الأوضاع في أوكرانيا معقدة جداً، بحيث لا يمكن استبعاد انهيارها كدولة موحدة، والانتخابات الرئاسية التي تقرر إجراؤها في 25 مايو المقبل، يمكن أن تصبح حاسمة. فإذا جرت الانتخابات في بعض المناطق ولم تجر في مناطق أخرى، فسيكون هذا بداية نهاية أوكرانيا كدولة، أو ضربة قوية ضد شرعية السلطة.
الأوضاع في المناطق الجنوبية والشرقية غير محددة، خاصة وأن مؤتمر نواب الأقاليم الذي عقد في مدينة خاركوف، لم يشر إلى استعداد المناطق الشرقية للمقاومة. ولكن من المحتمل أن تتغير الأمور، إذا ما حاولت السلطات الجديدة فرض اللغة الأوكرانية على المناطق ذات الأغلبية الناطقة بالروسية، وإذا لم يحصل هذا فسوف تقبل هذه المناطق بالسلطة الجديدة كأمر واقع.
لقد خلق الرئيس المعزول يانوكوفيتش هذه الأوضاع بنفسه، فهو لم يكن مع روسيا ولا مع الاتحاد الأوروبي، لذلك لم يعد أحد يريده بسبب مناوراته العديدة، ولن يدافع عنه أحد، وحتى لجوؤه إلى روسيا جعل مصيره كمصير الرئيس القرغيزي الأسبق باكاييف، الذي لجأ إلى مينسك ولم يعد على صلة بالأوضاع في قرغيزيا.
انتصرت المعارضة الأوكرانية، ولكن إعادة العمل بدستور عام 2004 الذي يؤكد على أوكرانيا جمهورية برلمانية، في ظروف مجتمع غير مستقر، سيكون أمراً غير واضح، إذ انحرف الصراع السياسي عن الهدف المنشود. وإذا أخذنا في الاعتبار انقسام المجتمع والصراع في صفوف المنتصرين، فإنه من المحتمل جداً أن يستمر هذا الصراع طويلاً.
روسيا بعد ضم القرم إليها باتت في وضع انتظار، وقررت موسكو مراقبة تطور الأوضاع في أوكرانيا. طبعاً، سيصوت البرلمان الأوكراني لصالح توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي ستكون الكرة في ملعبه، وستغريه المسألة لاتخاذ خطوات مقابلة، ولو بهدف إزعاج موسكو. ولكن الغرب يدرك أن الحديث في الوقت الحاضر بشأن التكامل الحقيقي مع أوكرانيا، لن يكون حتى في المستقبل المنظور، لأن أوكرانيا على حافة الانهيار الاقتصادي.
لقد أثبتت الأحداث التي شهدتها أوكرانيا خلال سنوات عدة، أنها لم تختر بين روسيا والغرب، لأن أي خيار سيكون اختباراً لثبات الدولة. فإذا توجهت أوكرانيا نحو الغرب، فلا يمكنها عمل ذلك على أساس العداء لروسيا، لأن اقتصادها ومصيرها تاريخياً مترابطان مع روسيا بقوة. وبالعكس، أي الاتحاد مع روسيا، فهو لا يمكن أن يكون مبنياً على أساس العداء للغرب.
لذلك يمكن القول إن الخيار المثالي للسلطات الأوكرانية الجديدة، هو المفاوضات الثلاثية، التي على ضوئها «ستفرج» موسكو عن جارتها نحو الغرب. بالمناسبة، سيكون عقد هذه المفاوضات أو عدمه مؤشراً على المدى الذي وصلت إليه «الحرب الباردة» الجديدة بين روسيا والغرب، والتي باتت حديث العالم كله الآن.