في الوقت الذي تدعو فيه الإمارات للتمسك باللغة العربية، باعتبارها جزءاً من هوية البلد وأهله، وفي الوقت الذي تلزم فيه المؤسسات باستخدامها لغة رسمية في التخاطب بين موظفيها من جانب، وبينهم وبين المؤسسات الأخرى، ما لم يكن هناك حاجة لاستخدام اللغة الإنجليزية، وفي الوقت الذي يفترض أن تكون هذه اللغة هي الأولى في كل منزل إماراتي، والأمر الذي يحرص عليه كل أم وأب في تعليمه الأبناء، حتى وإن التحقوا بمدارس خاصة، وتعلموا لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية، نفاجأ بقضية جديدة لم يخطر على بالنا يوماً أنها ستكون موجودة في مجتمعنا، خاصة في ظل التحديات التي يشهدها المجتمع الإماراتي، وسط تعدد الثقافات التي تعيش فيه، وما تشكله من تحد كبير بالنسبة للغة العربية.

القضية التي نتحدث عنها، هي توجه بعض الأهالي ممن يضعون أبناءهم في مدارس خاصة لطلب استثناء أبنائهم من تعلم اللغة العربية، بحجة صعوبة تعلم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بالنسبة إليهم، وعدم التمكن من مهاراتها، وهو الأمر الذي تسبب في تراجع مستوى بعضهم الدراسي مقارنة بالمواد الأخرى.

طلب استثناء أبناء المواطنين أو حتى العرب من دراسة اللغة العربية في المدارس الخاصة، ومن قبل الأهالي، مؤشر خطير، لأنه يدل على أن هذه اللغة التي تعتبر جزءاً من هوية المجتمع، وتعتبر وعاء فكرياً لأهل البلد، أصبحت لا تشكل أدنى أهمية للراشدين والناضجين فيه، وإن كان الأمر كذلك بالنسبة لمن يعول عليهم في الحفاظ عليها، فلنتخيل كيف سيكون مستقبل حال هذه اللغة بالنسبة للجيل الحالي والأجيال القادمة، التي بدأت اليوم تتهرب من الفصول الدراسية بحجة صعوبة هذه اللغة والتعلم بها.

لا ننكر صعوبة التعلم التي يعاني منها الأبناء في المدارس الخاصة، بسبب صعوبة المناهج الأجنبية والعربية أيضاً، وصعوبة الموازنة بينها، والتحديات التي يواجهها الطلاب لاستيعاب متطلبات المناهج جميعها، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لاستثناء الأبناء من تعلم لغتهم، وممارستها كلغة أولى، لأنها اللغة الأم. الدولة والمؤسسات فيها، تقيم مؤتمرات ومجالس للحفاظ على اللغة العربية، ومناقشة التحديات التي تواجهها، لكن واقعنا يشهد على أن هذه التحديات باتت اليوم أصعب بكثير من أي وقت مضى، لأنها من صنع أيدينا نحن الأهالي، يوم بدأنا نقبل التنازل عنها والقبول بلغات أخرى بديلة.

لا نتوقع أن تقبل وزارة التربية والتعليم أو أي مجلس للتعليم بهذا الاستثناء مهما كلف الأمر، ويفترض مناقشة الأمر بحزم مع الأهالي الذين تقدموا بطلباتهم، بل ورفضه، فالأب أو الأم التي لا تريد لابنها أن يتعلم اللغة العربية، فذلك يعني أنهم لا يريدون في الأصل أن يتعرف ويندمج مع ثقافة مجتمعه.