أميركية بالإشراف على نصب بطاريات باتريوت لحماية الدولة اليهودية من هجمات النظام العراقي.

وعلى الجانب العربي المقابل يذهب شلومو بن عامي إلى القول إن العرب كانوا في الهم سواء مع إسرائيل.. فمن ناحية، أدت الحرب بهم إلى تبني تصور يقوم على حتمية الوصول إلى تسوية مع إسرائيل في ضوء الدرس الذي يرى المؤلف أن العرب تعلموه من تجربة الغزو ..

فقد تزايد لدى القيادات العربية إدراك مفاده أن الصراع مع إسرائيل أدى إلى تراجع استقرار أنظمتهم وليس تعزيزها، والمؤلف في ذلك لديه بعض الحق في ضوء ما كانت تذهب إليه بعض التصورات لدى عدد من الأنظمة العربية من استغلال القضية الفلسطينية في تعزيز شرعيتها.

وعلى ذلك فإن شلومو يرى بأن العرب توصلوا إلى نتيجة مفادها أن الصراع مع إسرائيل شتت أنظارهم بشأن عدد من القضايا الأخرى التي يمكن لها أن تقوض استقرار الأوضاع في المنطقة وليس فقط الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم صحة ذلك جزئيا،

إلا أن ذلك لا ينفي بأي حال الفكرة التي يؤكد عليها المؤلف بنفسه في أجزاء مختلفة من الكتاب وتتمثل في محورية الصراع بشأن فلسطين وتأثيره بالسلب على كافة الأوضاع العربية. ومن الجوانب الأخرى التي يشير إليها المؤلف ويعتبرها نتاج حرب الخليج هزيمة من يصفهم بالراديكاليين العرب.

كما أن بوش الأب وفي محاولة لاتخاذ موقف متوازن يحقق ما وعد به خلال الحرب اضطر إلى سلوك مواقف بدت على غير ما تهوى قيادة تل أبيب، ومن ذلك إشارته إلى عدم منح إسرائيل ضمانات القروض بعشرة مليارات دولار من أجل تسكين المهاجرين اليهود الروس إذا ما أصرت حكومتها على سياسة المستوطنات وعدم الاستجابة للمبادرات السلمية للرئيس الأميركي.

ويخلص شلومو بن عامي من ذلك إلى أن شامير إنما تم اقتياده إلى المشاركة في مؤتمر مدريد من قبل الرئيس بوش، وكانت الرسالة الواضحة من مواقف بوش هو أنه إما أن تحتفظ الحكومة الإسرائيلية بصداقة الولايات المتحدة أو تحتفظ بالأراضي، وليس الاثنين معاً. ويمتدح المؤلف بناء على هذا الرصد قدرة الرئيس بوش الأب مشيرا إلى أنه لم يثبت مقدرة كبيرة على بناء تحالف متماسك من أجل الحرب فقط، وإنما نجح كذلك في إظهار قدرة عالية على إدارة العملية الدبلوماسية من أجل السلام في الوقت ذاته من خلال مؤتمر مدريد.

احتكاك إسرائيلي ـ أميركي

لقد كان المؤلف أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي في مؤتمر مدريد الذي كان يحظى حسبما يذكر للمرة الأولى في التاريخ بدعم دولي غير مسبوق من أجل التوصل إلى حل شامل للصراع. ويشير إلى أن الوفد الفلسطيني شارك على قدم المساواة مع بقية الوفود وإن كان من خلال وفد بالوكالة عن منظمة التحرير الفلسطينية.

ومن لحظة مدريد يؤرخ شلومو بن عامي لبداية العلاقة الأميركية- الفلسطينية على طريق السلام حيث كان كل من بوش وبيكر يمارسان كل ضغطهما على شامير. ومما يذكره شلومو بن عامي في هذا الخصوص أن اللقاءات التي سبقت المؤتمر بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي شامير لم تكن تعكس على الإطلاق أجواء علاقة بين حليفين خرجا للتو من عملية نجحا بشكل كبير في التنسيق بشأنها وهى حرب الخليج،

بل على العكس سادت هذه اللقاءات أجواء توتر خاصة عندما أصر الرئيس الأميركي على التأكيد على أنه لم يعد تل أبيب بقبول تسوية سياسية تراها هي للأزمة مكافأة لها على موقفها الكابح لجماح الرد على هجمات صدام خلال الحرب، حسبما اعتقد شامير.

