التراشق بالألفاظ النابية أمر لم يعد مستهجنا في المدارس لأنه يكاد يكون حدثا يوميا يصطدم به العاملون في أروقة المؤسسات التعليمية بشكل مباشر، ورغم اللوائح والقوانين الصارمة التي تتبعها إدارات المدارس إلا أن وتيرة هذا المنحى اللاتربوي تزداد يوما بعد يوم وتأخذ أشكالا أبعد تدعو إلى قلق الاختصاصيين الذين يرون في تفشي استخدام العبارات المسيئة، والنابية بين الطلبة من جهة وبين الطلبة ومعلميهم من جهة أخرى ظاهرة تهدد المعايير الأخلاقية.

عدد من العاملين في الميدان أكدوا انه لا يمكن الحديث عن حلول جذرية للمشكلة في ظل غياب أولياء الأمور وتحميلهم المدارس المسؤولية كاملة متنصلين من دورهم التربوي والسلوكي داخل محيط الأسرة.

وقال الدكتور سيد منصور موجه الخدمة الاجتماعية في منطقة عجمان التعليمية: إن النزعة العدوانية أخذت تنتشر حالياً بصورة كبيرة في مدارسنا شأنها شأن مدارس الدول الأخرى، وهي حقيقة لا مجال لإنكارها وان أردنا تحديد الأسباب لتلك الظاهرة الخطرة، وهل هي مرتبطة بوضع اجتماعي معين علينا النظر للموضوع من وجهة نظر علمية لأن البيئة وغياب الدور التثقيفي التربوي للمعلمين ورفقاء السوء من أهم الأسباب المؤثرة في ازدياد وتيرة هذا الظاهرة كما أن الغياب التام للقدوة يزيد من حدة المشكلة ويدفع الطالب إلى التمرد وعدم إطاعة اللوائح والنظم المعمول بها.

واعتبر عدم جدية الجهات المسئولة في إيجاد حلول للظاهرة زاد من انتشارها حيث إن هذه القضية لم تحظ حتى اليوم باهتمام واسع بما فيه الكفاية وغالباً ما تركزت هذه الأبحاث على عملية إحصائية للظاهرة دون التعمق في أسبابها وطرق علاجها بشكل علمي ووفق نظريات مدروسة ناهيك عن عدم التطرق إلى اقتراحات قد تفيد في الحد منها أو التغلب عليها.

وأضاف سيد منصور لا يكفي الوقوف عند الإشارة للظاهرة إذ يتطلب الأمر بحثا جديا لمعرفة الآليات الصحيحة للتعاطي مع الوضع الراهن وتوزيع الأدوار المنوطة بالجميع دون تخلف أي منها أو اتكاله على الآخر فالبعض يعتقد أن مهمة تعديل سلوك الطالب مهمة توكل إلى المدرسة مع أن البيت والمجتمع شريكان قويان يجب أن يتعاضدا مع المدرسة للقضاء على الظواهر التي أخذت تقوض دعائم المؤسسات التربوية وتؤثر عليه سلبيا.

داعيا إلى تفعيل دور الأسر الغائب على حد تعبيره حيث يرى أن الأسرة فقدت دورها التوجيهي نظرا لانشغال أفرادها بشؤونهم الحياتية موكلين المهمة للإدارات التربوية.

أما أشرف العريان الاختصاصي النفسي في منطقة الشارقة التعليمية فقد عرف العنف سوسيولوجيا، بأنه الإيذاء باليد أو اللسان، بالفعل أو بالكلمة، مؤكدا انه لا يمكننا التعامل مع ظاهرة الألفاظ النابية على أنها هامشية، وذلك لما لها من تأثير على التنشئة الاجتماعية السوية من جهة وعلى رسالة التربية والتعليم من جهة أخرى،

مشيرا إلى أن استخدام العبارات البذيئة والألفاظ الخادشة للحياء تكثر في صفوف الذكور نظرا لمساحة الحرية والانفتاح الأكبر التي يحظى بها الطالب، الأمر الذي يجعله يختلط بشخصيات أكثر ويتناقل عبارات تكون في غالبيتها غير أخلاقية إضافة إلى أن الظاهرة تتمركز في المدارس التي تعاني كثافة طلابية عالية وتعدد في الثقافات والمشارب.

الظروف الأسرية

ويرى قنبر محمود مدير مدرسة المنصور للتعليم الأساسي حلقة ثانية في الشارقة أن انتشار الألفاظ والعبارات النابية في أروقة المدارس هو واقع ملموس يصطدمون به ويحاولون التغلب عليه من خلال دراسة أسباب إقدام طالب دون غيره على اقترافها وهي أسباب تنتج في العادة عن ظروف أسرية تحيط به،

مشيرا إلى ان السبب الرئيسي وراء الاعتداء اللفظي أو حتى الجسدي يعود إلى التنشئة الأسرية غير السليمة وحالات التفكك الأسري التي يعاني منها عدد من الطلبة مشيرا إلى أن علاج واجتثاث مثل هذه السلوكيات التي تتنافى مع القيم والعادات المنبثقة عن الدين الإسلامي يكمن في تعميق ثقافة التسامح والرفق وتقوية أواصر المحبة والاحترام بين الطالب وإدارة المدرسة مشددا على دور الأسرة في تربية الأبناء تربية سليمة داخل إطار من القيم والأخلاقيات التي تحصنه من ارتكاب أي فعل غير سوي.

