تعتمد التوصيات العسكرية التي أصدرتها، مؤخراً، مجموعة دراسة العراق على الأمل أكثر منه على التاريخ وتسير بعكس اتجاه التقييمات التي وضعها بعض من مستشاريها العسكريين. ومنذ الغزو على العراق عام 2003، كافحت الولايات المتحدة عبثاً من أجل كبح جماح العنف في العراق وتعزيز قدرات القوات الأمنية العراقية. والآن تفترض مجموعة دراسة العراق أن الولايات المتحدة يمكنها أن تنجز في أكثر من عام بقليل ما عجزت عن تنفيذه في ثلاثة أعوام.
في جوهر الأمر، تتصور مجموعة دراسة العراق أن الدمج السريع للمدربين العسكريين الأميركيين سيقوم بتحسين القوات الأمنية العراقية بدرجة كبيرة بحيث أن جميع الألوية القتالية الأميركية قد يتم سحبها عملياً بحلول الجزء الأول من عام 2008. وتقول مجموعة دراسة العراق : «بحلول الربع الأول من عام 2008، رهن بعدم حدوث تطورات غير متوقعة في الوضع الأمني على الأرض، فإنه يمكن سحب كافة الألوية القتالية غير الضرورية لحماية القوات من العراق».
وصف جاك كيني، وهو رئيس هيئة أركان متقاعد في الجيش عمل في لجنة المستشارين العسكريين التابعة للمجموعة، ذلك الهدف بأنه غير عملي بالمرة. وقال الجنرال كيني في مقابلة معه: «استناداً إلى الموقع الذي نقف فيه الآن، فإننا لن نستطيع أن نصل إلى هدفنا»، مضيفاً أن الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير تتحدث أكثر عن «غياب الإرادة السياسية في واشنطن من الحقائق المؤلمة في العراق».
وتظهر خبرة القادة الأميركيين الصعوبات في تسليم المسؤوليات الأمنية إلى العراق. وفي يونيو، طور الجنرال جورج كيسي، القائد الأميركي الأعلى في العراق، خطة دعت إلى القيام تدريجياً بتقليل عدد فرق الألوية القتالية الأميركية بحلول ديسمبر 2007، إلى 5 أو 6 ألوية فقط من أصل 14 لواء قتاليا كانت منشورة في ذلك الوقت.
وبالتماشي مع هذا النهج، بدأت القوات الأميركية في بغداد بخفض أعداد الدوريات التي تقوم بها في العاصمة، واضعة في حساباتها أن قوات الأمن العراقية ستتولى تلك المهمة. ولكن لم يكد الجنرال كيسي يقدم خطته في واشنطن حتى تم تأجيلها. ومع تصاعد العنف الطائفي في بغداد، قامت الولايات المتحدة بتعزيز قواتها هناك. وقد انخرط المزيد من الجنود الأميركيين الآن في العمليات الأمنية في بغداد أكثر من الجنود العراقيين.
والآن، تقوم مجموعة دراسة العراق بأخذ خطة الجنرال كيسي عن الرف والمضي بها قدماً. إن التوصيات العسكرية النهائية لم يتم مناقشتها مع الضباط المتقاعدين الذين يعملون في لجنة كبير المستشارين العسكريين التابعة للمجموعة قبل نشرها، بحسب ما قاله العديد من هؤلاء الضباط.
يقول الخبراء العسكريون إن هناك العديد من الصعوبات في توصيات اللجنة. أولاً، فإنها تقلل من أهمية التحدي المتمثل في بناء قوة أمنية عراقية قادرة. بعد عدة أعوام من الجهود المتقطعة، اتخذت الولايات المتحدة خطوات من أجل تحديث فرق المستشارين الأميركيين الذين الحقوا بالوحدات العراقية. ولكن تدريب الجيش العراقي ليس مجرد تعليم المهارات القتالية. وإنما يتطلب تحويل الطابع العام للجيش.
«إن الجيش العراقي الجديد سيحتاج إلى أعوام لكي يصبح على قدر التحدي الذي تفرضه حركة مقاومة مسلحة مثابرة وتهديد إرهابي»، هكذا كتب ليفتينانت كولونيل كارل غرونو، وهو مستشار عسكري سابق، في عدد حديث صدر أخيراً من مجلة «مليتاري ريفيو»، وهي مجلة ينشرها الجيش الأميركي. ثمة مشكلة كبيرة، كما لاحظ الكولونيل غرونو، هي أن الجيش العراقي ليس بارعاً في العمليات المضادة للحركات المسلحة أو لا يبدي حساسية كافية تجاه خطر وقوع خسائر في صفوف المدنيين.
وكتب قائلاً: «لا يزالون يخوضون حربهم الأخيرة، الحرب العراقية ـ الإيرانية الضارية التي نشبت في الثمانينات، وهي حرب ذات خطوط معركة واضحة تم خوضها بتشكيلات عسكرية كبيرة، وهي حرب كان فيها المدنيون في ساحة الحرب مصدر إزعاج، وليس مركز جذب». وأضاف: «يتعين على الجيش العراقي تعلم القتال باستخدام استراتيجيات وتكتيكات مختلفة إلى حد بعيد عن تلك التي كانت تُستخدم في الماضي».
حتى وإن زاد عدد المستشارين الأميركيين، فمن غير المرجح أن القوات العراقية ستكون قادرة على تولي المسؤولية كاملة عن الأمن في جميع أنحاء البلاد في غضون أكثر من عام بقليل. فقد احتاج الأمر أربع سنوات، من عام 1969 وحتى 1973، كي تجعل إدارة نيكسون القوات الفيتنامية الجنوبية قوية بما فيه الكفاية كي تعتمد على نفسها وتسحب القوات القتالية الأميركية من فيتنام.
على الرغم من ذلك، فإنه عندما امتنع الكونغرس عن منح الصلاحية بشن هجمات جوية أميركية دعماً لتلك القوات في عام 1975، تمكن الفيتناميون الشماليون بسرعة من إلحاق الهزيمة بالجنوبيين وإعادة توحيد البلاد تحت الحكم الشيوعي. إن الانسحاب السريع للقوات القتالية الأميركية سيحرم الجيش العراقي أيضاً من فرصة العمل كشركاء مع الأميركيين في عمليات موحدة.
«ليست هناك خطة ذات معنى لإيجاد توليفة من قوات عسكرية عراقية فعالة، ورجال الشرطة، ونظام للحكم والعدل الجنائي في المستقبل القريب، بموعد يقل كثيراً عن عام 2008»، حسبما كتب أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مشيراً بذلك إلى مجموعة دراسة العراق.
وذكرت مقدمة التقرير التي كتبها جيمس بيكر ولي هاميلتون، رئيس المجموعة، أن أحد أهداف التقرير كان «المضي بدولتنا باتجاه الإجماع». وتتضمن الدراسة جميع العناصر لتسوية من واشنطن. والأمر الأقل وضوحاً هو استراتيجية عسكرية مطولة ومقنعة من المحتمل أن تنجح في العراق.
مايكل غوردون
ترجمة: كوثر علي عن «نيويورك تايمز»