ويوضح المؤلف أن شامير كان يتأرجح بين شعورين خلال المؤتمر أولهما أنه تحت الحصار من قبل فريق بوش وليس لديه أي قدرة على المناورة والحركة، وثانيهما إبداء قدر من عدم الاهتمام أو اللامبالاة بما يجري حوله في ضوء أنه مفروض عليه ولا يملك القدرة على دفعه، الأمر الذي يشير شلومو إلى أنه لمسه بنفسه لدى اقترابه من شامير أثناء إلقاء الزعيم السوفييتي غورباتشوف كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر حيث راح يسأله عن رد فعله فكان رد شامير: لا أعرف إنني أشعر بالرغبة في النوم!

غير أن الأميركيين لم يتيحوا له الاستغراق في النوم، فبدون أي نوع من التشاور مع إسرائيل أو شامير، استدعوا أطراف المفاوضات بعد مدريد مباشرة إلى محادثات ثنائية في واشنطن. وقد أجبر شامير على غير رغبة منه على إرسال وفوده إلى العاصمة الأميركية من دون أن يعني ذلك أنه كان على استعداد لتغيير مواقفه المعروفة أو التحرك عنها قيد أنملة.

لقد كانت النتيجة المنطقية لذلك، وفق سرد شلومو لتطورات الموقف آنذاك هي تحول المفاوضات إلى نوع من تضييع الوقت. وتفيدنا هذه الصورة التي يقدمها المؤلف على جانبنا العربي في التأكيد على عدة أشياء كثيرا ما يجانبنا الصواب في التعاطي معها أبرزها، وفقا لتطورات سياق مؤتمر مدريد وحسب الرواية التي يقدمها شلومو بن عامي من داخل مطبخ السياسة الإسرائيلية في تلك الفترة،

أن المؤتمر كان يعكس رغبة أميركية وليس رغبة إسرائيلية ولعل انخراط إسرائيل فيه يشير إلى أنها تلعب في كثير من الأحيان دور الوكيل الذي توظفه واشنطن لمصلحتها حتى ولو تعارضت مع مصلحة تل أبيب، ما يعني أن التوظيف الإسرائيلي للولايات المتحدة إنما يتم في حدود وأن التوافق في سياسة الجانبين

إنما يعكس مصلحة أميركية بالأساس تليها مصلحة إسرائيلية وهو ما نلمسه مثلا في قضايا أخرى منها الحرب على الإرهاب، وكذلك الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان لتدمير قدرات حزب الله الأمر الذي كان يمثل هدفا أميركيا بالأساس لم تبال معه واشنطن بالخسائر الإسرائيلية وإن حاولت احتواءها في نهاية الأمر بالدبلوماسية.

تصلب شامير

بالعودة إلى حديث شلومو نجده يؤكد على أن أجواء المفاوضات تلك أدت إلى صعوبة إن لم يكن استحالة تجسير الفجوة بين الأطراف المنخرطة فيها، مؤكدا مرة أخرى على أنها أصبحت على هذا الأساس بمثابة مضيعة للوقت ويبدو أن تلك إستراتيجية إسرائيلية ثابتة إذا ما رأت أنها محاصرة بالانخراط في مفاوضات،

وهو ما يؤكد صحة الأساس الذي يدعو إليه بعض الفلسطينيين في مراحل مختلفة من الصراع من انه ليس المهم فقط بدء مفاوضات وإنما تحديد أسسها وما يمكن أن ينجم عنها من نتائج، الأمر الذي نجده في الوقت الحالي ممثلا في موقف حماس بغض النظر عن إدارتها لمجريات القضية ككل في الوقت الراهن.

لقد كان الموقف الذي دخل على أساسه المفاوض الإسرائيلي في المحادثات آنذاك وفق تعليمات من تل أبيب يتمثل في أن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء إنما يمثل تطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم 242 وأنها لن تنفذ انسحابا مماثلا على الجبهات الأخرى.

كما أصر الوفد الإسرائيلي على موقف مؤداه أن بلاده لن تسمح بأن يؤدي الحكم الذاتي الفلسطيني المقترح إلى دولة مستقلة. لم يكتف شامير بذلك وإنما أشار بوضوح إلى أنه يعتزم حال وجود رفض أميركي لهذه التوجهات والضغط عليه من أجل تغييرها إلى أنه يعتزم استئناف عملية توسيع المستوطنات.

