كثير من التعليقات حول أوكرانيا في الصحافة البريطانية، اتسم في الآونة الأخيرة بالتجاهل لتاريخها وسياستها، وهو أمر يصعب التغاضي عنه، وألقت الصحافة بشكل متعجل، اللوم في جميع مشكلات أوكرانيا، على عاتق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان هناك، تقريباً، عجز تام عن اقتراح طرق عملية لتحقيق تأثير غربي فعال، بغية التوصل إلى حل للأزمة. لذلك، ينبغي علينا البدء بدرس تاريخي قصير..

فقبل آلاف السنين، كانت كييف عاصمة الدولة المسيحية الأرثوذكسية التي تدعى "روس"، ولها روابط تصل إلى أقصى الغرب كإنجلترا، إلا أن التتار اجتاحوها في القرن الثالث عشر، تاركين، فقط، عدداً قليلاً من الإمارات في الشمال، بما فيها بلدة غامضة في أعماق الغابات تدعى "موسكو".

أصبحت أوكرانيا دولة مستقلة للمرة الأولى منذ العصور الوسطى، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. وكانت تمتلك العديد من مقومات النجاح، بشعبها المثقف، وعلاقاتها الجيدة مع العالم الخارجي، وصناعتها القوية، رغم بقاء اقتصادها مشوهاً بسبب الإرث السوفييتي. لكنها كانت لا تزال منقسمة على نفسها، مع شعور بالعزلة تجاه الدول المجاورة.

واليوم، يعتبر 77 % من سكان البلاد من الأوكرانيين، لكن 17 % منهم من القومية الروسية، حيث يتحدث ثلث سكانها الروسية، ولدى العديد من هؤلاء روابط عائلية قوية مع روسيا. وبصورة قاطعة، فقط الأوكرانيون من "غاليسيا" يتطلعون للغرب.

وفي هذه الأثناء، يشعر أغلب الروس بروابط عاطفية قوية تجاه أوكرانيا، باعتبارها مهد حضارتهم، حتى إن أغلب الأشخاص المنفتحين يشعرون أن خسارتها شبيهة ببتر أطرافهم.

بدأت الأمور بشكل جيد بما فيه الكفاية، إذ تفاوضت أوكرانيا وروسيا بشأن اتفاق معقول، للسماح لـ "أسطول البحر الأسود الروسي" بالبقاء في شبه جزيرة القرم. وبتقديم تنازلات يمكن الحكم عليها بأنها جيدة، خفف الأوكرانيون من مطالب سكان القرم الروس بإيجاد علاقات أوثق مع الوطن الأم. لكن لم يحالف الأوكرانيين الحظ مع قادة بلادهم الجدد، فمعظمهم كان يفتقر للكفاءة أو أسوأ من ذلك، إذ فشلوا في تحديث الاقتصاد، وخرج الفساد عن نطاق السيطرة.

ووصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسلطة عام 2000، طامحاً لتعزيز نفوذ روسيا مع الدول المجاورة. وبدأ الغرب محاولاته غير الحكيمة لوضع أوكرانيا على مداره، بغض النظر عن الحساسيات الروسية.

ورغم أقصى الجهود، العلنية والسرية، التي يبذلها، فقد فشل بوتين في تشكيل أوكرانيا وفقاً لإرادته. وفي عام 2004 نجح دميته يانكوفتش في الانتخاب رئيساً للبلاد، فقط ليشهد تنحيته في الثورة البرتقالية بدعم ملايين الدولارات من الأموال الغربية. والقادة "الديمقراطيون" الذين ظهروا بعدها، أثبتوا عدم كفاءتهم وفسادهم.

وقد تمت إعادة انتخاب يانكوفتش في انتخابات نزيهة عام 2010، إلا أنه كان يفتقر للكفاءة وفاسداً بشكل أكبر.