بين الأكل مع الجماعة والأكل وحيداً، تطرق الجاحظ في كتاب البخلاء إلى هذين الطبعين في المخيال العربي وتراثه القديم، محدداً درجة الإنسانية في الطعام والتطاعم، وكأنه يلمح إلى أن الأكل مع الجماعة لا يعني طعاماً ولا إشباعاً، بل هو سلوك ومشاركة، فالتطاعم عنده دليل على الألفة والانتماء، وأحياناً صدقة غير مباشرة.. لينتهي إلى معاني الكرم ودرجاته.

ولعل الإنسان تساءل يوماً: لماذا الطعام الجماعي ممدوح، والأكل على انفراد، مكروه؟ فقد ذمّ قدماء العرب من يأكل وحيداً، إذ رأوا في هذا الفعل افتقاراً إلى التطبع بطباع الإنسانية..

وتُروى في هذا السياق حكاية أبي نؤاس، وهو من شعراء الثورة التجديدية، الذي كان على سفينة متجهة من الخليج إلى البصرة ثم إلى بغداد، ومعه رجل فقيه من أهل خراسان اعتاد أن يأكل وحده، وحين سأله أبو نؤاس عن ذلك، أجابه بأن الأكل منفرداً أو وحيداً هو الأصل، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل.

بطبيعة الحال تتقاطع هنا ثقافتان ورؤيتان مختلفتان، ففي ثقافة تفسر الأكل على انفراد عزلة محببة، أو رغبة في الخصوصية، بينما الأكل مع الجماعة بالنسبة لأبي نؤاس يعني المشاركة والإيثار، بل حوّل العرب هذا الفعل إلى ممارسة أخلاقية، حتى أصبحت تُفهم عند العرب أن الخوف من المشاركة في الطعام هو نقص في الثقة بالآخر، وعلامة على قلة شجاعة، وأن الأكل وحيداً فعل غير لائق اجتماعياً، فلا بشاشة فيه، ويدعو إلى الريبة، دون أن يدينوا النقص في المال، أو الأنانية المقنعة.

اليوم، مع اختلاط ثقافات العالم وتسارع إيقاع الحياة في بلادنا، صار الأكل وحيداً وفي مطعم مزدحم أمراً طبيعياً، والبعض أصبح يرغب في ذلك، يبرره إيقاع الحياة الحديثة، كما أصبحت العزلة خياراً حراً، وفي جوهر هذا الطبع لدينا في الثقافة العربية الآنية، وفي تقاليدنا، علامة تفكك اجتماعي، إن لم يكن أسرياً. وهنا يبرز سؤال مؤلم: كيف فقدنا المائدة بوصفها مساحة إنسانية مشتركة؟ وكيف تحول الطعام من طقس اجتماعي منفتح إلى وظيفة سريعة؟

ليس هذا المقال إدانة لمن يأكل وحيداً، ولا تمجيداً لزمن مضى، بل محاولة لقراءة مفارقة اجتماعية تكشف تحول منظومة قِيم كاملة، كانت تبدأ من المروءة، واليوم السلامة النفسية.