لقد كان ذلك بمثابة إقدام على الانتحار السياسي من قبل شامير، ووفقا للمؤلف فإن الانتخابات كانت قد اقتربت وإذا كان الإسرائيليون يبدون حماسا لزعمائهم الذين يصطدمون بالعرب أو إلى حد ما الأوروبيين، غير أنهم يرون أن ذلك يجب ألا يتم مع الولايات المتحدة. وفي المقابل فقد عمل بوش وبيكر على توجيه رسالة إلى الإسرائيليين مؤداها أنهم اذا كانوا يريدون الحصول على ضمانات القروض فإنهم يجب أن يغيروا رئيس الوزراء.

من ناحية ثانية فإن أحد أبعاد الضعف الذي شاب موقف شامير على ما يذكر المؤلف هو أن الإسرائيليين، على عكس حكومتهم، انتابهم التفاؤل بشأن طبيعة الفترة المقبلة فيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستغلال ذلك التطور في الدفع بعملية السلام،

الأمر الذي لمسه اسحق رابين والذي على أساسه كان اقتراحه بتغيير جذري في الأولويات الوطنية لإسرائيل.. باعتبار أن الأوقات الجديدة والتحديات الجديدة تتطلب قيادة جديدة. وعلى هذا يقرر المؤلف أن رابين كان الرجل المناسب في المكان المناسب في اللحظة المناسبة.

مسار أوسلو

يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى مسار أوسلو محاولا تقديم رؤية معمقة بشأن طبيعة النزاع مشيرا إلى الطبيعة الخاصة للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنه يتجاوز كونه نزاعا على أرض إلى أبعاد أخرى ويعرض في هذا الخصوص للرؤية العربية للصراع. ويخلص من ذلك إلى أن صراعا على هذا النحو من الصعب أن يتم تحقيق اختراق بشأنه من خلال الوسائل الدبلوماسية التقليدية.

بعبارة أخرى يريد المؤلف التأكيد على أن حقائق الواقع على الأرض كانت تشير إلى أن كلا الطرفين يشعر بصعوبة تحقيق الانتصار على الآخر، فالطرف الإسرائيلي يجد صعوبة في القضاء تماما على الفلسطينيين، وكذلك فإن الفلسطينيين يجدون صعوبة بالغة في الإجهاز على الدولة الإسرائيلية أو تدميرها

وأن ذلك الفهم، حال إدراكه من قبل أطراف الصراع، ينعكس في بحثهما عن وسائل خلاقة يمكن بها الوصول إلى تسوية الصراع بأي وسيلة من الوسائل، ومن هنا جاء مسار أوسلو، الأمر الذي كان يعكس تفكير رابين بشأن الحاجة إلى نظرة واسعة المدى إلى أولويات إسرائيل.

وبعد أن يعدد المتغيرات التي فرضت مثل هذا التوجه وكان قد تطرق إلى بعضها من قبل يشير إلى التأثير الذي لعبته الانتفاضة حيث أثبتت للإسرائيليين، على حد ما يذكر، أن المجتمعات الديمقراطية ـ يقصد إسرائيل ـ غير مهيأة لمحاربة أو خوض صراعات على خلفية مطالبات الشعوب بالاستقلال.

لقد فعلت الانتفاضة فعلها لجهة تقويض المسعى الإسرائيلي استمرار السيطرة على الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون، كما كشفت مزاعم الحديث عن وجود احتلال ذي وجه إنساني. هنا يتطرق شلومو إلى المقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وبين الوضع في جنوب أفريقيا

مشيرا إلى أوجه للتشابه رغم أن القضية في جنوب أفريقيا كانت تتمحور حول صراع عرقي بين أغلبية سوداء وأقلية بيضاء، فيما أن الصراع مع الفلسطينيين إنما هو صراع قومي وديني، ومن هنا يشير إلى أنه على شاكلة انتفاضة سويتو في 1976 جاءت الانتفاضة الفلسطينية بمثابة صدمة للمجتمع الذي يمارس السيطرة إزاء حقيقة فشل وسائل القوة التي تتمتع بها الدولة في وقفها.

