سيكون من الصعب تجنب المبالغة في تقدير الضرر الذي سينجم عن تدخل القوات الروسية مجدداً في أوكرانيا، إذ ستختفي آمال البلاد بتحقيق مستقبل معتدل إلى دوامة، إلا أن هذا سيكون فقط جانباً واحداً من تغيير حقيقي خبيث في الشؤون الدولية، والذي من شأنه إضعاف أوروبا وروسيا، وتقويض جميع الاقتصادات، الأمر الذي قد يؤدي إلى مواجهة بين الشرق والغرب، يمكن أن تستغرق سنوات لتخطيها.

إن ضم شبه جزيرة القرم نقلنا فعلياً إلى منتصف الطريق من تلك الوجهة الكئيبة، غير أنه من شأن المزيد من التجاوزات إكمال العملية. وهذا هو سبب الانزعاج الشديد من ظاهرة المتظاهرين المعلنين عن "الجمهوريات" في مدن شرق أوكرانيا، ومطالبتهم بإجراء استفتاءات، ليس فقط عن وضعهم المستقبلي داخل أوكرانيا، بل أيضاً عن مسألة ما إذا كان ينبغي انضمامهم لروسيا.

قد تكون هذه الانتفاضات المصغرة - وهي صغيرة للغاية حتى الآن - منظمة من قبل روسيا. ويعتبر هذا الأمر غير مثبت، ولكن ذلك لا يهم، سواء أكانت التظاهرات عفوية أو مفتعلة. كما أنها ليست قضية أساسية فيما إذا كان هدف روسيا هو ممارسة الضغط، وذلك لو كانت موسكو وراء تلك الحوادث، أو كانت هنالك خطة أعمق لعملية الضم.

الأمر المهم هو أن هذه العملية ستتطلب سقوط بضع ضحايا فقط، فيما تنهمك الشرطة الأوكرانية في إخراج المحتجين من المباني الحكومية التي احتلوها لإيجاد فرصة ـ ذريعة، أو الاضطرار للتدخل، بعدها ستنبثق الأحداث بطرق لا يمكن لأي من الفاعلين فيها السيطرة عليها.

لقد تمت استعادة مبنى واحد دون وقوع إصابات، لكن قد لا يدوم هذا النوع من النجاح، ولا سيما إذا كان هناك أناس يفضلون عدم استمرار الهدوء.

الموقف الروسي هو أن مثل هذه الأمور كان لا بد أن تحدث في الغالب، نظراً للطبيعة التمثيلية والبغيضة للنظام المؤقت في كييف. لقد كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، محقاً في قوله إن هنالك اختلافات بين المناطق الأوكرانية.

والسؤال الذي يتعين على الوزير لافروف وعلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الإجابة عنه، هو ما إذا كانا يريدان التعامل مع هذه الاختلافات بطريقة تساعد أوكرانيا، أو ما إذا كانا يرغبان في التلاعب بها لتمزيق هذا البلد أو السيطرة عليه.