تترد أحاديث في أروقة المدارس هذه الأيام، عن مطالبات بزيادة رواتب المعلمين والمعلمات في الإمارات، تقديرا لجهود العاملين في هذه المهنة الشاقة، واحتسابا لساعات العمل الطويلة التي لا تقف عند حد انتهاء الحصة الأخيرة، بل تمتد ساعات أخرى بعد انتهاء اليوم الدراسي، يعمل فيها المعلم في التحضير والإعداد لمهام أخرى يتحملها ويفترض فيه القيام بها على أكمل وجه، فزادت من أعبائه، وجاءت على حساب صحته وراحته النفسية والتزاماته الأسرية والاجتماعية، التي قد يعطي منها للآخرين ليكون مرتاح الضمير.

ومع تقديرنا لأهمية التقدير المادي الذي لابد وأن يكون موازيا للجهد الذي يبذله المعلم في مهنته، إلا أن نوعا آخر من التقدير هو الذي نشعر بأن المعلم بحاجة أكبر وماسة له، ويكمن هذا التقدير في التخفيف من الأعباء والمهام التي تزداد يوما بعد يوم على كاهله، لدرجة أفقدت المعلم لدينا في المدارس، القدرة على التركيز في الهدف الأول من وظيفة المعلم وهي التعليم، لتجعله منصرفا للتركيز في مهام أخرى يتصل بعضها بالجانب الإداري.

وجانب الأنشطة التي تأخذ من وقته واهتمامه الكثير، على حساب المادة التي لابد من أن يضمن المعلم استيعاب الطلبة لها، وعلى حساب التأثير التربوي الذي لابد وأن يتركه في طلابه، والذي بدأت تتراجع مساحاته بسبب مزاج المعلم، وفكره المشغول بكثير من المسائل التي لاحصر لها.

وهو الأمر الذي يأتي خلافا لكل ما دأبت عليه الأجيال السابقة، وما استمرت عليه الأجيال الحديثة في الدول الأكثر تقدما التي ما زالت تركز على دور المعلم في التعليم داخل الصف، وعلى علاقته بطلابه ومدى تأثيره عليهم في اكتساب المعارف والعلوم الإنسانية.

في حين تترك مهام أخرى لمعلمين ومختصين آخرين يقومون بتلك الأدوار في المدارس نفسها، ويشاركون زملاءهم مهام المهنة والطموحات المرجوة منهم. يتعجب كثيرون من الحالة العامة التي باتت عليها بعض المدارس، وما تضمه من صفوف دراسية اجتهدت الإدارات والصفوف في إعدادها.

وهو أمر أحدث فارقا في صورة المدارس القديمة والحديثة، لا سيما وسط تنامي الطلب على أن تكون المدارس بصورة تعكس التنمية التي أحدثتها الإمارات في مختلف القطاعات. لكن انصراف المعلم إلى المظاهر الشكلية في المدارس، والإثقال عليه بنصاب حصص مرتفع، وبإعداد الملفات الإدارية والأنشطة التي باتت واجبا حتميا عليه، أفقده متعة التدريس وأفقدت الطلاب متعة التعلم، فلم نعد نستشعرها لدى الطرفين.

ونخشى أن يأتي اليوم الذي نشهد فيه إحجاما عن مهنة التعليم التي قد لا يقبل بها إلا عاطلون مضطرون لها. لا ننكر أهمية تطوير طرائق التدريس ومهارات المعلمين، لكن من المهم تحقيق التوازن في مهام تسند للمعلم، يفترض مراعاة الأولويات فيها، وطبيعة الإنسان والتزاماته تجاه الأسرة والمجتمع.

هذا النوع من التقدير هو الأهم، لأنه يضمن الاستثمار في الأجيال القادمة، ويضمن مخرجات تعليم مكتسبة لأهم المهارات المطلوبة، ويضمن من جانب آخر إقبال الخريجين على العمل في هذه الوظيفة التي لا غنى للوطن عن أبنائها للعمل فيها.