ليس سهلاً أن يكتب الروائي رواية عن فنانة حقيقية دون أن يقع في فخّ السيرة، ولا أن يستعير حياة امرأة راحلة دون تحويلها إلى تمثال من رخام أو مادة أرشيفية باردة.. لكن في رواية «اسمها الثاني حنجرة» تسرد الروائية ميس العثمان على هذا الحدّ الدقيق، وتختار ألا تكتب عن عائشة المرطة (1931 – 1978م)، بوصفها مطربة كويتية، بل بوصفها كائناً منقسماً على صوته، وجسده، وحياته الخاصة.
منذ الصفحات الأولى، نستقبل الرواية بأصوات. عائشة تتكلم بضمير المتكلم، بلهجتها، بضعفها، وبساطتها، وحتى ارتباكها أمام الجمهور.. ثم تظهر «الحنجرة» لا كشخصية مستقلة، بل بوعي حسيّ، تتحدث عن الأمور الفنية، وتشعر بما يدور، وتصغي للغناء وجودة الحفلات، والصحافة، وأحياناً تصف الحنجرة نفسها، من خلال أداء عائشة. حنجرة ترى وتعرف وتحس.. أيّ حنجرة واعية، وبالمقابل الكاتبة ميس العثمان نفسها، لا تختبئ خلف السرد، بل تعلن حضورها في الرواية بوصفها شاهدة باحثة وناقدة، وساردة بحس امرأة مبدعة تحاول أن تفهم امرأة أخرى مبدعة.
تظهر أيضاً شخصيات أخرى كل حين مثل راشد بوفتين زوج الفنانة، وأبنائها بالتبني، وآخرين. هذا التعدد في الأصوات لا يبدو استعراضاً تقنياً، بل ضرورة داخلية، فحياة مثل حياة عائشة المرطة التي أطربت العرب، وكذلك الست أم كلثوم التي دندنت بالسامري معها، بلا شك هي حياة نجمة، على الرغم من عمرها القصير، فلا يمكن أن تُروى من زاوية واحدة، لأنها ليست فقط فنانة تريد الغناء، ولا فقط زوجة، أو أُماً بالتبني، هي كل تلك في آن، وأحياناً كما شعرتُ أثناء القراءة، أنها وافقت على قرارات عائلية على حساب نفسها.
الحنجرة في هذا السياق ليست تفصيلاً جسدياً، إنها مجاز ثقيل، فالحنجرة موضع الصوت، وموضع الخطر. الصوت الذي منحها معنى وثقة، وجلب لها القلق في الوقت ذاته، وكأن حنجرتها صارت ساحة تفاوض بين ما تريد أن تكونه، وما يُسمح لها أن تكونه. بالأخص علاقة عائشة بزوجها، فلا نجده جلاداً ولا شريراً تقليدياً، لكن حبه مشوب بالخوف من صوت زوجته الجميل الذي لا يمكن احتواؤه داخل البيت.
بدا ظاهرياً في السرد فِعلُ الرحمة منه، فمن الممكن أن يحس القارئ وهو يعيد ترتيب حياتها من التبني أنها قبلت، لا عن ضعف، بل عن حب.. دون التخلي عن حلمها. هي منطقة رمادية بلا شك، لا ينتصر فيها أحد، ولا يُدان فيها أحد.. وهي أجمل ما في الرواية التي تعيد الخلق لحنجرة، مع سؤال يكبر: ماذا يفعل الصوت بامرأة في مجتمع يخاف الصوت؟