بحثت في «لسان العرب» عن أصل لكلمة «شبّيح» فأفادني أن عملية الشّبح، بتسكين الباء، تعني أن يصار إلى مدّ الرجل بين مجموعة أوتاد، أو بين «شيئين». وفكرت أن الشيئين قد يكونا طرف دراجة نارية وطرف جرافة زراعية. ويضيف القاموس الشهير أن الرجل المضروب حين يمد من أجل جلده، فهو يشبح. وتذكرت آلاف المظلومين اليوم في شوارع العرب ممن يتهمون بأنهم مندسون ومشبوهون فيتم تحويلهم إلى مشبوحين.

وغرقت في قاموس «العباب الزاخر»، فإذا بـ«شَبَحه مَدَّه كالمصلوب.. وقد شُبِحَ في الرَّمْضاءِ أَي مُدَّ في الشمس على الرمضاء ليُعَذَّبَ». وتساءلت كم من إنسان يعذّب الآن في أمكنة سرية، لا شمس فيها، فلا يمر به أحد، ولا يغيثه أحد. وذهبت إلى «القاموس المحيط»، فأفادني أن المُشَبَّحُ هو المَقْشورُ. وحلّلت أن «الشبّيح» هو من يهجم عليك لكي يقشّرك فتصبح مشبَحا. وقبلها قد يمصّ دماءك ثم يبادر إلى تقشيرك، تماما كحبة برتقال استوت.

وتابع المحيط أن «شَبَّحَ تَشْبيحاً: كَبِرَ فرأى الشَّبَحَ شَبَحَيْنِ»، أي أن نوعا من الخرف قد أصاب الرجل فرأى من قبالته رجلين. أي أن «الشبيح» يظن أن كل مواطن في مواجهته هو اثنان: أحدهما «مندسّ» يستحق الاعتقال والآخر «إرهابي» يستحق الموت، وهو لشدة حالة التشبيح التي يتقمصها لا يعرف تماما بأي واحد يبدأ.

وتصفحت في «الصحاح في اللغة» فاكتشفت أن «الحِرْباءُ يشبح على العودِ، أي يَمْتَدُّ». واستدعيت فيلما شاهدته قبل فترة على «ناشونال جيوغرافيك» عن حرباء عملاق متوحش خبيث ينتظر مرورك تحت «العود» لكي يشب فوقك ويتعلق برقبتك ويسحب منها الروح والكرامة، فتبقى مكسور الرقبة، تمشي طوال حياتك منكس الرأس، ذليلا. ولاحقني الحرباء حتى كوابيسي وفزعت ولم يبق لديّ سوى حبة «كزانيكس» تطرده، لكنني تراجعت وقررت أنه ليس بالتخدير تطرد الحرباء وإنما بالعقل الكلي.

ووضعت القواميس بعضها فوق بعض، وقطعت «لسان العرب» وفرّعت «العباب الزاخر» وجففت «القاموس المحيط» ووضعت «إكس» فوق «الصحاح في اللغة» متهمة لغتنا العربية بالتآمر لمد المجرم.. بالمعنى!