وينتهي من ذلك إلى أنه ليس فقط في سويتو أو الأراضي الفلسطينية خرج الموقف على السيطرة فقط وإنما كانت النتيجة في كلا الحالتين هي الهزيمة السياسية والأخلاقية للمجتمع الذي يمارس سيطرته. وعلى نفس المنوال الذي ذهبت إليه الأقلية البيضاء المسيطرة في جنوب أفريقيا من تصور

أن المفاوضات قد تكون الوسيلة التي تمكنها من الاحتفاظ ببعض سلطتها، كان توجه الساسة الإسرائيليين وبعض المؤسسات الفاعلة لجهة تشجيع التحرك نحو تسوية مع منظمة التحرير الفلسطينية انطلاقا من رؤية يحكمها تصور أن عملية السلام ستتطور إلى حال يؤمن السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

بمعنى آخر أن سلوك الطريق نحو السلام من قبل إسرائيل إنما جاء جراء إدراك قادتها ـ رابين بالأساس ـ أن تكلفة السيطرة أعلى من تكلفة تخفيف القبضة الإسرائيلية على الفلسطينيين الأمر الذي يفصل المؤلف في شرحه بالقياس إلى تجربة جنوب أفريقيا.

غير أنه يشير إلى أن تلك العلاقة من الطبيعي ألا تلقي بتأثيراتها السلبية على الفئة المسيطرة فقط وإنما على الخاضعين لهذه السيطرة وهم الفلسطينيون في هذه الحالة ما وفر في النهاية الأجواء للبحث عن اختراق على طريق السلام، ويقدم شلومو بن عامي هنا استعراضا تفصيليا كذلك للموقف على الجانب الفلسطيني الذي شعر بوطأة تطورات ما بعد حرب الخليج من نواح عدة.

أبعاد الوساطة الأميركية

من هذه النقطة يقفز المؤلف إلى دور كلينتون مشيرا إلى أنه ـ حسب قوله ـ لم يوجد رئيس أميركي انغمس في الصراع العربي الإسرائيلي على النحو الذي فعله كلينتون. وكان دافعه إلى ذلك هو شعوره بواجب أو رسالة مؤداها إقرار السلام بين العرب وإسرائيل.

وفيما يمثل حرصا على إكساب تحليله موضوعية يشير إلى أن ذلك بالطبع لم يكن المحرك الوحيد لكلينتون فقد كان يقف خلف التحرك الأميركي توجه الإدارة الذي كان يحكمه تصور يقوم على أساس سياسة الاحتواء المزدوج للدول الراديكالية في المنطقة وبشكل أساسي العراق وإيران.

وقد كان فلسفة إدارة كلينتون، حسبما يقدمها المؤلف، تقوم على أساس أن الانغماس في العملية السلمية بين العرب وإسرائيل يمكن أن يمثل مساندة ودعم للدول العربية المعتدلة، وجذبها لجهة تأييد سياسة الاحتواء المزدوج وفي نفس الوقت منع الدول الراديكالية من محاولة تقويض العملية السلمية.

وعلى ذلك فإنه إزاء إخفاق محادثات واشنطن في الأيام الأخيرة لإدارة بوش الأب في تحقيق نتائج ذات قيمة وكذا ما بدا من تعثرها في العام الأول لتولي كلينتون الحكم كان التوجه إلى الاستفادة من التجربة المصرية الإسرائيلية في بدء مفاوضات سرية اعتبارا من 1977 ومن هنا برزت فكرة مفاوضات أوسلو باعتبارها الطريق الوحيد الممكن لتحقيق اختراق على طريق السلام من خلال مفاوضات سرية.

وهنا يقرر شلومو بن عامي نتيجة تعبر عن مفارقة وتبدو مثيرة للدهشة مؤداها أنه على الرغم من الانغماس الكبير للمجتمع الدولي في كل من النزاع وفي المحاولات المجهضة للتوصل إلى حل بشأنه، فإنه من الملاحظ أن الاختراقات الأساسية التي تحققت إنما تمت بدون دعم أو حتى علم قوى خارجية.

ويستعين في التأكيد على صحة النتيجة التي يذهب إليها بالإشارة إلى مبادرة السادات بالذهاب إلى القدس وأنها جاءت في ظل أجواء كان يتم خلالها الإعداد لعقد مؤتمر جنيف، وكذلك المفاوضات السرية التي تمت بشان السلام مع الأردن وأخيرا سلام أوسلو.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق