الانتصار الساحق الذي حققته حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة يؤكد التضارب الكبير الذي تحمله سياسات إدارة بوش حيال الشرق الأوسط. فبوش يضغط من أجل الانتخابات ويخلط بينها وبين الديمقراطية، وذلك في الوقت الذي يبدو فيه أنه لا يرى الأخطار التي تمثلها شعبية الأحزاب اليمينية. وفي الوقت ذاته يواصل الرئيس الأميركي تقويض القوى المعتدلة والعلمانية في المنطقة عن طريق ممارسة سياسة اليد الطولى والسماح لعملائه بانتهاج السلوك نفسه. ونتيجة لذلك ظهرت بعض الأحزاب الأصولية، التي لدى بعض منها صلات قوية بخلايا العنف، لتلعب أدوارا رئيسية على الساحة في العراق ومصر وفلسطين.
إن الديمقراطية لا تعتمد على الانتخابات فحسب، وإنما على حكم القانون وعلى المؤسسات المستقرة وعلى مستوى الأمن والنمو الاقتصادي الذي يتم توفيره للشعب وعلى مجموعة المحاذير والتوازنات التي تحبط وتمنع ممارسة الطغيان والجبروت ضد الشعب. ومن شأن انتخابات تجري في ظل غياب ذلك الإطار الاجتماعي أن تُفرز أنظمة شمولية بالسهولة ذاتها التي يمكن أن تُفرز بها تلك الانتخابات قوى شعبية حقيقية في حال أن تجرى في ظل أجواء أكثر نقاءً. وسواءٌ بمساهمته في إيجاد قوة احتلال أجنبي في الخارج أو بفشله في التعامل مع تلك القوى المقيتة، فإن بوش يزرع بذور حركات إسلامية مسلحة تكتسب شعبيتها مما تملكه من أوراق اعتماد قومية ووطنية.
في العراق، ذلك البلد الذي يعد واحدا من أكثر بلدان العالم حاجة إلى الأمن والاستقرار الاقتصادي، جاءت انتخابات 15 ديسمبر إلى البرلمان بمجموعة من الأحزاب الأصولية الشيعية وجاءت أيضا بقوة جديدة، وهي جبهة التوافق العراقي التي حصلت على معظم أصوات السنة العرب ذوي الميول العلمانية. بعضٌ من القادة السياسيين لتلك الجبهة يحوم حولهم الشك في أنهم على صلة وثيقة بحركة التمرد السنية في البلاد.
وفي مصر رفعت الانتخابات البرلمانية من نسبة تمثيل حركة الإخوان المسلمين من 17 مقعدا إلى أكثر من 70 مقعدا في البرلمان، الأمر الذي جعل من تلك الجماعة لاعبا سياسيا له شأنه على الساحة السياسية في مصر لأول مرة في تاريخ ذلك البلد.. فمنذ عقود حاولت الحركة اغتيال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر واغتالت رئيس الوزراء ولكنها تقول الآن إنها تبنت خطا أكثر اعتدالا. وتهدف الحركة إلى فرض مفهوم متشدد من الشريعة الإسلامية على المصريين بما فيهم النساء.
والآن وصلت «حماس»، التي هي فرع من حركة الإخوان المصرية، إلى سدة السلطة في فلسطين. وفي مؤتمر له عُقد أخيرا تحدث الرئيس بوش عن الانتخابات الفلسطينية بالطريقة ذاتها التي تحدث بها عن فوز الجمهوريين على الديمقراطيين في الولايات المتحدة وقال: «الشعب يطالب بحكومة أمينة وصادقة. الشعب يريد خدمات. ويريد أن يكون قادرا على تربية الأطفال في بيئة تتيح لهم قدرا جيدا من التعليم والرعاية الصحية». لقد بدا بوش وكأنه يتحدث باسم «حماس».
وجاء حديثه ذلك ليؤكد مفارقة كبيرة تمثلت في أن حزبه قد قدم للأميركيين أقل صورة ممكنة للأمانة في عمل أي حكومة على مدار جيل كامل من الحكومات التي مرت على الولايات المتحدة، فقد قلص حزبه من الخدمات بشكل جذري ورفض مد نطاق الخدمات الطبية إلى الفئات التي لا تتمتع بالتأمين الصحي في الولايات المتحدة.
