أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال خطابه الذي ألقاه مؤخرا، مبرراً ضم بلاده غير المشروع لشبه جزيرة القرم، عن الألم والحيرة اللذين شعر بهما الروس بعد تهاوي الاتحاد السوفييتي. وصرح بأن انهيار الاتحاد السوفييتي جرى بسرعة كبيرة، بحيث لم يكد أحد يستوعب طبيعة تلك الأحداث، وكانت النتيجة هي أن التفكك تسببت فيه القوى الإمبريالية القديمة، التي يتواصل خبثها في أوكرانيا اليوم. وعلى حد تعبيره، فإن السياسات التي سادت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصولا للقرن العشرين، لا تزال مستمرة. وهذه المرة، مع ذلك، فإن الرئيس الروسي الجريء كشف خديعتها.

هذه إعادة تدوين غريبة للتاريخ، كما يدرك الرئيس الروسي من غير ريب، إذ لم يتفكك الاتحاد السوفييتي لأن حلف شمال الأطلسي (ناتو) عمل على انهياره، بل لأنه كان مفلساً سياسيا واقتصاديا، ولأن ملايين السكان داخل الدول المندرجة فيه، اغتنموا الفرصة لإعادة تشكيل مصائرهم بشكل جذري، حيث امتلكوا شجاعة الحشود نفسها التي واجهت الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في ساحة ميدان في العاصمة الأوكرانية كييف، خلال الأشهر الماضية.

وبصورة مأساوية، حافظت روسيا على مسار الاتحاد السوفييتي الكارثي، بحيث تقلص عدد سكانها، وهرب أفضل عقولها خارجاً، حتى إن نظامها السياسي يغرق بشكل أعمق في الفساد ونزعة العصابات. الأمر الذي تغير، هو أن شبابها ليست لديهم ذاكرة شخصية عن مآسي النظام الشيوعي، في حين أن العديد من آبائهم قد خدروا أنفسهم بالحنين العذب الزائف لتلك الأيام القديمة السيئة.

وقف محللون غربيون مؤخرا، مكتوفي الأيدي تجاه فشل الغرب في الوقوف في وجه النزعات الانتقامية للرئيس بوتين، وطالبوا بإجراء استجابة جريئة من «ناتو» لردعه عن اتخاذ إجراءات مماثلة في أماكن أخرى، إلا أن أولئك الصقور في حاجة للتذكير، بشكل فعال، بأن الذي أنهى الحرب الباردة لم يكن السفن المدفعية الغربية في «سيفاستوبول»، بل ازدهار الغرب وحرياته التي تناقضت بشكل صارخ للغاية مع الظروف في الشرق.

بالطبع يجب على أوروبا اتخاذ تمثيلات دبلوماسية وفرض عقوبات، لكن في نهاية المطاف، فإن استجابتها الأكثر نفعا للأزمة في شبه جزيرة القرم، تتمثل في القيام بكل شيء في وسع سلطة أوروبا، الجديرة بالاعتبار، أن تفعله، لمساعدة أوكرانيا لتصبح ما ضحى في سبيله قتلى ساحة ميدان، وهو أن تكون منارة للحرية والرخاء.