في رواية أُغالب مجرى النهر، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية قبل أسبوعين، يضع الروائي الجزائري سعيد خطيبي قارئه أمام شبكة من الشخصيات والوقائع التي تبدو في ظاهرها قابلة لاستدعاء التعاطف مع شخصيات الرواية، لكنها في العمق تشتغل على تقليصه، لأن السرد اختار أن يوزّع المسافة بينهم وبين القارئ، فلا يسمح بالاقتراب الكامل، بدءاً من الابنة طبيبة العيون، التي تنزع قرنيات العين من بعض من مات حديثاً، لتزرعها في عيون من يطمح لحياة أفضل، ليبدأ التشويق.

تبرز شخصية الطبيبة بوصفها الاستثناء الوحيد تقريباً. أي الشخصية التي تحتفظ بقدر من الوضوح الداخلي والتربية الجيدة، وبعيداً عن التورط الكامل في خطاب الذاكرة أو تشوهاتها منذ الاستقلال إلى عام 1990م في الجزائر، تبدو الطبيبة وكأنها تقف على حافة السرد، ترى ولا تنخرط كلياً، وتفهم دون أن تتماهى، خاصة أثناء التحقيق معها حول قتل زوجها، ليصبح التعاطف معها أقوى، لأنها أقل الشخصيات انزلاقاً في متاهة التوريط.

الرواية، في نصفها الأول، متمسكة بإيقاعها بإحكام، صحيح أن هناك توتراً محسوباً، لكن يتدرج في الكشف، وبناء عليه، تقوم الأصوات المتعددة برسم الحبكة، دون أن تفقد السيطرة. تشعر أنك داخل بنية واعية، تعرف إلى أين تتجه، وبأدوات الراوي الذكية، خاصة في توزيع المعلومات، وفي خلق مسافة بين الحدث وتفسيره.

لكن بعد هذا النصف، يبدأ شيء ما بالارتخاء. يتعلق الأمر بطريقة تدوير الفكرة، حيث تتكرر الزوايا، وتُعاد بعض الانطباعات بصيغ مختلفة، وكأن الرواية، بدل أن تتقدم، تعود لتؤكد ما قيل سابقاً. هذا التكرار غير مقصود، إن قلنا إنها تقنية، لكن إذا فقد القارئ التركيز، ربما يظهر له كحشو سردي يبطئ الإيقاع، ويجعل التوتر الذي بُني بعناية في البداية، يتبدد تدريجياً.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن خطيبي يمتلك حساً واضحاً بالبناء، وعدسة مكبرة من تلك القرنية الرمزية التي صنعها خياله، بين النزع والزرع، يحاول تفكيك الحقيقة حول تناقضات المجتمع، من خلال كل صوت، وهو يقدّم روايته الناقصة، وهذا ما يمنح النص طابعه المُلْتَبِسْ، فالقارئ لا يصل إلى يقين، بل إلى شبكة احتمالات، وهو خيار فني عميق ومدروس.

وبرأيي، الاشتغال على التورط العاطفي، فكرة ذكية، لا بد أن يظهر أثر «الاقتصاد في التعاطف»، إذا صح القول، حين يصبح النص بارداً في بعض لحظاته، رغم سخونة موضوعه.

في المحصلة، ليبقى «أغالب مجرى النهر»، عملاً يمتلك وعياً سردياً واضحاً، تفتح أسئلة عميقة حول أفراد المجتمع، وهم ينتقمون من بعضهم بخفاء، وهذا ما جعل شخصية الابنة الطبيبة عالقة في الذهن، كأنها تمثل ما كان يمكن للرواية أن تمنحه قرباً إنسانياً داخل بناءٍ ذكي.