عائلة تدرك المسمى والمهمة، مصيرها مشترك ولا ترضى بأقل من القمة، والهموم ـ إن وجدت ـ يتقاسمها الجميع فتتبدد سريعا، أما المرح والتسلية والمزاح فلا يبقى للأبوة والأمومة حدوداً تذكر، وعندها يصبح الجميع أصدقاء، وكل يعرف ما عليه؟

أحمد ومحمود ورانيا أبناء الزميل محمد أبو رحمة بقسم الاعلانات ثلاثة أشقاء اعتادوا على التفوق منذ دخولهم المدرسة وحتى تخرجهم في الثانوية العامة، لم تخذلهم طموحاتهم في استمرارهم متربعين على عرش الأوائل في كل مراحل تعليمهم، لدرجة أهلتهم للحصول على أكثر من 300 شهادة تقدير.

محمد أبو رحمة، الأب الذي منحهم كل شيء، ولم يطلب منهم إلا ان يطلبوا ما يريدون، أما الأم فوهبتهم كل ما لديها، حتى أصبحوا نموذجا للأبناء الطائعين، وكما تقول فقد حرصت على متابعة الأبناء بشكل دائم منذ صغرهم وحتى وصولهم إلى الصف الرابع الأساسي، وبعد ان زودتهم بوقود الاستمرار والاعتماد على الذات تنحت جانبا، لتراقبهم من بعيد، وتسدي لهم النصائح والتوجيهات.

هذا الأسلوب التربوي أهلهم لتحمل المسؤولية، وجعلهم يحبون ويحترمون بعضهم البعض، ويضحون من أجل الجميع، أما علاقة الأب والأم التفاهمية والتبادل في الرأي، فكان لها انعكاس قوي على استقرار العائلة وتفوق الأبناء، بالإضافة إلى تربيتهم الدينية القويمة، حيث يحفظ أحمد عشرة أجزاء من القرآن الكريم، بينما تمكنت رانيا من حفظ عشرين جزءاً، ومحمود الصغير أنهى سبعة أجزاء، كما تقول الأم.

وتضيف ان الصلاة ضرورية جداً بالنسبة لأبنائها، الذين تعلموها ولم يغفلوا عنها وتعترف الأم قائلة: اشعر حقيقة أنهم إخوتي وليسوا أبنائي، ولا وجود لأسلوب الأمر والنهي أو التسلط في التعامل بيننا، وأنا أضحك وأمزح معهم كثيراً، كوني أشعر بأنني في عمرهم، وهذه الأمور من سر نجاح وتوفيق الأسرة، والتي جعلت الحياة بلا فوارق أو حواجز، وبالتالي نفهم بعضنا سريعا ولا داعي للمواراة.

أما وقت الدراسة والامتحانات فتبرز التضحية بين أفراد العائلة، وبالنسبة للسنة الدراسية فتمر عادية بلا سهر أو قلق، ونهاية كل أسبوع أو أسبوعين تخرج العائلة معاً، إما إلى الحدائق أو إلى المراكز التجارية، حتى تغير من جو البيت والدراسة، وتمنح الأبناء انتعاشا آخر.

ولكن أثناء الامتحانات، ينظم الأبناء أوقاتهم بطريقة أخرى، إذ لابد من السهر والتركيز أكثر، وهنا تتحمل الأم إضافة إلى الأب العبء الأكبر في توفير كل ما يخطر في بالهما من أجل راحة الأبناء، ويتحول المطبخ إلى « كوفي شوب» أو إلى محل للعصائر الطازجة، من أجل تعويض الطاقة التي يفقدها الأبناء، في صورة ملؤها التضحية.

أحمد الابن الأكبر، يدرس الطب في مصر، وحصل في العام الماضي على شرف العشرة الأوائل في امتحان شهادة الثانوية العامة، بعد ان تخرج من مدرسة محمد بن راشد في دبي، أما حاليا فيعيش نفس الروتين من التفوق، لأنه لا يزال من الأوائل على دفعته في دراسة الطب في جامعته في مصر.

رانيا المتفوقة الثانية في عائلتها، حصلت هذا العام على المركز الرابع مكرر في الفرع العلمي بمعدل 5,99%، وتخرجت من مدرسة زعبيل للتعليم الثانوي، أما طموحها المقبل فينحصر في دراسة هندسة الجينات في إحدى الجامعات العربية.

وبالنسبة لمحمود، الابن الأصغر، فيشكل الزاوية الأخرى في مثلث التفوق العائلي، ولا يزال حتى اللحظة يحتفظ «بمنصبه» الأول على منطقة دبي التعليمية، سيتقدم العام المقبل لامتحانات الثانوية العامة، وعيونه تتطلع بكل ثقة إلى اللحاق بمن سبقه من أفراد عائلته، ويكون الحلقة الذهبية المكملة لسلسلة التفوق العائلي.

الأب محمد أبو رحمة وطبيعة عمله تفرض عليه التأخر في كثير من الأيام، وهو ما لم يقلل من دوره وعلاقته مع أبنائه، لأنه هو الآخر يتعامل معهم كأخ، ولا يظهر لهم صورة الأب، أما طيبة القلب والهدوء، والصبر والاحترام والعطف والرضا الدائم، فهي صفات أصر أفراد عائلته على إلصاقها به.

