الثقافة الحقيقية تشبه بناء بيت قديم بُني من حجر، لا تشبه مستودعاً ضخماً تُكدَّس فيه الأشياء، فقد يقرأ شخص مئة كتاب في موضوعات متفرقة خلال سنة، فيعرف شيئاً عن الفلسفة، وشيئاً عن الفيزياء، وشيئاً عن الاقتصاد، وشيئاً عن الرواية، لكنه يظل واقفاً على السطح.. هى الثقافة الأفقية عبارة عن مساحة واسعة، والعمق قليل، بينما يقرأ آخر عشرين عاماً في التراث الغربي أو العربي، مهما كان هذا التراث، فيبدأ بالمعلقات، ثم الجاحظ ثم التوحيدي، وابن قتيبة، وابن خلدون، وتولستوي، ثم أدب النهضة، ثم الرواية الحديثة، وأحفاد الكُتب.. هنا لا تزداد معلوماته فقط، بل تتشكل داخله طبقات من الفهم، ويرى كيف تتصل الأفكار بعضها البعض عبر الزمن.
هذه هي الثقافة الرأسية، ولهذا نجد أحياناً رجلاً مسناً لم يدخل جامعة، لكنه قرأ في مجال واحد نصف قرن، نشعر أن حديثه يخرج من بئر عميقة، ونجد آخر يحمل شهادات ودورات، ويقرأ قفزاً من موضوع إلى آخر، فلا يمسك بجذور شيء، وأظن أن أحد أمراض عصرنا الهوائي اليوم هو الخلط بين الاتساع والعمق.
وسائل التواصل تدفعنا إلى الاتساع، كل يوم موضوع جديد، وخبر جديد، ومصطلح جديد، أما الكتب الأولى من أدب وتراث وفكر فتدفعنا إلى العمق بعد البقاء مع الفكرة نفسها سنوات طويلة حتى نفهمها، ولعل هذا ما يفسر تعلق الجادين عبر العالم بكتب التراث، فهم يقرأونها، لأنها تمنح الإحساس بالامتداد الزمني، ويصبح القرن الرابع الهجرى جزءاً من تجربته العقلية الحاضرة في عصره، ولا يقرأ كما يعتقد البعض بغرض جمع المعلومات عن الماضي.
لهذا كتب التراث شرقاً أو غرباً، إسلامياً أو مسيحياً، رومياً، آسيوياً.. تمنح ثقة بالزمن الذي نعيشه، لأن الإنسان حين يقرأ رأسياً يصبح له أجداد فكريون وعقلانيون وعاطفيون، يسكنون رأسه، ويمتدون وراءه قروناً، فلا يعود ابن لحظته فقط.
الثقافة الأفقية تجعلنا نعرف أشياء كثيرة عن العالم، والثقافة الرأسية تجعلنا نعرف مكاننا ومكانتنا في العصر الذي نعيش فيه، بعد عشرين سنة على الأقل نفهم موقعنا الحقيقي، ونعرف ماذا نقدم، أو ماذا نقول، أو كيف نُشَكّل ذواتنا، وكيف نتعامل مع غيرنا، وكيف تتقدم.. وكم يخطئ من يعتقد أن القراءة هواية ومعلومات، فإذا قرأت آلاف الصفحات الواسعة فسوف تنسى ما قرأته بعد أسبوع، لأنك لم تقرأ فعلياً، فالإنسان المتعلم لا يُقاس بعدد ما قرأ هذا الشهر، والبقاء للمثقف، وما أصبح عليه بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة من القراءة العمودية بتراكم الطبقات.