حين وضع ابن منظور معجم لسان العرب كان مدفوعاً بالخوف، خوفٌ صريح على لغة بدأت تتآكل ببطء في زمنه، وتنسحب من الحياة اليومية إلى بطون الكتب.

كانت العربية تواجه لحظة دقيقة مع تزايد الأعاجم في حواضر الدولة المملوكية بمصر، حين تفرّقت كتب اللغة الكبرى، وصار الوصول إلى أصل الكلمة عملاً شاقاً، وشاعت مظاهر اللحن، وكان ابن منظور يعيش في ظل مماليك مصر بعد استقلالهم عن الدولة العباسية، وقد أصبحوا أصحاب قرار في السلم والحرب، ليجد نفسه بين لغات متعددة، بحكم أصولهم العرقية المختلفة، غالبيتهم من الأتراك والشركس والجورجيين وأوروبا الشرقية، وقد جُلبوا صغاراً لتدريبهم في الجيش وتأسيس دولتهم.

لاحظ ابن منظور أن اللغة العربية تعيش لحظة دقيقة في المدن المملوكية، وبدأ اللسان العربي ينسحب من التداول اليومي إلى فضاء العلم والكتب فقط، ولم يكن الخطر في تغيّر اللغة بحد ذاته، بل انقطاع الصلة بين اللغة وبين أهلها، مدركاً أن ضياع الأصول يعني ضياع الفهم، لا سيما في نصوص الأدب والمعرفة والدين، فاختار الجمع والإنقاذ بدل كتابة الإبداع والاستعراض، لمعرفته أن ضياع الذاكرة أخطر من غياب الإبداع.

المفارقة أن زمننا يشبه زمنه على نحو لافت، بل إن خطرنا أكثر تعقيداً، فالأعجمية الإنجليزية لم تعد خارج البيت، بل داخله، بحكم التعليم، والتقنية، والعولمة، حتى في العائلات ذات التاريخ اللغوي العريق، إلا أن الإنجليزية أصبحت حديث أبنائهم، لا في المدرسة فقط، بل في الحياة اليومية، حيث ينشأ الطفل وهو يفكر ويعبّر، ويحلم أحياناً بغير العربية، ثم يعود إليها لغة مادة أو واجب، لا لغة وجود.

أما ما وصفه ابن منظور عن زمنه فيكاد يُقرأ بوصفه شهادة معاصرة: «الناس فيه يفخرون بغير اللغة العربية، والنطق بها من المعايب، والنطق بغيرها من المحاسن، والعاميات تمددت بعد أن كثر الأعاجم في دواوين الدولة، وشاع اللحن حتى بين المتعلمين، وكتب اللغة صارت عسيرة ومهددة بالنسيان، ونالت اللغة العربية السخرية، واستعملت الكلمات دون وعي بأصولها..».

ومن هنا استجاب ابن منظور مباشرة لزمنه، واشتغل على معجم لسان العرب طوال حياته، جامعاً اللغة عبر شواهدها، مؤمناً بأن للكلمة جذوراً، وللمعنى تاريخاً، فصار المعجم مرجعاً موثوقاً عبر قرون، ومنح الكاتب والباحث والمبدع أرضاً يقفون عليها، والمفارقة أن أكثر مستخدميه اليوم هم خبراء الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك تعود اللغة في عصرنا مهددة في عقر دارها، في الشوارع، والمدارس، والبيوت.. فهل من ابن منظور آخر؟