يعتبر الاستفتاء الذي أجري في شبه جزيرة القرم بلا أهمية وعميق الدلالة، على حد سواء. فهو بلا أهمية لأنه لا مكان له في قانون أوكرانيا التي يطبق فيها، ولأنه أجري بينما كانت المنطقة ذات الحكم الذاتي تحت الاحتلال العسكري. ومن غير المرجح أن تعترف الكيانات الدولية بنتائج الاستفتاء، حيث صوت مجلس الأمن الدولي لصالح التنديد به، بـ13 صوتاً مقابل صوت واحد، وهو صوت روسيا التي استخدمت حق النقض (الفيتو). ومع ذلك، يعتبر الاستفتاء عميق الدلالة، لأنه يمثل خطوة كبيرة على طريق ضم القرم لروسيا، ولأنه يكشف طبيعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصورة أكبر.
وشأن العديد من الرجال الأقوياء قبله، فإن دافع الرئيس بوتين هو الخوف بقدر ما تدفعه الجرأة. فقد شرع في مسار تمزيق الأوكرانيين، لأنه يخاف على بلاده إذا ما شوهدت جارتها تهرب إلى مستقبل أوروبي مشرق. ومنذ الاحتجاجات الحاشدة التي أحاطت عودته للرئاسة عام 2012، عمل بوتين جاهداً ليحول دون الإطاحة به من خلال موجة من المشاعر المؤيدة للديمقراطية، من النوع الذي جرى في جميع أنحاء العالم بعد ثورة تونس في ديسمبر 2010.
وبعد أن شهد الإطاحة بأحد أتباعه المقربين، وهو الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، تراجع بوتين، بقوة متجددة، عن مكاسب "غلاسنوست"، وهي سياسة الدعاية القصوى والانفتاح والشفافية في أنشطه جميع المؤسسات الحكومية في الاتحاد السوفييتي السابق.
وعبر سلسلة من حملات القمع والتدخل في الحريات المدنية، يعمل بوتين على تحويل نظام دكتاتوري إلى دولة قمعية للغاية، تبدو كأنها تدار من قبل مجموعة صغيرة من المقربين للرئيس داخل الكرملين، ويشعر بالشك الجنوني من الغرب. وقد أعرب عن ذلك رئيس شركة سكك الحديد الروسية وصديق الرئيس بوتين، فلاديمير ياكونين، في مقابلة أجريت معه أخيراً، إذ صرح بأنهم يشهدون لعبة جيوسياسية هائلة، هدفها تدمير روسيا باعتبارها معارضاً جيوسياسياً لأميركا، أو للاحتكارات المالية العالمية.
وأخيراً، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي للنظر في اتخاذ إجراءات ضد لائحة من المسؤولين الروس رفيعي المستوى، في ضوء الاستفتاء في شبه جزيرة القرم، ومن المرجح أن تحذو أميركا حذوهم. ويعتبر فرض مزيد من العقوبات أمراً وشيكاً، إذ حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على نحو غامض، من وقوع أضرار اقتصادية وسياسية "هائلة" لروسيا، ما لم يغير الرئيس الروسي مساره.
وإذا كان يجب الدفاع عن سيادة أوكرانيا، فهناك بضعة خيارات أخرى. ويبدو أن الشرق والغرب، من المحتم عليهما السير على الطريق المؤدي لانقسام جديد وخطير.