أثناء الامتحانات، وفي الصباح يمنح الأب وقته، ويسخر سيارته في خدمة وراحة أبنائه، رانيا ومحمود اعتادا قبل الامتحان على الدراسة حتى اللحظة الأخيرة، فلا يلقيان أوراقهما الا مع جرس البداية، لذا فالأب مجبر على الانتظار صامتاً داخل سيارته أمام المدرسة حتى يحين وقت الانتهاء من الدراسة، فيؤذن له بالتحرك، وهو مشهد يومي اعتاد عليه الأب والابن معاً، وتقبلاه بسرور وعفوية الصديق المخلص.

أما الأم فصباحها مختلف عن نظيراتها من الأمهات، إذ لا تستسيغ فعل أي شيء قبل ان ترفع سماعة التلفون وتتأكد أن ولدها أحمد استيقظ من نومه واستعد للخروج إلى محاضراته، فتتوجه بعد سماع صوته إلى الاطمئنان على رانيا ومحمود بشعور منتعش ونفسية هادئة، مثلما يتزود أحمد في مصر بعزيمة جديدة، وإحساس يقتل الوحدة ويمنحه تفاؤلاً جديداً، ومع ان فاتورة التلفون تأتي في نهاية الشهر ثقيلة، إلا أن الأب يدفعها «بطلا وليس مكرهاً» في جو من الممازحة والملاطفة.

بروز الأبناء وتفوقهم ربما كان ولحد كبير بسبب الجو الأسري المثالي الذي يعيشونه، بكل ما فيه من تفاؤل وسكينة، وتفاهم، إلا ان تفوق الوالدين وحياتهما الدراسية قد تمثل دافعاً أو أساساً في تكوين شخصية الابن التي تميل إلى التفوق، فالأب كان قبل نحو خمسة وعشرين عاما مدرساً للرياضيات في مدرسة المروج سابقاً «المواكب حاليا» .

وعلامات الاجتهاد لا تفارقه، أما الأم فأنهت قبل الفترة نفسها الثانوية العامة في فلسطين، وكانت من الأوائل بين زميلاتها، ولكن ظروف الاحتلال هناك اختارتها لتكون الضحية بين جميع أشقائها في إكمال دراستها الجامعية، ففضلت العمل في مستودع أدوية لتأخذ منه الخبرة كما لو أنها درست الصيدلة والطب، ثم عملت بعد ذلك معلمة لسنة واحدة، لتتزوج لاحقا وتأتي إلى الإمارات، وتعيش دورها هنا كأم مثالية، إضافة إلى «طبيبة العائلة» كما وصفها الأبناء.

رانيا ومحمود وأحمد هم الأبناء، وهم المتفوقون، وكما يقولون وتقول والدتهم فتفوقهم ليس في الدراسة وحدها، بل في كثير من الأمور الأخرى، محمود حصل على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، إضافة إلى مقدرته العالية في انجاز البحوث العلمية.

ورانيا نالت الجائزة نفسها مرتين، وتملك مواهب عديدة مثل الكتابة الصحافية والرسم وتصميم المواقع على الانترنت، ولا يقل شأنا الشقيق الثالث أحمد الذي حاز على جائزة الشيخ حمدان أيضا مرتين، وبالرغم من دراسته في الطب، فهو يتمتع بروح الكتابة الأدبية، إذ تمكن.

وهو طالب في مدرسته من إصدار كتيب صغير أسماه «فيض الخاطر» حوى على عدد من الرسائل المميزة، أما عدد الشهادات التي حققوها معاً، ففاق الثلاثمائة شهادة تقدير في مختلف المجالات، علاوة على أن العائلة حازت على جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز، في فئة الأسرة المتميزة.

خمسة يشكلون أركاناً مثالية لبيت متماسك، أب وأم وثلاثة أبناء، واحدهم يحب للآخر كما يحب لنفسه، متقاربون دائما، ولا يبدون أي اختلاف في أي شيء، أذواقهم متماثلة ورغباتهم أيضا، الأم أخذت على عاتقها تسيير أمور البيت دونما يشعر أحد بنقص، والأب تكفل بالعمل حتى يؤمن لأبنائه مستقبلا يحلم الكثيرون به، أما الأبناء فاكتفوا بالتفوق والطاعة في كل شيء.

رضا الوالدين شعار وواقع متوارث، فوالدا الأب رضوا عن ابنهم مراراً وتكراراً، فكان ولداً باراً، وكذلك الأم التي لا تتذكر موقفا فعلته ولم يرض والديها، وهذا الرضا انعكس على الأبناء الذين أظهروا قدراً كبيراَ من الوفاء والطاعة، وبالتالي تكلل البيت بالتوفيق من الله ثم النجاح والتفوق.

العائلة مجتمعة اتفقت على اختتام الحديث بالقول: سر سعادة أي إنسان يكمن في التوفيق من الله، والمطلوب من أية عائلة فقط الرضا والقناعة بما كتب الله، وعلى الإنسان أن ينظر إلى من هم دونه حتى يشكر ربه في كل أحواله، وبالتالي تعيش الأسرة في طمأنينة واستقرار وحب وتفاهم فتتشكل الأرضية الصلبة للإبداع والتفوق والتقدم، وهذا هو الجو الذي تعيشه أسرة محمد أبو رحمة.