المدارس هي المجتمع الأرحب والمناسب للقاء الأبناء وتعارفهم، والمحل الأول لتكوين صداقاتهم منذ طفولتهم، وهو ما يجعل كثيراً من أولياء الأمور يحرصون أشد الحرص على اختيار الرفقة الصالحة لهم في هذه المراحل المبكرة، ويدفعهم نحو تتبع سلوكياتهم ومدى تأثرهم بأقرانهم في المراحل الدراسية؛ لأنهم يدركون أن المدرسة تؤثر فيهم تأثيراً لا يستهان به، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار عدد الساعات التي يقضونها فيها، ودرجة الاختلاط بغيرهم من الزملاء في الصف أو حرم المدرسة.

المدرسة من أهم أجزاء المجتمع، فهي تضم بين جدرانها طلاباً ومعلمين وإداريين وعاملين، وهم يتفاوتون في مستوى التعليم والثقافة، وينحدرون من بيئات وأسر تختلف وتتفاوت في مستوى ونوعية التعليم والتربية والثقافة، وهو الأمر الذي لا يجهله أي منا، بل سلم به طوال السنوات الماضية وتعايش معه في الإمارات سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة، وصولاً للمراحل الجامعية، فحرص الغالبية على تأصيل مرتكزات المجتمع في الأبناء كي لا تتأثر، وزرعنا فيهم احترام الآخرين وإن اختلفوا معهم طالما لم يمس الاختلاف مرتكزات مجتمعهم، فكانت النتيجة إيجابية للغاية، يوم عاش المجتمع الإماراتي بعيداً عن النعرات أو الصراعات أو التحزبات التي لم يعرفها الطلبة في المدارس أو الجامعات باختلافها.

اليوم، بدأ بعض الأهالي يسمعون من أبنائهم عبارات يتلمسون فيها رفضاً للآخر، وعندما نقول الآخر، فنحن نعني الأجنبي، وربما من لا ينتمي لقبيلته، أو حتى من ملة أخرى، أو من اختلف لونه، وهي أمور لم يكن ولي الأمر الإماراتي يسمعها من ابنه أو ابنته حتى في المراحل الجامعية، في مجتمع تربى على الانفتاح على الآخر واحترامه، ولم يعرف يوماً التعصب القبلي أو الديني أو العرقي أو غيره بالصور التي عرفتها بعض المجتمعات.

لاسيما في هذه المراحل المبكرة كالمرحلة الابتدائية أو الإعدادية، ما يعني أن أحاديث بدأت تثار في المنازل أمام الأطفال دون عقلنة، وبدأت تنقل الأحاديث إلى الصفوف وتحولت إلى ممارسات وسلوكيات، متسببين في خلق أجواء سلبية بين الطلبة أنفسهم من جانب، وبينهم وبين أساتذتهم من جانب آخر، وهي أمور لم نكن نتمنى يوماً أن نراها في مدارسنا أو حتى في مواقع أخرى، لأنها كالنار تبدأ من مستصغر الشرر.

مناقشة القضايا السياسية والدينية وحتى الفكرية في المنازل ينبغي أن تكون في وقتها المناسب وأمام الراشدين القادرين على استيعابها والمشاركة فيها دون إقحام غيرهم من الأطفال ممن ينقصهم الوعي والإدراك في أحاديث لا تعنيهم، فذلك يؤذن بتداعيات سلبية وانقسامات تبدأ في مراحل مبكرة، ولسنا في حاجة إليها في دولة الإمارات، دولة الاتحاد التي لم تعرف ذلك يوماً ولا نريده لها دوماً.