في أدب الرحلات البرتغالي المبكر، حيثُ كانت البحار لا تزال خرائط ناقصة، والسواحل أسماء غائمة في الوعي الأوروبي، يبرز اسم دوراتِه باربوزا، بوصفه واحداً من أوائل الأوروبيين الذين كتبوا عن المحيط الهندي والخليج العربي كتابةً شبه منهجية، لا بدافع المغامرة وحدها، بل شاهداً على تشكّل عالم تجاري جديد للبرتغال، وهي تحاول رسم حدودها والخرائط بالقوة.

ودوراته باربوزا ضمن مخطوطه الشهير الذي أنجزه عام 1516 م، والمعروف لاحقاً الكتاب باسمه، تَرِدُ مدينة جلفار (رأس الخيمة اليوم)، بوصفها مركزاً تجارياً نشطاً، مزدهراً بتجارة اللؤلؤ، ومتصلاً بحركة بضائع واسعة، تمتد إلى الصين والهند وسواحل شرق أفريقيا. وقد لا يطيل باربوزا في الوصف، لكنه يضع المدينة بوضوح على خريطة الاقتصاد البحري في الخليج، في زمن كانت المنطقة بالكاد معروفة في المخيال الأوروبي، لكن تكمن أهمية الإشارة إلى جلفار، في أنها لا تأتي من مؤرخ مكتبي، بل من رجل عاش في قلب الشبكة التجارية للمحيط الهندي، تَنَقّلَ بين موانئه وأسواقه في زمن التحولات الكبرى، التي رافقت التوسع البرتغالي.

وُلد باربوزا عام 1480 م في البرتغال، وهو صهر البحار ماجلان.. دخل باربوزا مبكراً خدمة الإدارة الاستعمارية في الهند، وتعلم المالايالامية، لغة ساحل كيرالا الجنوبي، وأصبح مترجماً رسمياً للقائد البرتغالي الشهير ألفونسو دي ألبوكيرك، في مفاوضاته مع حكام المدن الهندية، ومع هذا، لم يكن باربوزا مجرد موظف إداري، بل كاتباً ملاحظاً دقيقاً، اهتم بالعادات والأسواق والديانات ونُظم الحُكم، وكَتَبَ عن مدن الشرق كمجتمعات حيّة، لا مجرد محطات تجارية، وهو ما يمنح كتابه اليوم قيمة تاريخية وأنثروبولوجية مزدوجة، ويسبق كثيراً المدونات الجغرافية الأوروبية اللاحقة.

باربوزا قُتل مسموماً على مائدة طعام عام 1521 م في مدينة سيبو بالفلبين، في حادثة غدر شهيرة، مات قبل أن يرى كتابه الذي نقرأه اليوم، وهو مترجم لدى منشورات القاسمي إلى العربية، بعنوان: (رحلة بالغة الأهمية...)، وكذلك في كتاب: تجوال في المحيط الهندي، صادر عن الأرشيف الوطني بأبوظبي.

نستشف أنه لا يُعد سجلاً استعمارياً فحسب، بل مرآة مبكرة لمدن الخليج والمحيط الهندي، كما رآها رجلٌ عَبرَ البحار ودوّن ما استطاع.. خاصة جلفار، كما وردها في مخطوطه:

«إن أسطولاً من خمسين مركباً، يبحر من جلفار شهري يوليو وأغسطس من كل عام لصيد اللؤلؤ...».

كما نسب إلى جلفار نوعاً من اللآلئ يُعثر عليه في المياه الإقليمية، بالإضافة إلى بيانات تفصيلية عن العوائد والنفقات، حيث كانت تدفع جلفار مبلغ 7500 أشرفي لعدد من الحصون البرتغالية التي شيدت في دبا والبدية وخورفكان وكلباء.

بالمقابل، بقي باربوزا شاهداً على أن مدن الخليج كانت جزءاً من شبكة تجارية لؤلؤية عالمية، سبقت الحدود الحديثة بقرون.