غير أن محاولة الرئيس الأميركي لنعت حركة «فتح» بالفساد وعدم الكفاءة ما هي إلا وسيلة منه للتنصل، على الرغم من صدق اتهاماته، من المسؤولية تجاه ما حدث من ركود في فلسطين. فقد سمح بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بتهميش حزب فتح الحاكم، وهو الحزب الذي كان يتولى رئاسته الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وسمح أيضا له بضرب مراكز الشرطة بالصواريخ وبتهميش دور زعيم الحركة إلى لاشيء تقريبا بعد أن وضعه قيد الإقامة الجبرية.
كما أمر شارون بكل غطرسة باغتيال قادة «حماس» في غزة وجعل منهم شهداءً. وفي غضون ذلك كله استمر تنامي المستوطنات الإسرائيلية ولم تقدم اتفاقيات أوسلو أي شيء للفلسطينيين، وذلك في الوقت الذي تجاهل فيه شارون وبوش خطط السلام الجديدة، سواء أكانت تلك التي أُطلق عليها اتفاقية جنيف التي تقدمت بها عناصر معتدلة من المعسكرين الإسرائيلي والفلسطيني، أو خطة السلام السعودية التي كان من الممكن أن تسوي كل القضايا الرئيسية. وقوضتْ خطوة الانسحاب الإسرائيلي من غزة، التي كان من المفترض أن تمثل خطوة كبيرة في اتجاه السلام، ذلك بسبب رفض الإسرائيليين التعاون مع الفلسطينيين لضمان ألا يؤدي الانسحاب إلى فراغ سلطة أو إلى مزيد من عدم الاستقرار الأمني.
وبعد شعورهم بالإحباط، اندفع الفلسطينيون كما كان متوقعا إلى أقصى اليمين. ولا يعني انتصار «حماس» أن معظم الفلسطينيين يهدفون إلى محو إسرائيل من الخارطة؛ فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن معظم هؤلاء يؤيدون حل إقامة دولتين متجاورتين وإلى أنهم ضجروا من أعمال العنف التي لا نهاية لها. غير أنهم في الوقت نفسه قد سئموا أيضا من السلطة الفلسطينية ويعتقدون أن «حماس» سوف تكون أكثر فعالية في التفاوض مع الإسرائيليين.
وفي هذا الصدد قال أحد مقدمي البرامج السعودية السياسية في حديث له مع وكالة «الأسوشيتد برس»: «حماس ستكون بمثابة شارون العرب. سيتّسمون بالغلظة، ولكن الجماعة التي تتّسم بالشدة في التفاوض هي التي يمكن أن تحصل على تنازلات من إسرائيل».
وبشكل ينم عن تناقض ذاتي مذهل يُذهب العقل، قال بوش والفخار يملؤه عقب فوز «حماس» : «كانت هناك انتخابات فلسطينية أمس وذكرتني نتائجها بقوة الديمقراطية». إذا كانت الانتخابات هي بالفعل الديمقراطية وإذا كان بوش سعيدا جدا هكذا بنتائج تلك الانتخابات، فإننا نتوقع منه أن يتعهد بالعمل في اتجاه تلك النتائج التي هي في ضوء حديثه تشكل تطورا جيدا.
ولكنه في الحديث ذاته عرج بشكل مفاجئ بعيدا عن هذا الاتجاه ليقول: «على الجانب الآخر لا يمكنني أن أرى كيف يمكنك أن تكون شريكا في السلام في الوقت الذي تدعو فيه إلى تدمير دولة أخرى ويكون ذلك جزءاً من برنامجك الانتخابي. وأنا أعلم أنك لا يمكنك أن تكون شريكا في السلام في الوقت الذي يكون لديك جناح مسلح».
إذاً فبوش يقول إنه حتى على الرغم من أن الانتخابات هي الديمقراطية وعلى الرغم من أن الديمقراطية هي أمر جيد وفعال، إلا أنها أفرزت نتائج غير مقبولة في تلك الحالة، وبالتالي فإن حكومة «حماس» سوف تفتقد الشرعية اللازمة التي تسمح للولايات المتحدة بالتعامل معها وبالمضي قدما في عملية السلام.
ازدواجية المعايير واضحة في أسلوب كلام بوش وذلك لأنه كان سعيدا في التعامل مع الليكود الإسرائيلي الذي هو الآخر حزب عاقد العزم على تدمير الدولة الفلسطينية الوليدة، بل إنه وضع القوة العسكرية والأجهزة الأمنية ضمن برنامجه الانتخابي من أجل تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وذلك خلال الأعوام الأولى من القرن الحالي. فكما قال الروائي الكبير جورج أورويل في رائعته «مزرعة الحيوانات»: «ليس الجميع سواسية».
