تشير تقارير حديثة، من بينها تقرير «يورو مونيتور 2025»، المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل السوق في مجتمعات العالم، إلى أن «المنزل متعدد الأجيال» بات أحد أبرز اتجاهات المعيشة في آسيا والمحيط الهادئ، فيما سجلت دول أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا عودة ملحوظة إلى أنماط السكن العائلي المشترك، لترتفع قيمة العائلة أولاً، والأهم أن تلك التقارير أشارت إلى، كيف يتنامى حضور الإيمان في الأديان كمرجعية أخلاقية في مناطق واسعة من العالم، وهذه المؤشرات بطبيعة الحال تعنيهم من حيث الذوق والاستهلاك والمنتج، المستقبلي، ليلاحظوا كيف يتقدم المحتوى المحلي في العالم، بالإقبال على الحرف التقليدية واليدوية من الفخار والنسيج والعزف الشعبي، وعودة الناس إلى العلاقة المباشرة مع ما يلمس، والتشكيل من الحِرف، وكيف يتنامى الشعور بأنهم لم يعودوا مستهلكين، بل جزء من العالم.

نحن في زمن تتسارع فيه التقنية إلى حد يكاد يتجاوز قدرة بعض الناس على ملاحقته، لتظهر حركة هادئة في الاتجاه المعاكس، حركة من دون شعارات، فهم يقومون فقط بإعادة تشكيل العالم من الداخل، وإعادة علاقتهم بما هو قريب ومألوف، كالعائلة، واللغة، والطعام، والطقوس اليومية، واستعادة ما يشبه مركز الثقل والحب في حياتهم.

وتماشياً مع ما ذكرت، يعتقد البعض أنه حنين عابر، لكن الواقع أنه اختيار واعٍ، خصوصاً بعد أن اتسعت الفجوة بين سرعة العالم الداخلي للإنسان وسرعة العالم التقني الخارجي، وها هُم الناس باتوا يتجهون إلى مساحة استقرار، وهذا يذكرنا بما أشار إليه يوماً عالم الاجتماع البولندي «زيجمونت باومان» في حديثه عن «الحداثة السائلة» إلى أن القلق المعاصر يرتبط بفقدان الثبات، حيث تتحول الحياة إلى سلسلة من التغيرات غير المستقرة، فيبحث الإنسان عن أي شكل من أشكال الرسوخ، ولا مفر من أن العائلة تبقى نظام أمان، وتصبح طقوسها اليومية هي حقيقة التوازن.

في دولة الإمارات تجلت القوانين في «عام الأسرة»، لترسيخ دور الأسرة قيمة أساسية وراسخة، من أجل مجتمع مستدام، وبقي توزيع الأراضي للمواطنين كما هو، يعزز مفهوم أراضي الأبناء والأعمام بجانب بعضهم البعض، وبناء مجاور، يُبنى بالحب والرحمة، وليس بما نمتلكه من رفاه واستهلاك. ويصبح تعريفاً للمستقبل، والطموح متصلاً بالمكان والذاكرة، والنجاح قدرة الإنسان الحفاظ على توازنه، ومع كل قفزة تقنية جديدة تزداد الحاجة إلى ما يبطئ الإيقاع، ويمنح المعنى.

هكذا تبدو الجذور، اليوم، خطة هادئة للمضي قدماً، مع الابتكار، بمزج واضح بين التقنيات المتقدمة، والجماليات التراثية، والأنظمة الصحية، والمنازل الذكية، والسيارات المستقبلية، كلها تستعير خطوطها من الذاكرة البصرية للمجتمعات، وتصبح الهَجنة في مواجهة التسارع، لتظهر الجذور صيغة مختلفة للتكيّف، تتيح للإنسان أن يعيش داخل العالم دون أن يستهلك.