على امتداد القرن الماضي، أصبحت الرغبة في النظام الدولي شاملة للغاية، بحيث إنه فيما كانت القوات الروسية تستولي على شبه جزيرة القرم تحت تهديد السلاح في فبراير الماضي، شعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاندفاع للاستشهاد بـ"المعايير الدولية" لتبرير تصرف بلاده. ومع ذلك، لم تقبل غالبية الدول تبريراته، بسبب ما كان في الواقع استيلاء على السلطة من أجل إعادة تعيين الحدود بالقوة.

وقد تم طرد روسيا من نادي الأنظمة الديمقراطية الثرية المعروفة باسم مجموعة الثماني، وعزلها بواسطة فرض عقوبات، ونبذها من خلال طرق أخرى عدة، إذ إن هناك اندفاعاً لاستعادة النظام الدولي.

والمهمة العاجلة هي منع حدوث المزيد من العدوان الروسي في بقية أرجاء أوكرانيا، إلا أنه تكمن وراء ذلك الهدف حاجة لاعتراض سوء الاستخدام الحاذق للقواعد والمعايير الدولية من قبل الرئيس بوتين.

ولا يستطيع النظام الدولي تحمل وجود عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، تتسع أراضيه لنحو 11 منطقة زمنية ويمتلك صواريخ نووية، يعمل خارج حدوده ووفقاً لمعاييره الخاصة. يعتمد العالم اليوم على العديد من المؤسسات العالمية، بدءاً من مراقبة الحركة الجوية وصولاً إلى عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام.

 وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت المعايير توضع من قبل الإمبراطوريات، بغية تجنب الصراعات بالدرجة الأولى. ومنذ ذلك الحين، تم تقنين القواعد في الكيانات الدولية والتكتلات التجارية، وكان الهدف في جانب كبير منها، هو النهوض بجميع الدول، وعلى رأسها أميركا.

وكان التحدي العالمي الرئيسي الأخير هو انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، الأمر الذي أنهى الحرب الباردة، ومواجهة ميزان القوى المستقر، على نحو كبير، بين الشيوعية والمثل العليا للسوق الحرة. وسبق أن كتب الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، رسالة لرئيس الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، يطلب مساعدته لإيجاد "نظام دولي جديد".

وفي وقت لاحق، قال بوش في خطاب أمام الكونغرس: "الخطر يتجاوز دولة صغيرة واحدة، وهو فكرة كبيرة لنظام دولي جديد، حيث يتم جمع دول مختلفة معاً في قضية مشتركة، بغية تحقيق التطلعات العالمية للسلام والأمن والحرية وسيادة القانون". ومنذ ذلك الحين، اتخذت العديد من الكيانات الدولية أماكنها، وخاصة في مجال الأمن النووي.

تصرفات الرئيس بوتين في شبه جزيرة القرم، لم تحطم النظام الدولي الحالي، لكنها زعزعته. وفي إحدى المراحل، قد يقترب من الرئيس الروسي نظيره الأميركي باراك أوباما أو قائد أوروبي، ليعمل على رأب صدع المعايير الدولية.

لا يوجد بلد واحد قوي بما فيه الكفاية، حتى أميركا أو روسيا، لتحدي الرغبة العميقة للحفاظ على المعايير وتحسينها.