لقد اُنتخب الرئيس محمود عباس في وقت سابق خلال عملية انتخابية منفصلة ويستطيع أن يستمر في منصبه إذا اختار العمل مع مجلس وزراء تسيطر عليه «حماس». وكان أبومازن قد ألمح في وقت سابق إلى أنه سيستقيل في حال خسارة حزبه. وبسؤاله عن إمكانية تقدم أبومازن باستقالة، قال بوش بأسلوبه المرتبك المعتاد: «نحن نريد بقاءه في السلطة. أعني أننا نريده أن يظل في منصبه. إنه يعتلي السلطة الآن؛ نريده أن يبقي في منصبه». ونقل المتحدث باسم حركة «حماس» عن خالد مشعل، زعيم الحركة من منفاه في سوريا، قوله إن حركته ستكون مستعدة إلى العمل مع عباس كرئيس للسلطة.
ولكن عندما سُئل بوش عما إذا كانت الولايات المتحدة سوف توقف مساعدتها إلى السلطة الفلسطينية في حال شكلت «حماس» حكومة فلسطينية، رد بوش ضمنيا بالإيجاب إلا إذا غيرت «حماس»، بحسب تعبيره، برنامجها الانتخابي الذي يرفض وجود دولة إسرائيلية على الأراضي التي تعود إلى الفلسطينيين. وقال بوش: «حسناً. لقد أوضحتُ أن الولايات المتحدة الأميركية لا تدعم الأحزاب السياسية التي تريد تدمير حليفنا إسرائيل وأن هؤلاء الناس يجب عليهم التخلي عن ذلك الجزء من برنامجهم الانتخابي».
وقال بوش ضمنا إن «حماس» تكرس نفسها لشن أعمال عنف لا هوادة فيها ضد إسرائيل، وإن الجناح العسكري للحركة شن منذ 1994 العديد من الهجمات الانتحارية ضد الإسرائيليين وقتلوا مئات منهم كان معظمهم من المدنيين. غير أن الحقيقة تشير إلى أن الحركة تحافظ على هدنة بشكل أو بآخر منذ نحو عام. وبحسب دراسة مهمة أجرتها مؤسسة «كرايسيس غروب» الشهيرة، فإن «حماس» حافظت على الهدنة بشكل أكثر مصداقية بالمقارنة بحركة فتح. وأكد قادة «حماس» أنهم على استعداد أن يواصلوا تلك الهدنة في حال امتنعت إسرائيل عن الأعمال العدوانية التي تستهدفهم.
غير أن الحقيقة تشير إلى أن كثيراً من الإسرائيليين يعتقدون أن «حماس» تستخدم سلاح الهدنة فقط من أجل إعادة تسليح نفسها، وأنها لن تغير بأي حال من الأحوال معارضتها لوجود إسرائيل، وأن أي مفاوضات مع «حماس» لن تؤدي سوى إلى إضعاف الدولة اليهودية. فضلا عن أن امتناع «حماس» عن التحدث بشكل واضح عن نواياها ليس من شأنه أن يخفف من تلك المخاوف.
غير أنه لم يحدث قط من قبل أن حاول أي طرف اختبار نوايا «حماس». فلا إٍسرائيل ولا بوش قد حاولا أن يبذلا أي جهود تنم عن حُسن نية من أجل تسوية القضايا الجوهرية بل أنهما فضلا إصدار إدانات أخلاقية متزمتة تتجاهل حقيقة الوضع. إن الثمار المُرة لتلك السياسة التي تتسم بقصر النظر واضحة كل الوضوح الآن. في العراق أضطر بوش ـ بعد فوات الأوان ـ إلى التصرف بشكل براغماتي وتحدث إلى قادة حركات التمرد السنية الذين كانت إدارته قد نعتتهم بالإرهابيين في وقت سابق. يتعين على بوش وعلى القادة الإسرائيليين أن يسيروا على الدرب نفسه في فلسطين ويحاولوا التعامل مع «حماس» ضمن إطار سياسي يُبنى على حُسن النوايا من أجل تسوية الصراع.
ترجمة: حاتم حسين
عن «صالون دوت كوم»