وقال مدير مدرسة المنصور إننا مطالبون في هذه الفترة بالذات التي تكثر فيها وسائل التغريب والتشويه الأخلاقي بان نكون أكثر وعيا ودراية بآليات التعامل مع الطلبة وإتباع أسلوب الإرشاد والتوجيه ومحاولة اكتساب محبة الطالب وبالتالي القدرة على توجيهه وتغيير أنماطه السلوكية بالشكل المطلوب.

حلول جذرية

ويعتقد المنزلاوي التابعي موجه التربية الإسلامية واللغة العربية في الفجيرة ان ظاهرة التراشق بالعبارات المسيئة التي تتدرج من الإهانة إلى التجريح النفسي بدأت تقلق القائمين على العملية التربوية وتأخذ حيزا في المشاريع والأبحاث التي يقوم بها المختصون في محاولة منهم لتفسير الظاهرة وفق المعطيات الاجتماعية التي تحيق بالطالب المعتدي،

مؤكدا ان وضع الحلول لهذه الظاهرة ليس مسؤولية المدرسة وحدها، بل إنها مسؤولية يشترك فيها المنزل والمعلمون والاختصاصيون الاجتماعيون والمجتمع المحيط ولابد للأطراف المعنية أن تدلي بدلوها من أجل إيجاد حلول جذرية تتلاءم مع عاداتنا وتقاليدنا والأخلاقيات التي يتربى عليها الطالب المسلم.

وحمل عبدالصمد الكمالي الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة حميد بن عبد العزيز في عجمان انتشار الفضائيات وكثرة القنوات الفضائية التي لا تخضع لرقابة أسرية مسؤولية تبني الطلبة العديد من السلوكيات غير السوية ومنها الحديث بطريقة غير لائقة وباستخدام عبارات مسيئة للأدب تلفت الانتباه.

وأوضح أن بعض الطلبة يتداولون مصطلحات بذيئة باللغة الانجليزية معتقدين ان ذلك قمة التمدن والتحضر ولا يجدون من يردعهم خاصة إذا كان دور الوالدين مغيبا تماما نتيجة انشغالهم بوظائفهم وشؤونهم الحياتية مشيرا إلى أن الذكور هم الأكثر توجها نحو التهجم بالألفاظ المسيئة نتيجة لاقترانهم برفقاء السوء وانفتاحهم على المجتمع بصورة غير محدودة.

وطالب الكمالي وزارة التربية والتعليم انتقاء المعلمين الأكفاء لأنهم الأكثر احتكاكا وتأثيرا في الطلبة خاصة وان بعض الطلبة يقلدون قلة من المعلمين يتلفظون داخل الحجرة الصفية بألفاظ غير تربوية ينقلها الطلبة عنهم.

ويرى الطالب ربيع خالد في الصف السابع أن تلفظ الطلبة بعبارات وشتائم تتنافى مع المعايير الأخلاقية مرده الطاقة الزائدة لدى الذكور خاصة أن عدم وجود أماكن لتفريغها سوى بالعنف الحسي أو الجسدي، مشيرا أيضا إلى أن تناقل العبارات وتداولها بين صفوف الطلبة قد يكون بسبب إهمال الأسرة لأبنائها وعدم اهتمامها بمشاكلهم وهمومهم الأمر الذي يدفعهم لاقتراف بعض الأخطاء أملا في لفت الانتباه ولو بطرق غير صحيحة.

راميه اسعد الطالبة في شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا تخصص لغة عربية ترى أن ضعف الوازع الديني ومشاهدة أفلام العنف تدفع الطالب إلى تقليد ما يراه حتى ان كان منافيا للمبادئ والسلوكيات التي تربى عليها ، مؤكدة أن كل الحلول المطروحة لن تكون مجدية إذا لم تدرك الأسرة المهام الجسام المنوطة من توجيه أبنائها نحو استثمار وقتهم في الأشياء المفيدة وإحكام الرقابة على ما يقرأونه أو يشاهدونه وتوجيههم بالحوار الحر المبني على احترام وجهات النظر.

*الذكور والطاقة الزائدة

تذهب فاطمة عقل موجهة الفيزياء في منطقة رأس الخيمة إلى أبعد مما طرح حيث تعتقد أن استخدام الشدة عند تكرار الخطأ لا يجدي في الوصول مع الآخرين إلى الحل الصحيح والإجماع على رأي صائب ولكي نحصل على النتيجة المطلوبة، يجب علينا أن نسلك طريقا بعيدا عن العنف، ونتبع أسلوب التفاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، مشيرة إلى أهمية تجسير الهوة بين الطالب وإدارة مدرسته من جهة وبين المنزل والمدرسة من جهة أخرى.

واعتبرت ان الحل للقضاء على هذه المشكلة هو تضافر الأطراف المعنية وصب جهودها في قناة واحدة هي مصلحة الطالب وان يمارس الأهل صلاحياتهم في تقرير ما هو ممنوع ومسموح وتطبيق ذلك بالفعل لا بالقول فقط

استطلاع ـ نورا الأمير